ذهبت عاملة نظافة الشوارع الجميلة لجمع القمامة أمام القصر… دون أن تتخيّل أن المليونير كان يراقبها.
كانت مارينا في مطار ساو باولو الدولي تحمل حقيبة صغيرة وابتسامة واثقة كانت في طريقها لأول رحلة دولية لها كمحاضرة بدعوة من مؤتمر عالمي للاستدامة في جنيف.
كان إدواردو وإيزابيلا التي بلغت الآن الحادية عشرة يودعانها.
قالت إيزابيلا بفخر
ماما هل ستتحدثين أمام أشخاص من كل العالم
نعم يا حبيبتي وسأحكي لهم قصة عائلتنا لأثبت أن فعل الشيء الصحيح يستحق دائما.
وقال مازحا
خمسة أيام بدونك ستكون دهرا.
أجابته
بالنسبة لي أيضا لكن من المهم أن نظهر أن النموذج الذي بنيناه هنا يمكن تطبيقه في أماكن أخرى.
كانت تك فيجن قد أصبحت مرجعا دوليا
تطبيقهم يستخدم في خمسة عشر بلدا وجامعات عالمية تدرس تجربتهم كنموذج ناجح.
قال إدواردو
عندما تعودين علينا أن نقرر بشأن عرض الأمم المتحدة.
كان العرض أن تتولى مارينا قيادة برنامج عالمي لحماية المبلغين عن الجرائم البيئية وهو شرف كبير لكنه يعني تغييرات كبيرة للعائلة.
في الطائرة استغلت مارينا ساعات السفر لمراجعة عرضها لكن ذكرياتها ظلت تعود إلى السنوات الثلاث الماضية وكيف تغيرت حياتهم بالكامل.
صارت الشركة توظف أكثر من مئتي شخص وفق معايير صارمة من الكفاءة والنزاهة وأنشؤوا برنامج فرصة ثانية للمهنيين الذين ظلموا بسبب مواقف أخلاقية يمنحهم عملا ودعما قانونيا ونفسيا.
فكرت وهي تنظر عبر النافذة إلى السحب
من المذهل كم يتغير العالم عندما نتوقف عن الخوف من فعل ما هو صواب.
في جنيف استقبلت بحفاوة وقدمها المنظمون على أنها المهندسة البرازيلية التي ضحت بمسيرتها المهنية لإنقاذ البيئة وألهمت ثورة في طريقة تعاطي الشركات مع الأخلاقيات.
وقفت أمام ألف شخص من خمسين دولة.
قالت
قبل ثلاث سنوات كنت أعمل عاملة نظافة في شوارع ساو باولو
ليس لأنني لم أكن أملك مؤهلات بل لأنني أبلغت عن جرائم بيئية وعوقبت على ذلك.
اليوم لست هنا لأحكي قصة ضحية بل لأثبت أنه يمكن تحويل الظلم إلى رسالة والألم إلى دافع والهزيمة الظاهرة إلى نصر حقيقي.
على مدى أربعين دقيقة روت قصتها مع إدواردو وقبل كل شيء قصة إيزابيلا الطفلة التي تعلمت أن المبادئ لا تباع.
شرحت كيف أن برنامجهم في البرازيل حمى أكثر من ثلاثمئة مهني وخلق وظائف لمن يستحقون.
بعد المحاضرة اقتربت منها سيدة قدمت نفسها قائلة
أنا سارة ميتشل من الوكالة الأوروبية للبيئة. نريد تمويل توسيع برنامجكم لعشرة بلدان أوروبية هل تقبلين أن تقودي هذا التوسع
ترددت مارينا كان عرضا ضخما لكنه يعني وقتا بعيدا عن العائلة.
قالت
أحتاج إلى التفكير.
في المساء اتصلت بإدواردو وإيزابيلا من الفندق.
قالت إيزابيلا بحماس
ماما كيف كانت المحاضرة
كانت
وماذا يريدون أن يفعلوا
يريدون إنشاء برامج مثل برنامجنا في بلدان أخرى.
قال إدواردو
هذا مذهل هل ستوافقين
لا أدري بعد يعني ذلك سفرا مستمرا وبعدا عنكم.
قالت إيزابيلا بنبرة جادة أكبر من عمرها
ماما أنت دائما تقولين إنه عندما تكون لدينا فرصة لمساعدة الآخرين يجب أن نفعل.
وأعرف أيضا أن الأسرة تأتي أولا لكننا نستطيع أن نرافقك أحيانا وأن تعملي من البيت أحيانا أخرى.
الأهم أن يحصل الآخرون على الفرصة نفسها التي حصلت عليها.
ابتسم إدواردو وقال
ابنتنا على حق.
أستطيع إدارة الشركة من هنا بينما تغيرين أنت العالم.
اغرورقت عينا مارينا بالدموع
أنتما رائعان.
عندما عادت إلى البرازيل كانت قد حسمت أمرها ستوافق على توسيع البرنامج دوليا بشرط أن يبقى مركزه في ساو باولو وأن يكون إدواردو شريكا كاملا في الإدارة وأن تسافر إيزابيلا معها في العطل.
بعد أشهر كانت في لندن تفتتح أول مركز أوروبي لحماية المبلغين بصحبة إدواردو وإيزابيلا في رحلة تحولت إلى شهر عسل عائلي.
قالت إيزابيلا وهي ترى القاعة المزدحمة
انظري يا ماما كم من الناس حضروا!
أجابها إدواردو
كلهم هنا ليتعلموا كيف يحمون أشخاصا شجعان مثلك يا مارينا.
خلال الحفل دعت مارينا زوجها وابنتها إلى المنصة وقالت للحضور
هذه عائلتي
إدواردو سانتانا الذي علمني أن هناك رجال أعمال شرفاء
وإيزابيلا سانتانا التي علمتني أن الشجاعة لا عمر لها.
أخذت إيزابيلا الميكروفون فجأة وقالت
أريد أن أقول شيئا لكل من هنا
إذا كنتم تعرفون شخصا عوقب لأنه فعل ما هو صحيح لا تتركوه يستسلم.
لأن الشخص الأهم في العالم قد يكون مختبئا في عمل لا يقدره أحد.
وقفت القاعة تصفق لها بدموع وتأثر.
بعد الحفل تجولت الأسرة في شوارع لندن.
في أحد المتنزهات بينما كانت إيزابيلا تلعب قالت مارينا لإدواردو
أحيانا لا أصدق أننا وصلنا إلى هنا.
سألها
لماذا
قالت
أتذكر اليوم الأول الذي رأيتك فيه تراقبني من فناء منزلك كنت أظنك مجرد ثري يتباهى بمساعدته لفقيرة.
ضحك وسألها
ومتى تغيرت نظرتك
عندما قلت لي إنك تريدني أن أنبهك إذا فعلت شيئا خاطئا لم يقل لي أي رئيس ذلك من قبل.
قالت ثم أضافت
الآن أعرف أنك أنزه رجل عرفته وأن حبنا لم يولد من شفقة بل من احترام متبادل.
جاءت إيزابيلا تركض إليهما وقالت
ماما بابا تعلمان ما هو حلمي
ما هو يا حبيبتي سألتها مارينا.
قالت
أريد أن أدرس القانون الدولي لأساعد المزيد من الناس
وأريد لأسرتنا أن تكبر أكثر.
سألها إدواردو
تكبر كيف
بأن نتبنى أطفالا يحتاجون إلى أبوين مثلكما.
تبادلت مارينا وإدواردو نظرات متأثرة.
سألتها مارينا
هل تحبين أن يكون لك إخوة بالتبني
بالطبع. لدينا الكثير من الحب لنقدمه وهناك الكثير من الأطفال الذين يحتاجون إلى عائلة.
وقال
يبدو أن سخاءكما لا ينتهي.
بعد عام من تلك المحادثة كبرت عائلة سانتانا فعلا
فإلى جانب إيزابيلا التي بلغت الثانية عشرة وصارت تتقن ثلاث لغات بسبب السفر تبنوا طفلين بيدرو ذا الثمانية أعوام وآنا ذات الستة أعوام فقدا والديهما في حادث وكانا بحاجة ماسة إلى بيت ومحبة.
كان التبني رحلة مليئة بالعواطف لكن مارينا وإدواردو خاضاها بكل وعي مع جلسات دعم نفسي وزيارات متكررة للدار التي كان فيها الطفلان وتحضير للمنزل والأهم من ذلك تحضير إيزابيلا لدور الأخت الكبرى.
قالت إيزابيلا لصديقتها في إحدى الحفلات
هما خجولان قليلا لكن والدي يقول إن الإنسان عندما يفقد أشخاصا مهمين يحتاج وقتا طويلا ليستعيد ثقته.
مثل ما حدث مع أمي.
سمعت مارينا ذلك من المطبخ وشعرت بقلبها يدفأ.
فابنتها لم تعد مجرد طفلة بل أختا حنونة تساعد بيدرو وآنا على التأقلم.
صار البرنامج الدولي لحماية المبلغين يعمل في اثنين وعشرين بلدا وحمى أكثر من ألفي مهني.
تلقت مارينا جوائز عالمية لكن أغلى ما في حياتها كان الرسائل التي تصلها من مهندسين وموظفين وجدوا الشجاعة للفضح بعد سماع قصتها.
في صباح يوم أحد وهم يتناولون الإفطار في الحديقة سألها إدواردو
هل قرأت الرسالة التي وصلت أمس
أي رسالة
ناولها ظرفا وقال
من مهندسة كيميائية في المكسيك. أبلغت عن مصنع كان يلوث نهرا بعد أن شاهدت محاضرتك على الإنترنت.
قرأت الرسالة بصوت عال وفيها أن المصنع أجبر على التوقف وأن مياه النهر عادت صالحة للاستخدام وأن برنامج الحماية هناك المستوحى من نموذجهم ساعد المهندسة على إعادة بناء حياتها.
سألها بيدرو بخجل لطيف
ماما هل أنت مشهورة مثل الذين في التلفاز
ابتسمت وقالت
ليست بتلك الصورة يا حبيبي. هناك من يعرف قصتنا لأننا نعمل في مجال البيئة هذا كل شيء.
قالت آنا
لكن المعلمة في المدرسة قالت إنك تساعدين في إنقاذ الكوكب.
قال إدواردو وهو يبتسم
أمكم مهمة جدا نعم
لكن أهم عمل تقوم به هو الاعتناء بكم أنتم الثلاثة
أن تربيكم على أن تكونوا أناسا صالحين وأن تنقلوا ما تعلمتموه لغيركم.
هكذا يتحسن العالم حقا.
رفعت إيزابيلا كوب العصير وقالت
إلى عائلتنا التي تثبت أن الحب والشجاعة يستطيعان تغيير العالم.
ردد الأطفال الثلاثة
إلى عائلتنا.
في وقت لاحق من اليوم نفسه أخبرت مارينا إدواردو عن رسالة إلكترونية جديدة وصلت من الحكومة الألمانية
يريدونني أن أقود لجنة دولية لجرائم البيئة وظيفة في الأمم المتحدة مقرها
سألها
وماذا يعني ذلك لنا
يعني الانتقال إلى نيويورك ثلاث سنوات على الأقل.
الأطفال سيلتحقون بمدرسة دولية وأنت تستطيع فتح فرع للشركة هناك.
قال
إنه عرض مذهل لكنه قرار يخص الأسرة كلها.
لذا جمعوا الأطفال الثلاثة وأخبروهم بالأمر.
تحمست إيزابيلا فورا بينما أبدى بيدرو قلقه على أصدقائه وسألت آنا بهدوء
ماما هل ستساعدين مزيدا من الناس إن ذهبنا
نعم يا حبيبتي كثيرا.
قالت الصغيرة بثقة
إذا يجب أن نذهب لأن مساعدة الناس أمر مهم.
بعد ثلاثة أشهر كانت عائلة سانتانا في مطار غواروليوس تستعد لرحلة لا عودة قريبة منها.
كان معهم أربع حقائب كبيرة وثلاثة أطفال متحمسين وزوجان متوتران لكنهما مقتنعان بما يفعلان.
سألها إدواردو وهو يمسك يدها
جاهزة لأكبر مغامرة في حياتنا
جاهزة وإن كنت خائفة قليلا.
طبيعي. نحن نترك كل ما نعرفه خلفنا.
قالت
لا نترك كل شيء نأخذ معنا الأهم أسرتنا.
في الطائرة بينما كان الأطفال نائمين سألت مارينا
إدواردو هل تندم على شيء
حياتك كانت أبسط قبل أن تلتقيني شركتك روتينك بلا تعقيدات.
شد على يدها وقال
كانت حياتي فارغة. كان عندي المال والنجاح لكن بلا معنى ولا حب.
الآن لدي زوجة أزداد إعجابا بها كل يوم وثلاثة أطفال يملؤون حياتي
وأشعر أنني أستخدم ما لدي لشيء يستحق.
قالت وهي تضع رأسها على كتفه
أحيانا أتذكر اليوم الأول عندما كنت أكنس الشارع وكنت تنظر إلي من الفناء
لو أخبرني أحد آنذاك أن حياتي ستتغير إلى هذا الحد بسبب ذلك اللقاء لما صدقت.
قال لها بابتسامة
والآن
الآن أؤمن أن القدر موجود وأن الأرواح النزيهة تلتقي في الوقت المناسب.
عند هبوط الطائرة في نيويورك كانت إيزابيلا أول من استيقظ نظرت من النافذة وقالت
ماما بابا وصلنا!
استيقظ بيدرو وآنا وراحا يحدقان بدهشة في حجم المدينة وارتفاع بناياتها.
قال إدواردو وهو ينظر إلى مارينا
جاهزة لتبدئي تغيير العالم على مستوى عالمي
أجابته بابتسامة فيها قوة وطمأنينة
جاهزة خصوصا لأنني لست وحدي.
وبينما كانت عائلة سانتانا تخطو أولى خطواتها في شوارع نيويورك تذكرت مارينا مرة أخرى ذلك الصباح البعيد يوم كانت تكنس الشارع أمام قصر إدواردو.
لم يكن يخطر ببالها ولو للحظة أن لقاء عابرا بين رجل أعمال فضولي وعاملة نظافة عنيدة سيتحول إلى قصة حب تعبر الحدود وتلهم تغييرات على مستوى العالم.
لكن ربما كانت هذه هي معجزة الحياة الحقيقية
عندما يلتقي أناس نزيهون ويقررون أن يقاتلوا معا من أجل شيء أكبر منهم
لا يعود هناك سقف لما يمكن أن يصنعوه من خير ولا حدود جغرافية أو ثقافية لمدى تأثيرهم.
وكانت عائلة سانتانا المبنية على