اتجوزت ضابط أرمل عشان أرعى عياله السبعة مقابل الأكل والسقف... لكن لما رجع من الحرب، اللي شافه في بيته غيّر حياته للأبد
المحتويات
واقف مكانه.
عنده 12 سنة، لكن شايل فوق كتافه سنين أكتر من عمره.
بص له غسان.
سامحني.
بلع سليم ريقه.
مش عارف أقدر ولا لأ.
قال غسان
يبقى ما تسامحنيش دلوقتي.
وساعتها حاجة انكسرت جواه.
قرب الولد.
كنت واقفة عند باب المطبخ بتفرج عليهم.
وحسيت إني غريبة.
كأن دوري خلص.
خلعت المريلة.
الحاجة أمينة شافتني وأنا بعمل كده، وابتسمت بخبث.
أخيرًا فهمتي مكانك.
رفع غسان راسه.
رايحة فين يا إيناس؟
صعب عليّ أتكلم.
أبوهم رجع. خلاص مش محتاجينني زي الأول.
قالت ريم
لأ.
واتعلقت ليان بعبايتي.
إنتِ قلتي إنك مش هتمشي النهارده.
انحنيت قدامها.
ومش همشي النهارده يا حبيبتي. بس هديكم مساحة.
بص لي سليم كأني بخونه.
ده اللي كل الناس بتقوله قبل ما تمشي.
الجملة غرستني في الأرض.
ساب غسان ليان مع ريم، ومشي ناحيتي.
كان بيعرج.
ومبلول.
وريحته خليط من البارود القديم، والعرق، والطريق، والمستشفى.
قال
إيناس، لما مشيت، سبت لكِ حمل ما كانش حملك.
قلت
بقى حملي من يوم ما قلت آه.
هز راسه.
لأ. أنا اشتريتك بالجوع.
ما حولتش عيني عنه.
في الأول.
أخد نفس عميق.
ودلوقتي؟
ما رديتش.
لأن لو قلت الحقيقة، كنت هتعرى من كل حاجة جوايا.
تدخلت الحاجة أمينة بينا.
بلاش تمثيل. غسان، بكرة نوديها مع شوية فلوس. هي عملت اللي عليها. العيال محتاجين ست من عيلة.
ضحكت ريم ببرود.
زيك؟
رفعت الحاجة أمينة إيدها عشان تضربها.
أو حاولت.
مسكت إيدها في الهوا.
البيت كله اتجمد.
أنا عمري ما لمست الست دي قبل كده.
ولا عليت صوتي عليها، رغم إنها دَاست على كرامتي أكتر من مرة.
لكن الليلة دي، وغسان راجع، والعيال بيتفرجوا، ما كنتش هسمح لإيد تانية تعلّمهم الخوف.
قلت
مش قدامهم.
حاولت الحاجة أمينة تسحب إيدها.
سيبيني يا جعانة!
مسك غسان إيد أمه وبعدها عني.
اخرجي.
بصت له كأنها مش عارفاه.
بتطردني؟
بطلب منك تخرجي من بيت عيالي.
أنا اللي ولدتك!
قال غسان
وبعدين سرقتي رسايلي.
فتحت بوقها.
كنت بحميك.
لأ. كنتِ بتحاولي تستبدليني بكبريائك.
إيد الحاجة أمينة اترعشت.
ولأول مرة شفتها عجوز.
مش قوية.
مش متحكمة.
عجوز وبس.
قالت
مريم ما كانتش هتكلمني بالطريقة دي.
بص غسان لصورة مريم.
مريم ما كانتش هتسيب عيالها جعانين عشان تحافظ على سيطرتها.
الجملة كسرتها.
مسكت سبحتها، وضمت شفايفها، وخرجت تحت المطر من غير ما تودع حد.
ومحدش من العيال جري وراها.
وكان ده كفاية.
الليلة دي محدش نام بدري.
عملت قهوة بالقرفة والسكر عشان غسان كان بيرتعش من البرد.
سخنت ريم الفاصوليا.
سليم قسم خبز الذرة.
التوأم اتخانقوا مين يقعد جنب أبوهم.
وليان ما سابتش كمه لحد ما نامت.
غسان كان بيسمع كل حاجة.
إزاي دجاجة ماتت عندنا ودفنها سليم كأنها جندي.
إزاي ريم اتعلمت تعمل الخبز بعد مية محاولة.
إزاي روز أبعدت عقرب عن سرير التوأم.
إزاي آدم سمّى كل عنزة في الحظيرة باسم.
وإزاي ليان عيطت تلات أيام لأنها افتكرت إن دميتها هتموت هي كمان.
كنت بحط الأكل وأشغل نفسي.
لكن غسان كان بيبص لي.
مش كنظرة راجل لست.
لكن كغريق شايف اليابسة قدامه.
ولما العيال ناموا أخيرًا، خرجت للفناء.
المطر كان وقف.
والقمر كان بينور البرك الصغيرة.
والشجر كان بيلمع كأن حد غسله بالفضة.
خرج غسان ورايا.
قلت له
ما ينفعش تقف.
قال
عديت باللي أصعب.
ده مش مبرر.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
كانت أول ابتسامة أشوفها منه وما توجعنيش.
قال
سليم قال إن فيه حاجة لازم أعرفها عنك. أظن إنه ما كملش.
بصيت ناحية الحظيرة.
العيال بيتكلموا كتير.
قال بصوت وقفني مكاني
إيناس... احكي لي إنتِ.
شدّيت عبايتي على صدري.
مفيش كتير يتحكي. كانوا جعانين فأكلتهم. كانوا خايفين، فكنت بخلي صوتي في المطبخ عشان يعرفوا إن فيه حد صاحي. كانت ليهم أم ماتت، وما كنتش عايزة آخد مكانها.
وطى غسان عينيه.
بس إنتِ أخدتي مكان.
قلت
لأ.
افتكرت مريم.
وصورتها.
وليان وهي بتحط لها الورد.
الأم ما حدش بياخد مكانها زي أوضة فاضية. أنا بس عملت مكان تاني.
غطى غسان وشه بإيده.
يا رب.
قلت
ما تشكرنيش دلوقتي.
ليه؟
عشان أنا مش عارفة...
سكت.
إذا كنت هقدر أفضل.
رفع وشه.
كان الألم اللي في عينيه ممكن يخليني أتراجع.
بسببي؟
قلت
بسببي أنا.
الصمت اتملى بصوت الحشرات.
ومن بعيد، في البلد، دق جرس المسجد، أو يمكن الكنيسة القديمة... مش عارفة.
في قريتنا، الأصوات كانت بتعرف الأخبار قبل الناس.
قلت
أنا اتجوزت بسبب الجوع. وإنت اتجوزت بسبب اليأس. بس خلال السنة دي بقيت حاجة محدش طلبها مني. ومش عارفة أبقى إيه في البيت ده دلوقتي بعد ما رجعت.
قرب غسان خطوة.
إنتِ إيناس.
كنت عايزة أضحك.
ده مش كفاية.
قال
بالنسبالي، كان لازم يكون كفاية من أول يوم.
ما عرفتش أعمل إيه بالكلام ده.
دخل إيده في جيب الجاكيت المقطوع، وطلع ورقة مطوية ومبلولة شوية.
دي إجازة مؤقتة من الخدمة. رجعوني البيت بسبب رجلي. مش عارف هرجع للجبهة ولا لأ. ومش عارف هقدر أركب الحصان زي الأول ولا لأ. ومش عارف عيالي هيسامحوني ولا لأ.
بص لي.
بس مش عايز أرجع الراجل اللي سابك لوحدك مع الجوع.
قلت
الرجالة بتوعد كتير وهي راجعة مجروحة.
قال
عشان كده ما تصدقينيش بالكلام.
طلع ورقة تانية.
قبل ما أجي، عديت على مركز المدينة. وسجلت البيت والأرض باسمك كمان.
اتجمدت.
عملت إيه؟
كان المفروض أعمل ده قبل ما أمشي. لو مت، محدش يطردك. لا أمي، ولا أي مرابي، ولا حد من أهل البلد.
حسيت الأرض بتتحرك تحتي.
أنا مش محتاجة إنك تدفع لي.
قال
ده مش دفع.
أمال إيه؟
بلع ريقه.
احترام.
الكلمة دخلت جوايا بألم هادي.
احترام.
مش صدقة.
مش شفقة.
مش بسبب الجوع.
احترام.
الصبح اللي بعده، البلد كلها كانت عرفت قبل ما الديك يصيح.
الحاجة أمينة خرجت للناس وقالت إني سحرت ابنها.
والحاج لؤي قال إن غسان رجع مختل من الحرب.
والستات اللي كانوا بيسموني الجعانة بقوا يبصوا لي كأني مخبية سكينة.
لكن غسان راح معايا السوق.
بيعرج.
وسليم جنبه.
وليان بين دراعاته.
اشترى الدقيق، والفلفل، والصابون، وقماش عشان نخيط القمصان، وشريط أحمر للصغيرة.
وبعدين قدام الحاج محمود ونص البلد، حط الفلوس على الترابيزة.
ده دين مراتي.
رفع الحاج محمود حواجبه.
يا غسان، أنا ما كنتش...
قاطعه غسان
كله.
طلع الراجل الدفتر.
وغسان ما بعدش إيده عن ضهري.
مش كأنه مالكني.
لكن كأنه بيحميني.
بعدها رحنا لدار العبادة.
استقبلنا الشيخ بنظرة مندهشة.
إنت محتاج ترتاح.
بص غسان للمكان وقال
أنا محتاج الحقيقة.
ما كانش جواز جديد.
إحنا كنا متجوزين أصلًا.
لكن غسان طلب إنه يجدد عهده قدام عياله، من غير زينة، ولا موسيقى، ولا ناس.
إحنا بس.
والشيخ.
وشمعتين.
وريحة بخور قديمة.
قال غسان بصوت خشن
المرة الأولى عرضت عليها سقف. النهارده بعرض عليها اسم، واحترام، ومكان. لو هي عايزة تقبل.
الكل بص لي.
بصيت للعيال.
عين سليم كانت مليانة دموع.
وريم كانت بتبتسم بخفة.
والتوأم كانوا بيتزاحموا عشان يشوفوا كويس.
وروز ماسكة إيد آدم.
وليان حضنة دميتها اللي بعين واحدة.
وبعدين بصيت لغسان.
أنا ما كنتش بحبه زي الحكايات.
مش لسه.
لكن شفت ندمه.
وشفت راجل قادر يبص لندمه من غير ما يلوم ست.
يمكن الراجل ده يستاهل فرصة.
قلت
أقبل أفضل... بس مش كخدامة.
وطى غسان راسه.
أبدًا.
قلت
ولو مشيت تاني من غير ما تقول لي الحقيقة، أنا اللي هقفل الباب بنفسي.
ابتسم سليم.
والشيخ كتم ضحكته.
واضح إن ده عهد محدد جدًا.
رجعنا البيت وقت الضهر.
ما اتغيرش كل شيء في يوم وليلة.
الحرب كانت لسه بعيدة وقريبة، زي الرعد ورا النخل.
أوقات كان يعدي جنود يطلبوا مية.
وأوقات كانت توصل أخبار عن طرق مقطوعة، وقرى تعبانة، وستات ماشية ورا القوافل بأطفالها وحصرها وحللها وشجاعة تفوق شجاعة رجالة كتير.
لكن بيتنا ما بقاش جرح مفتوح.
غسان اتعلم يقعد في
متابعة القراءة