ذهبت عاملة نظافة الشوارع الجميلة لجمع القمامة أمام القصر… دون أن تتخيّل أن المليونير كان يراقبها.
كان إدواردو سانتانا يراها كل يوم وهي تكنس الشوارع تحمل في خطواتها ووقفتها كرامة لم يكن يفهم سرها إلى أن اكتشف من تكون حقا ولماذا كانت هناك.
كان إدواردو واقفا في فناء قصره يراقب المرأة ذات الزي البرتقالي التي تعمل على الرصيف المقابل لمنزله.
كان ذلك صباح يوم ثلاثاء الساعة الثامنة وللمرة الرابعة في ذلك الأسبوع وجد نفسه واقفا هناك يكتفي بمراقبتها وهي تعمل. كان هناك شيء مختلف في تلك العاملة. لم يكن الأمر مجرد الطريقة الدقيقة التي تفصل بها النفايات القابلة لإعادة التدوير عن غيرها وهو أمر لم يسبق له أن رآه من أي عامل نظافة في المدينة بل كان شيئا في هيئتها في وقفتها في الطريقة التي تتأمل بها أشجار الشارع تلمس بعض الأوراق كأنها تفحص شيئا بعينه.
اقترب إدواردو من السور القصير الذي يحدد فناء منزله المفتوح. لم يكن في الملكية جدران عالية ولا بوابات ضخمة فقد كان يفضل دوما الطراز الأكثر انفتاحا رغم كونه أحد أغنى رجال الأعمال في المدينة.
كانت مارينا سيلفا هكذا قرأ اسمها مطرزا على زيها جاثية بجانب شجرة تجمع الأوراق الصفراء المتساقطة على الأرض.
لكن بدلا من أن تكنس كل شيء مباشرة إلى كيس القمامة كانت تفصل الأوراق تفحص كل واحدة بعناية.
قال إدواردو وهو يقترب من السور
عذرا على الإزعاج هل لي أن أسأل عما تفعلين
رفعت مارينا عينيها وقد بدا عليها بوضوح أنها تفاجأت بأن أحدا كلمها.
كانت في نحو الثلاثين من عمرها ذات شعر بني مربوط في ذيل حصان عملي وعينين خضراوين تشيان بذكاء لم يكن إدواردو يتوقع أن يراه.
قالت
آه صباح الخير! أنا فقط أتحقق مما إذا كانت هذه الأشجار مصابة بآفة ما. فهي من نوع الفيكس وفي هذا الوقت من السنة من الشائع ظهور حشرة الكوكسينيا على الأوراق.
رمش إدواردو عدة مرات وهو يحاول استيعاب الإجابة.
تابعت مارينا بهدوء مهني
الكوكسينيا حشرة تمتص عصارة النباتات وإن لم تعالج مبكرا يمكن أن تقتل الشجرة بالكامل. وبما أن هذه الأشجار تقف أمام منزلك اعتقدت أن علي التحقق من حالتها.
سألها متعجبا
أأنت متخصصة في النباتات
ابتسمت مارينا ابتسامة خجولة قليلا وقالت
درست الهندسة البيئية في الجامعة قبل وقت طويل من عملي هنا.
شعر إدواردو كأنه تلقى ضربة في معدته.
مهندسة بيئية وتعمل كعاملة نظافة في الشارع!
قال ببطء
هندسة بيئية ومع ذلك تعملين في كنس الشوارع
أجابت مارينا وهي تعود لجمع الأوراق
إنها قصة طويلة. لكن على الأقل أستطيع أن أستخدم معرفتي في العناية بالمدينة.
نظر إدواردو إلى يديها وهما تتعاملان مع الأوراق بدقة شخص يعرف تماما ما يفعل.
ثم نظر إلى طريقة تنظيمها للنفايات القابلة لإعادة التدوير في مجموعات واضحة بلاستيك ورق معدن زجاج كل نوع في كومة منفصلة.
قال
مارينا هل يمكنني أن أطرح عليك سؤالا شخصيا
ترددت قليلا ثم أومأت برأسها.
تفضل.
قال
لماذا تعمل مهندسة بيئية في كنس الشوارع
توقفت مارينا عن العمل واعتدلت واقفة تمسح يديها بزيها البرتقالي. كان في عينيها حزن تعرف عليه إدواردو فهو نفس الحزن الذي كان يراه في المرآة عندما يفكر في إخفاقاته الشخصية.
قالت
لأن فعل الشيء الصحيح أحيانا يكلف أكثر مما نتخيل
ولأن لدي ابنة في الثامنة من عمرها يجب أن أعيلها
ولأن هذا العمل على الأقل عمل شريف.
شعر إدواردو بوخزة مؤلمة في صدره.
كان في طريقتها في الكلام ما يشير إلى قصة كفاح وقرارات صعبة وجراح لم تلتئم بعد.
قال
مارينا أنا أعمل في مجال التكنولوجيا والاستدامة. شركتي تبحث دائما عن أشخاص يفهمون البيئة. هل يهمك أن نتحدث عن فرصة عمل
نظرت إليه مارينا بمزيج من الأمل والشك
السيد إدواردو
ثم صححت نفسها
إدواردو سانتانا أليس كذلك
لا أريد أن أبدو وقحة لكنني سمعت هذا الكلام من قبل أشخاص يقدمون وعودا جميلة عندما يكتشفون دراستي ثم يختفون عندما يعرفون لماذا أعمل هنا ولم انتهى بي المطاف إلى هذا المكان.
أخذت نفسا عميقا وكأنها كانت تصارع نفسها لتقرر هل تتكلم أم تصمت.
ثم قالت
عملت ثلاث سنوات في شركة بيتروتيك للصناعات. كنت مسؤولة عن تقارير الأثر البيئي لمشروعات الشركة.
انحنى إدواردو قليلا إلى الأمام وقد بدا عليه الاهتمام الشديد.
تابعت
في يوم ما اكتشفت أنهم يزورون البيانات للحصول على تراخيص عمل في مناطق محمية.
رفعت الأمر لرئيسي المباشر أولا ثم للجهات الرقابية المختصة.
فكانت النتيجة أنهم فصلوني فصلا تعسفيا مع ادعاء أنني أخرب المشاريع وأعيق التقدم.
ومنذ ذلك الحين لم أستطع الحصول على وظيفة في مجالي.
سألها
منذ متى حدث هذا
منذ عامين. عامان أحاول خلالهما إعادة بناء مسيرتي بينما أربي ابنتي وحدي.
شعر إدواردو بمزيج من الغضب والإعجاب غضب من نظام يعاقب من يفعل الصواب وإعجاب بشجاعة هذه المرأة التي لم تتراجع.
قال
مارينا هل لي أن أقدم لك عرضا
سألته بحذر
أي نوع من العروض
قال
تعالي لتعملي معي. بدوام جزئي في البداية لتري إن كان المكان يناسبك. استشارات في الاستدامة لمشاريعي.
هزت مارينا رأسها
السيد إدواردو أنت لا تعرفني حقا بعد فكيف تعرض علي وظيفة بهذه السرعة
ابتسم إدواردو وقال
لأنك خلال عشر دقائق من الحديث أظهرت معرفة تقنية وشخصية نزيهة أكثر من كثير من المرشحين الذين قابلتهم.
ولأن شخصا يضحي بمسيرته المهنية من أجل حماية البيئة هو بالضبط الشخص الذي أحتاجه في فريقي.
سادت لحظة صمت بدت فيها مارينا كأنها تحاول استيعاب ما تسمع.
قالت أخيرا
هل لي أن أفكر قليلا
بالطبع. لكن مارينا هل أسألك سؤالا آخر
تفضل.
هل تعرف ابنتك عن دراستك
أجابت
تعرف. تسألني دائما متى ستعودين لتكوني مهندسة حقيقية
فأجيبها إنني مهندسة بطريقتي الخاصة أعتني بالبيئة بما أستطيع.
شعر إدواردو بأن قلبه ينقبض تأثرا
يا لها من طفلة محظوظة بأم مثلك.
ابتسمت مارينا وكانت تلك أول ابتسامة صادقة يراها على وجهها منذ بداية الحوار.
قالت
السيد إدواردو هل أستطيع أن أسألك بدوري سؤالا
طبعا.
لماذا تعرض علي هذه الفرصة ماذا ستكسب من ذلك
فكر إدواردو لحظة قبل أن يجيب.
الحقيقة أنه كان يشعر بفراغ داخلي منذ أشهر رغم كل نجاحه المالي. شركته في نمو مستمر لكنه كان يحس أنه يفقد المعنى ويفتقر إلى ارتباط حقيقي بشيء أكبر من الأرقام.
قال أخيرا
بصراحة لأنني أحتاج إلى شخص يذكرني لم بدأت العمل في مجال التكنولوجيا المستدامة.
إلى شخص لم يفقد شغفه بصنع الفرق.
وأنت بقدر ما رأيت حتى الآن ما زلت متمسكة بهذا الشغف.
نظرت إليه مارينا لثوان كأنها تدرس صدقه.
ثم قالت
حسنا أوافق على أن نتحدث أكثر عن هذه الفرصة.
قال بلهفة طفيفة
حقا
حقا ولكن بشرطين.
ما هما
الأول إذا اكتشفت أن شركتك تفعل شيئا يضر بالبيئة فسأبلغ عن ذلك حتى لو كلفني ذلك عملي مرة أخرى.
ضحك إدواردو
ممتاز. هذا بالضبط ما أريده.
والثاني أريد أن تتعرف إلى ابنتي قبل أن تقرر توظيفي. فهي جزء من أي قرار مهم أتخذه.
شعر إدواردو بشيء لم يحسه منذ زمن طويل احترام حقيقي لهذه المرأة.
قال
مارينا أوافق على الشرطين. في الواقع يشرفني أن تعرفينني إلى ابنتك.
أنهت مارينا جمع الأوراق ورتبت أدوات التنظيف.
قالت
السيد إدواردو هل أستطيع أن أمر غدا بعد العمل حوالي الثانية بعد الظهر
بالطبع. ويمكنك إحضار ابنتك إن أحببت.
سأحضرها بالتأكيد. ستود أن ترى الرجل الذي قد يمنح أمها فرصة جديدة.
عندما ابتعدت مارينا وهي تدفع عربة التنظيف على طول الشارع بقي إدواردو واقفا في فناء منزله لعدة دقائق غارقا في التفكير.
كان في هذا اللقاء ما مس شيئا عميقا بداخله ربما شجاعتها في التضحية بمسيرتها من أجل مبادئها وربما الطريقة التي حولت بها عملا بسيطا إلى عمل مفعم بالكرامة والمعنى أو ربما حقيقة أنه وجد أخيرا شخصا ما يزال يؤمن بأن فعل الشيء الصحيح يستحق الثمن.
عاد إدواردو إلى المنزل وهو يشعر بإحساس لم يذقه منذ زمن الترقب لليوم التالي.
وللمرة الأولى منذ وقت طويل لم تكن هذه الترقب متعلقا بصفقة أو ربح بل برجاء التعرف أكثر إلى إنسانة استطاعت في دقائق أن توقظ فيه شيئا ظنه ميتا.
في صباح اليوم التالي في الشركة تكرر المشهد داخليا فقد وجد إدواردو نفسه يفكر في مارينا خلال اجتماعاته.
أثناء اجتماع المديرين للحديث عن استراتيجيات النمو تذكر طريقة فحصها لأوراق الأشجار.
وأثناء عرض النتائج الفصلية كان ذهنه يعود
في الساعة الثانية بعد الظهر كان إدواردو في فناء منزله يتظاهر بأنه يعتني بالنباتات بينما كان في الحقيقة ينتظر وصول مارينا.
وحين رآها تسير في الشارع وبجانبها فتاة صغيرة ذات شعر بني يشبه شعرها شعر قلبه يخفق بقوة.
كانت ابنة مارينا في نحو الثامنة من عمرها ترتدي فستانا بسيطا ولكنه أنيق وتحمل حقيبة مدرسية مزينة برسوم الحيوانات.
أكثر ما لفت نظره هو الطريقة التي تمشي بها بجوار أمها واثقة بلا عجلة تتحدث معها بحماس طفولي.
قالت مارينا عندما اقتربتا من السور
مساء الخير سيد إدواردو. هذه ابنتي إيزابيلا.
مدت إيزابيلا يدها الصغيرة إلى إدواردو في حركة رسمية لطيفة
تشرفت بمعرفتك سيد إدواردو. أمي قالت إن لديك شركة تكنولوجيا.
صافحها إدواردو وقد أعجبته تربيتها
تشرفت أنا أيضا يا إيزابيلا. أمك حدثتني عنك كثيرا.
قالت الطفلة ببساطة
وهي أيضا تحدثت عنك كثيرا. قالت إنك تريد أن تمنحها فرصة جديدة.
أجابها
هذا صحيح. أعتقد أن أمك يمكن أن تساعدني كثيرا في الشركة.
نظرت إيزابيلا إلى أمها ثم عادت تنظر إلى إدواردو وقالت
سيد إدواردو هل أستطيع أن أسألك سؤالا
بالطبع يا إيزابيلا.
هل ستهتم بأمي جيدا لأنها حزنت كثيرا من قبل بسبب العمل.
شعر إدواردو بانقباض في قلبه أمام هذا النضج المبكر.
قال
إيزابيلا أعدك أنني سأهتم بوالدتك جيدا. وإن شعرت في أي وقت أنها ليست سعيدة في العمل معي تستطيع أن ترحل في أي لحظة.
ابتسمت إيزابيلا قائلة
حسنا إذا أسمح لها أن تعمل معك.
ضحكت مارينا بتأثر واضح
إيزا أنا من يقرر أين أعمل أليس كذلك
أعرف يا ماما لكنك دائما تقولين إن رأيي مهم.
نظر إدواردو إلى مارينا بإعجاب أكبر فهي لا تربي ابنتها على الطاعة العمياء بل على المشاركة والثقة.
قال
ما رأيكما أن ندخل ونتحدث بهدوء
حسنا أجابت مارينا.
ساروا عبر الفناء حتى الشرفة. قدم إدواردو العصير لإيزابيلا والقهوة لمارينا ثم جلسوا على كراسي الخيزران في المنطقة الخارجية.
قالت إيزابيلا وهي تحتسي العصير
سيد إدواردو هل تعيش وحدك في هذا البيت الكبير
أجاب
نعم يا إيزابيلا أعيش وحدي.
سألت ببساطة طفولية
ألا تشعر بالوحدة أحيانا
فاجأه السؤال.
قال
أحيانا أشعر بذلك. وأمك أيضا تشعر بالوحدة أحيانا أليس كذلك
تدخلت مارينا بخجل
إيزا توقفي عن الأسئلة الشخصية.
قال إدواردو
لا بأس أنا أحب الأشخاص الذين يطرحون أسئلة مباشرة.
على مدار ساعة كاملة تحدث إدواردو مع مارينا عن الشركة وعن المشاريع الجارية وفرص العمل المحتملة. لكن ما أدهشه أكثر من أي شيء آخر كان علاقتهما كأم وابنة علاقة قائمة على الاحترام المتبادل والمودة الحقيقية.
وعندما بدأ الظلام يحل قالت مارينا
سيد إدواردو علينا أن نذهب
قال
بالطبع. إذا ما قرارك بشأن عرضي
نظرت مارينا إلى ابنتها التي أومأت لها بتشجيع.
قالت
أوافق لكن نبدأ بالتدريج. عمل جزئي أولا.
ابتسم