اتجوزت ضابط أرمل عشان أرعى عياله السبعة مقابل الأكل والسقف... لكن لما رجع من الحرب، اللي شافه في بيته غيّر حياته للأبد

لمحة نيوز

بابا... قبل ما تدخل، فيه حاجة لازم تعرفها عن إيناس.
فضل غسان واقف تحت المطر، والقبعة في إيده، والزي العسكري لازق في جسمه.
وسليم لسه ماسك العصاية، وما نزلهاش من إيده.
كنت عايزة أوقفه، بس ما قدرتش أتحرك.
أنا كنت تخيلت رجوع غسان مرات كتير.
في أسوأ لياليّ، كنت بشوفه ميت.
وفي أحسنها، كنت بشوفه راجع سالم، فوق حصانه الغامق، وبيسأل إذا كان عياله لسه عايشين.
لكن عمري ما تخيلته بالشكل ده.
بنظرة مكسورة.
ورجل بيجر ساقه بالعافية.
وروح بتستأذن عشان تدخل بيتها.
قال غسان بصوت واطي
قول.
بلع سليم ريقه.
إيناس ما اعتنتش بينا بس.
بص لإخواته.
والتوأم، نيقولا وجوليان، كانوا حافيين بس نضاف.
وآدم كان حاطط بطانية على كتافه.
أما روز، أهدى واحدة فيهم، فكانت ماسكة شمعة وبتحاول تمنع المطر إنه يطفيها.
رفع سليم وشه وقال
إيناس أنقذتنا.
غمّض غسان عينيه.
أما أنا، حسيت إن الكلمة دي وقعت فوق صدري زي شوال قمح تقيل.
همست
ما تبالغش.
وفجأة جه صوت من الطريق
لأ... هو مش بيبالغ.
ظهرت الحاجة أمينة من ورا غسان، لافة نفسها بعبايتها السودا، ووراها راجلين شايلين صندوق.
كانت ناشفة في كلامها، واقفة مستقيمة، كأن المطر نفسه ما يجرؤش يلمسها.
قالت بقسوة
الست دي سحرتكم. ابني يرجع من الحرب، فتستقبلوه وتتكلموا عنها كأنها قديسة.
لف غسان ناحيتها ببطء.
أمي.
حاولت الحاجة أمينة .
لكنه ما اتحركش.
لاحظت رفضه، لكنها أخفته بسرعة.
يا ابني، الحمد لله إنك رجعت. أنا جيت أول ما عرفت إنك جاي. فيه حاجات كتير لازم تتصلح. البيت ده بقى في فوضى أخلاقية.
اتقدمت ريم خطوة.
البيت كان ميت لما كنتِ بتيجي هنا.
بصت لها الحاجة أمينة بنظرة قاسية.
اخرسي يا بنت.
اختبأت ليان ورا طرف عبايتي.
غسان شاف الحركة دي.
شافها زي ما الواحد بيشوف جرح ما كانش يعرف إنه موجود.
سأل
إنتوا بتخافوا من أمي ليه؟
محدش رد.
المطر كان بيخبط على سقف الفناء.
وفي الساحة، أواني الريحان كانت بتتحرك مع الهوا.
ورائحة خبز الذرة لسه طالعة من الفرن، مخلوطة بريحة التراب المبلول ودخان الحطب.
نزّل سليم العصاية، لكن صوته ما هديش.
عشان لما بطلت تكتب، قالت إنك مت.
قطب غسان حواجبه.
أنا كتبت.
حسيت بحاجة خبطت في صدري.
قال
أنا ما وصلناش منك حاجة بعد تلات شهور.
رد غسان
بعت رسايل كل ما قدرت. من المعسكر. ومن المدن اللي عديت عليها. وحتى من قطار مليان جنود وستات كانوا بيخبزوا على صفايح سودا. وبعت فلوس كمان.
شدت الحاجة أمينة على سبحتها.
الحرب فوضى. حاجات كتير بتضيع فيها.
ضحك سليم بمرارة.
غريبة... الحاجة الوحيدة اللي ما ضاعتش هي اللي إنتِ كنتِ عايزة الناس تعرفها.
بص غسان لأمه.
فلوسي فين؟
رفعت دقنها.
كنت بديرها.
ساعتها فهمت.
الليالي اللي ما كانش عندنا فيها دقيق.
الأيام اللي كنت بغلي فيها قشر البطاطس عشان أخدع الجوع.
المرات اللي بعت فيها الصابون في السوق عشان أشتري فاصوليا.
والفستان الأسود اللي جابته لي بدري.
ما كانش حداد.
كان حكم.
قلت
كنتِ بتديريها؟
بصت لي كأنها بتبص لحاجة مقرفة.
إنتِ مالكيش دعوة.
اتقدم غسان خطوة ناحيتي.
دي مراتي.
الكلمة دي المرة دي وقعت بشكل مختلف.
مش كاتفاق.
ولا كعقد.
لكن كدفاع.
عيني اتمَلَت دموع.
ضحكت الحاجة أمينة.
مراتك كانت مريم. الست دي كانت حاجة مؤقتة.
العيال اتوتروا.
وأنا كمان.
لأن ده كان فعلًا صحيح.
في البداية.
وطّى غسان عينيه لحظة، وكأنه اتوجع من اسم مراته الأولى.
وبعدين بص للبيت.
كانت صورة مريم فوق الرف، لا متغطية ولا متخبّية.
كل أسبوع كنا بنغير لها الورد.
وفي يوم ذكراها، كنا بنحط لها خبز ومية وشمعة.
وكانت ليان بتحط دميتها اللي بعين واحدة جنب الصورة عشان ما تحسش بالوحدة.
مشى غسان ناحية الرف.
لمس الإطار.
إنتِ اللي حطيتي ده؟
قلت
العيال. أنا بس ولعت الشمعة.
إيده اترعشت.
قال
كنت فاكر إني لما أرجع هلاقي الخراب.
رد سليم قبلي
الخراب كان موجود لما مشيت. إيناس هي اللي صلحته.
خبطت الحاجة أمينة العصاية في الأرض.
كفاية! الست دي ما صلحتش حاجة. دخلت هنا بسبب الجوع، وخلّت عيالك يتعلقوا بيها، ودلوقتي عايزة تفضل وتاخد الأرض. عشان كده جبت الحاج لؤي.
اتنحنح واحد من الراجلين اللي واقفين جنب الصندوق.
كان الحاج لؤي، تاجر مواشي ومرابي معروف.
شاربه تقيل، وعينيه زي عيون الحية.
وكان دايمًا بيبص لي أكتر من اللازم لما أعدي قدام دكانه.
قال
يا غسان، والدتك وأنا بينا اتفاق. إنت محتاج ترتاح. والبيت محتاج رجالة بجد. أقدر آخد الأرض مقابل الديون، وأسيب العيلة في بيت مناسب.
سأله غسان
أنهي ديون؟
ردت الحاجة أمينة بسرعة
الديون اللي عملتها الست دي.
دخلت المطبخ.
وبعدها رجعت بعلبة قديمة.
ما كانش جواها حلويات.
كان جواها إيصالات.
ضمّيت إيدي عشان ما تبانش رعشتها.
هنا كل حاجة. اللي استلفته من دكان الحاج محمود. واللي سددته بالبيض والخياطة والخبز والصابون. والحاجات اللي بعتها من عندي. والفلوس اللي والدتك سحبتها باسمك وما وصلتش للبيت.
وش الحاجة أمينة شحب.
أخد غسان الورق.
وقعد يقرأه واحدة واحدة.
المطر كان لسه بينزل.
لكن جوه البيت، محدش كان بيتنفس.
قال
هنا مكتوب إن مرتبي اتسحب من مركز المدينة.
ردت الحاجة أمينة
أيوه، عن طريقي. أنا أمك.
كمل غسان
وهنا مكتوب إن إيناس دفعت تمن الدقيق، والدواء، والخشب اللي اتصلح بيه السقف.
عدل الحاج لؤي قبعته وقال
الستات بيكتبوا حاجات كتير عشان يبانوا ضحايا.
اتقدم سليم ناحيته.
خد بالك.
رفع غسان إيده.
سليم.
وقف الولد.
بحكم العادة.
وبحكم الحب.
وبحكم غضب مكتوم جواه.
بص غسان لعياله واحد واحد.
كنتوا بتجوعوا؟
محدش اتكلم.
لكن ليان هي اللي ردت.
ساعات إيناس كانت بتقول إنها أكلت... بس أنا شفتها وهي بتعض إيدها.
اتجمد جسمي.
ليان...
لكنها كملت
ولما جالي سخونية، مشيت بالليل للبلد عشان تجيب الدكتور. وقعت في الترعة ورجعت كلها طين.
قالت ريم
وباعت عبايتها الزرقا عشان تشتري الدوا.
وقالت روز، اللي نادرًا ما كانت بتتكلم
وضربت الحاج لؤي بالمقشة...
سكتت لحظة.
وبعدين كملت
لما حاول ياخدني للحظيرة.
وش غسان اتغير.
ببطء.
وبطريقة خوفتني أنا نفسي.
رجع الحاج لؤي خطوة.
كان سوء تفاهم. أنا ما كنتش أقصد أقول كده.
لكن أنا ما عدتش البنت اللي عندها 22 سنة.
السنة دي خلتني أكبر وأقوى.
قلت
ما كانش سوء تفاهم. قال لي إن الست الجعانة ما ينفعش تتدلع بالشرف.
وقع الورق من إيد غسان.
وقع على الترابيزة زي ورق ناشف.
وبعدين اتقدم ناحية الحاج لؤي.
ما كانش سريع.
ما كانش محتاج يسرع.
لأن الراجل اللي رجع من الحرب كان شايل الموت في عينيه.
قال
اطلع من بيتي.
يا غسان، أنا...
اطلع قبل ما أنسى إن عيالي واقفين بيتفرجوا.
ما جادلش الحاج لؤي.
أخد قبعته وخرج تحت المطر، بيتزحلق في الطين زي حيوان خايف.
حاولت الحاجة أمينة تتكلم.
غسان، الست دي بتقلبك على دمك.
بصلها.
دمي واقف وراها.
سكتت العجوز.
الجملة كانت أقوى من أي صفعة.
اتكأ غسان على الكرسي اللي جنب الترابيزة.
شفت إن ساقه بتوجعه.
لكن شفت كمان إن اللي بيوجعه أكتر هو إنه رجع متأخر.
قال
سليم، كنت ماسك العصاية ليه؟
شد الولد فكه.
عشان لما ما كنتش هنا، أنا كنت راجل البيت.
غمض غسان عينيه.
ما كانش المفروض تبقى كده.
رد سليم
بس كان لازم حد يبقى.
قطع الصمت صوت ليان.
جريت ساق غسان السليمة.
بابا... إيناس بتعمل لنا مشروب قرفة لما الرعد بيخوفنا.
انحنى غسان كأنه اتضرب برصاصة.
شالها بالعافية.
لمست ليان دقنه.
دقنك بتوجع.
ضحك غسان ضحكة مكسورة.
وبعدين عيط.
ما عيطش زي الرجالة في الحكايات، بغضب وكبرياء.
عيط في صمت.
والبنت لازقة في صدره.
قرب التوأم.
وبعدين آدم.
وبعدين روز.
ريم اتأخرت شوية، لأنها اتعلمت ما تسيبش اللي في إيدها بسهولة.
وسليم كان آخر واحد.
فضل

تم نسخ الرابط