رواية جديدة

لمحة نيوز


نفس الحكاية.
مش عن الميراث.
ولا عن الأوراق.
ولا عن الأسرار.
كنت بحكي لهم عن الوعد.
عن راجل وعد ست قبل موتها إنه يحمي بنتها.
ووفى بوعده أكتر من عشرين سنة.
كنت بحكي لهم إن الأب مش كلمة بتتكتب في شهادة.
الأب موقف.
الأب أمان.
الأب هو اللي يشيلك لما تقع.
ويسندك لما تتعبي.
ويفضل جنبك حتى لما تكبري وما تبقيش محتاجاه بنفس الشكل.
وفي ليلة من الليالي، بعد سنوات من كل اللي حصل، كنت قاعدة لوحدي قدام صورة فتحي.
مسكت الدفتر القديم.
وقريت آخر صفحة مرة تانية.
صافي كبرت.
والحمد لله إني عشت لحد ما أشوفها أم.
دلوقتي أقدر أرتاح.
ابتسمت.
وقلت
ارتاح يا بابا.
أنا بخير.
ولادك بخير.
ووعدك لسه عايش.
وقتها افتكرت أول ليلة عرفت فيها الحقيقة.
افتكرت المستشفى.
إيده الباردة.
صوته الضعيف.
وهو بيقول
اوعديني إنك هتسمعيني للاخر قبل ما تقرري تكرهيني.
وضعت يدي على الخاتم.
وقلت
أنا ما كرهتكش.
أنا حبيتك أكتر بعد ما عرفت الحقيقة.
وأدركت إن أكبر سر أخفته أمي عني ما كانش عن أب مجهول ولا عن ميراث.
كان عن رجل دخل حياتي كزوج لأمي، وخرج منها وهو أبويا الحقيقي في كل معنى يهم.
فتحي ما سابليش ثروة أعيش منها.
سابلي سيرة أعيش بيها.
سابلي أولادي يعرفوا إن الوفا مش كلام.
وسابلي ذكرى كل ما أتعب، أرجع لها وأفتكر إن ربنا ممكن يعوض الإنسان بطريقة ما يتوقعهاش.
ومن يومها، كل ما حد يسألني
مين فتحي؟
ما بقولش
ده كان جوز أمي.
ولا بقول
ده الراجل اللي رباني.
بقول جملة واحدة
ده أبويا.
وبس.
لأن بعض العلاقات ما بتحتاجش شرح.
وبعض الناس ما تحتاجش ورقة تثبت مكانها في القلب.
فتحي دخل حياتي في وقت كنت فيه طفلة فقدت أمها.
ومشى منها وأنا امرأة عندي أولاد.
لكن المسافة بين اللحظتين كانت عمر كامل من الحب.
عمر كامل من الفطير بالسكر.
عمر كامل من المدرسة والمرض والنجاح والخوف والفرح.
عمر كامل من كلمة واحدة ما قالهاش كتير، لكنه عاشها كل يوم
أنا جنبك.
وأنا كبرت.
وهو كبر.
وبعدين مشي.
لكن وعده ما مشيش.
فضل معايا.
في بيتي.
في أولادي.
في كل مرة أعمل فيها فطير بالسكر.
وفي كل مرة حد من أولادي يقع فأجري عليه وأقوله
أنا هنا.
ساعتها بابتسم.
لأني بعرف إن الجملة دي مش جملتي لوحدي.
دي جملة ورثتها من فتحي.
والحكاية اللي بدأت بسر في غرفة مستشفى انتهت بحقيقة واحدة
إن الإنسان ممكن يولد من أب وأم...
لكن أحيانًا يحتاج عمر كامل عشان يعرف مين كان أبوه فعلًا.
وأنا عرفت.
فتحي كان أبويا.
وسيظل أبويا.
حتى لو غاب صوته.
حتى لو غاب كرسيه.
حتى لو فضيت إيده من إيدي.
لأن الأب الحقيقي مش دايمًا هو اللي يفضل واقف قدام عينيك.
أحيانًا يكون هو اللي علمك إزاي تكملي الطريق بعد ما يمشي.
وأنا كملت.
وكل ما أمشي خطوة جديدة، كنت أحس إن في حاجة جوايا بتقول
كملي يا صافي.
أنا جنبك.
وأنا عارفة الصوت ده كويس.
كان صوت فتحي.
وكان آخر ميراث سابهولي.
وأغلى حاجة في كل الحكاية.
الأمان.

 

تم نسخ الرابط