عمري 45 عامًا، أمٌّ مطلّقة لسبعة أطفال

لمحة نيوز

عمري خمسة وأربعين سنة، أم مطلقة لسبعة أولاد، بعيش في منطقة شعبية قديمة، البيوت فيها لازقة في بعض، والناس فيها عارفة أخبار بعض أكتر من أصحاب الأخبار نفسهم.
وفي آخر الحارة كان فيه بيت أصفر قديم، الحيطان بتاعته مليانة شروخ طويلة كأنها ندوب من سنين فاتت.
البيت ده كان ساكن فيه راجل عجوز اسمه الحاج مصطفى.
كان معدي التمانين بشوية، وعايش لوحده بقاله سنين طويلة.
أهل المنطقة كانوا بيخافوا منه أكتر ما بيحترموه.
صوته عالي طول الوقت، حواجبه معقودة، وعصايته الخشب ما بتفارقش إيده.
لو عيال لعبوا كورة قدام بيته، يخرج يزعق فيهم ويشتم ويهدد إنه هيبلغ الشرطة.
ولو ست ضحكت بصوت عالي قدام بيته، يقفل الشباك بعنف كأنه بيعاقب الدنيا كلها عشان أزعجته.
أما أولادي السبعة...
فكان مسميهم دايمًا
عيال الفوضى.
سمعته مرة بيقول لجارتنا
الست دي مش بتربي عيال... دي بتربي مصيبة.
ومع كل ده...
كنت كل ليلة بطبخ له العشا.
حتى أنا ساعات كنت بستغرب من نفسي.
كنت بصحى قبل الفجر عشان أشتغل في مخبز صغير، وبعد الضهر أروح أنضف مكاتب شركة قديمة، وبالليل أشتغل في مغسلة فندق شعبي.
تلات شغلانات...
وجسم واحد بالعافية قادر يقف.
في ليالي كتير كنت برجع مهدودة من التعب، وأدخل المطبخ أطبخ العدس لأولادي وأنا بعيط في صمت.
كنت بزود المية في الشوربة عشان تكفي السبعة.
وأعد قطع العيش واحدة واحدة عشان أتأكد إن محدش هينام جعان.
لكن مهما كان يومي صعب...
كنت دايمًا بحط طبق زيادة.
طبق للحاج مصطفى.
في البداية، الناس افتكروا إني فقدت عقلي.
قالتلي جارتي خديجة في يوم
الراجل ده مش طايق حتى يبص في وشك... بتطعميه ليه؟
ابتسمت بس وما رديتش.
لأني كنت فاكرة كويس اليوم اللي بدأ فيه كل ده.
كان يوم شتا شديد، والبرد داخل في العضم.
كنت راجعة من شغلي وأنا بسحب عربة الخبز، وفجأة شفته واقع جنب الرصيف فوق الأرض المبلولة بالمطر.
كان بيحاول يقوم لوحده، وكل مرة يقع تاني.
جريت عليه وقلت
يا حاج مصطفى! إنت كويس؟
بصلي بغضب وتعب وقال
ماتلمسينيش... أنا أقدر أقوم لوحدي.
بس هو ما كانش قادر.
إيديه كانت بتترعش جامد، ومش من البرد بس...
كان فيه تعب أعمق بكتير.
ساعدته رغم اعتراضه، وسندته لحد باب بيته.
ولما وصلنا، فضل ساكت شوية، وبعدها سألني بصوت واطي عمري ما سمعته منه قبل كده
إنتِ بتساعديني ليه؟
بصيت له باستغراب وقلت
عشان إنت محتاج مساعدة.
هز راسه ببطء وقال
أنا راجل وحش.
ولأول مرة شفت في عينيه حاجة غير القسوة.
شفت تعب سنين...
ووحدة تخوف.
حطيت إيدي على كتفه وقلتله
محدش يستاهل يفضل لوحده.
ومن اليوم ده بدأت أحط الأكل قدام بابه.
في الأول كان بيرفض بعصبية.
يفتح الباب سنة ويقول
أنا مش محتاج صدقة.
وأنا أرد بهدوء
اعتبره أكل زيادة عندي.
وأمشي.
وفي الصبح...
كنت ألاقي الطبق فاضي دايمًا.
عدت الشهور...
وبعدها السنين.
سبع سنين كاملة وأنا ماشية على نفس الروتين.
أحط الأكل...
وهو يتخانق ويتذمر...
وبعدين ياكله كله.
ساعات كنت أسمعه بيكح جوه البيت بالساعات، فأخبط على الباب وأسأله
تحب أجيبلك دكتور؟
فيزعق
روحي لحالك!
لكن أنا كنت عارفة إنه بقى مستنيني.
مرة اتأخرت بسبب شغلي في الفندق.
ولما وصلت قرب نص الليل، لقيته واقف قدام الباب بعصايته، بيبص في الحارة بعصبية.
أول ما شافني قال بضيق
الأكل برد.
كدت أضحك.
لأن دي كانت أول مرة يعترف فيها من غير ما يقصد إنه كان مستنيني.
وبعد كام شهر، في يوم، نسي يقفل باب بيته كويس.
ودخلت لأول مرة.
البيت كان ساكت بشكل يوجع القلب.
ريحة التراب والأدوية القديمة مالية المكان.
لكن أكتر حاجة لفتت نظري ما كانتش الفوضى...
كانت الحيطان.
كلها كانت مليانة صور.
صور أطفال.
صور أعياد ميلاد.
صور رحلات.
وصورة كبيرة لست محجبة بتبتسم بحنان.
فضلت واقفة قدام الصورة شوية.
وبعدين سألته
عيلتك؟
اتجمد لحظة وقال
زمان.
قربت من صورة تانية.
كان فيها تلات أطفال واقفين جنبه.
ولد طويل لابس نضارة.
وولد تاني بيبتسم بثقة.
وبنت لابسة فستان أبيض.
قلتله
دول ولادك؟
لف وشه بعيد وقال
آه.
سألته
فينهم؟
سكت وقت طويل.
وبعدين قال بصوت مكسور
كبروا ونسوني.
ما علقتش.
لكنه كمل لوحده، كأنه كان مستني حد يسأله من سنين.
قال إن ولاده التلاتة لما كبروا واشتغلوا وبقوا أغنيا، نقلوا يعيشوا في مناطق راقية، وكل واحد بقى له حياته ومشاغله.
في الأول كانوا بيزوروه.
وبعدين الزيارات قلت.
وبعدها انقطعت.
حتى التليفونات بقت نادرة.
وفي واحد من الأعياد...
قعد مستنيهم لحد نص الليل.
ومحدش جه.
ومن اليوم ده...
قفل قلبه على نفسه.
قال وهو باصص لصورة مراته
لما أمهم ماتت... كل حاجة انتهت.
ما عرفتش أقول إيه.
لأني أنا كمان كنت عارفة يعني إيه وحدة.
جوزي السابق سابني وأنا حامل في ابني السابع.
اختفى بعد ما غرقنا في الديون والوعود الكدابة.
فاكرة كويس الليلة اللي مشي فيها.
كان أولادي نايمين فوق فرش بسيط في أوضة واحدة، وهو قاعد بيدخن جنب الشباك.
قلتله
وهنعيش إزاي؟
رد بمنتهى البرود
دبري نفسك.
ومشي.
ومن يومها...
ما بقاش عندي حد أتكئ عليه غير ربنا.
عشان كده كنت فاهمة الحاج مصطفى أكتر ما هو متخيل.
إحنا الاتنين كنا مكسورين...
بس كل واحد بطريقة مختلفة.
هو خسر عيلته رغم إن الفلوس كانت معاه.
وأنا خسرت الأمان رغم إني كنت عايشة وسط أولادي.
لكن مع الوقت...
حاجة غريبة بدأت تحصل.
بقى يفتح الباب قبل ما أخبط.
وساعات كان يسألني عن أولادي.
ابنك الكبير نجح في المدرسة؟
وبنتك الصغيرة... خفت من السعال؟
وفي مرة، طلع قطعة حلوى قديمة من جيبه واداها لابني يونس.
وأول ما ابني شكره، اتنرفز وقال
خدها واسكت!
لكننا كلنا كنا شايفين ابتسامته الصغيرة.
ومع مرور السنين...
أولادي نفسهم اتعودوا عليه.
بقوا يسلموا عليه لما يشوفوه.
وهو يرد عليهم بتجهم مصطنع.
حتى الجيران خدوا بالهم.
قالتلي خديجة مرة وهي بتضحك
العجوز ده بيحبكم أكتر ما بيحب نفسه.
الحاج مصطفى سمعها.
خبط بعصايته في الأرض وقال
ماتنشريش إشاعات يا ست!
ضحكنا كلنا.
حتى هو.
بس لف وشه بسرعة عشان محدش يشوف ابتسامته.
لكن الأيام ما بترحمش حد.
وفي مساء يوم شتا...
لاحظت إن نور البلكونة بتاعته ما اتفتحش.
حسيت بقبضة في قلبي.
خبطت على الباب.
مفيش رد.
خبطت تاني.
برضه مفيش رد.
دفعت الباب بالراحة...
ودخلت.
لقيته نايم على سريره بهدوء شديد.
كأنه نايم بس.
وشه كان هادي لأول مرة من يوم ما عرفته.
وعصايته الخشب كانت جنب إيده.
وقفت مكاني ومقدرتش أتحرك.
وبعدين انهرت في العياط.
عيطت عليه كأني فقدت أبويا الحقيقي.
لأن الراجل اللي كان كل أهل الحارة بيخافوا منه...
مات لوحده.
بس...
مش تمامًا.
لأني كنت موجودة.
ولأن حد أخيرًا حزن عليه من قلبه.
مرت أيام العزا تقيلة على الكل.
والمنطقة كلها اتغيرت فجأة بعد موت الحاج مصطفى.
الرجالة اللي كانوا طول عمرهم بيشتكوا من صوته، بقوا يقفوا بعد الصلاة ويحكوا مواقف عنه.
والستات اللي كانوا بيقولوا عليه العجوز المجنون، بقوا يترحموا عليه كل ما يعدوا من قدام بيته.
أما أنا...
فكان فيه فراغ غريب جوايا كل ليلة.
في نفس الساعة اللي كنت متعودة أجهز فيها طبقه، إيدي كانت بتتحرك لوحدها ناحية الطبق التامن...
وبعدين أقف.
وأفتكر إنه مات.
في ليلة العزا، قعدت لوحدي في مطبخي الصغير، وأولادي السبعة نايمين جنب بعض زي عادتهم.
كان البيت ساكت.
فضلت أبص للطبق الفاضي قدامي فترة طويلة.
وبعدين عيطت.
مش عشان كنت مستنية منه حاجة.
ولا عشان كنت عايزة مقابل لكل السنين دي.
لكن عشان فهمت حاجة متأخر.
الراجل اللي قضى عمره يطرد الناس بعيد...
كان في الحقيقة مستني شخص واحد بس ما يسيبوش.
وفي تاني يوم الصبح...
جالي تليفون غريب.
راجل صوته رسمي قال
ممكن أكلم مدام زهرة بوزيان؟
قلت

تم نسخ الرابط