القصة كاملة بقلم محمد عبده

لمحة نيوز

الجزء الثاني والاخير
ظل قائد السرية واقفًا أمام الشابة في وضع الانتباه، ويده مرفوعة بالتحية العسكرية.
أما العقيد حسام فظل ينظر إليه غير مصدق.
قال بصوت حاد
إنت بتعمل إيه؟!
لم يرد قائد السرية فورًا.
أنزل يده ببطء، ثم قال
بنفذ الأصول العسكرية يا سيادة العقيد.
اقترب حسام منه بغضب.
أصول إيه؟! أنا سألتك سؤال!
نظر قائد السرية إلى الشابة، ثم قال
حضرتك لازم تتكلم معاها باحترام.
ضحك العقيد بسخرية.
باحترام؟! دي واحدة من الجنود اللي تحت إمرتي!
لأول مرة، ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه الشابة.
وقالت بهدوء
واضح إن حضرتك لسه مش واخد بالك من الشارة.
سكت العقيد.
نظر مرة أخرى إلى كتفها.
ثم إلى صدرها.
ثم عاد ينظر إلى وجهها.
بدأت ملامحه تتغير.
اقترب منها خطوة.
الشارة دي
توقف للحظة، وكأنه لم يستطع تصديق ما يراه.
قال قائد السرية
أيوه يا سيادة العقيد.
ثم أضاف
حضرتك واقف قدام اللواء مريم الشاذلي.
ساد الصمت.
حتى الجنود الذين كانوا يحاولون عدم النظر إلى الموقف لم يستطيعوا إخفاء دهشتهم.
العقيد حسام تراجع نصف خطوة.
لواء؟!
رفعت مريم رأسها وقالت
بالضبط.
ثم نظرت إلى قائد السرية.
من فضلك، خلي كل الموجودين يفضلوا في أماكنهم.
حاضر يا فندم.
أدى لها التحية مرة أخرى، ثم عاد إلى مكانه.
أما حسام فبقي واقفًا أمامها، وقد تغير صوته تمامًا.
أنا ما كنتش أعرف إن حضرتك موجودة في القاعدة.
قالت مريم
وده مش عذر.
سكت.
تابعت
أنا وصلت من ساعة تقريبًا، وكنت براجع بعض الملفات قبل اجتماع القيادة.
ثم أشارت إلى الساحة.
لكن اللي شفته هنا كان أهم من أي ملف.
ابتلع حسام ريقه.
حضرتك تقصدي إيه؟
نظرت إليه مباشرة.
أقصد إنك أوقفت سيارة، وصرخت في واحدة من أفراد القوات، وهددتها قدام الجنود لمجرد إنها ما عملتش لك التحية.
حاول الدفاع عن نفسه.
أنا كنت بختبر انضباطها.
هزت مريم رأسها.
اختبار الانضباط ما يكونش بالإهانة.
ثم أضافت
والأهم من كده، إنك ما سألتش نفسك ليه هي ما عملتش التحية.
سكت حسام.
كانت عيون الجنود كلها متجهة إليهما.
فقالت مريم
لأنك لو كنت بتعرف القواعد كويس، كنت هتعرف إن في ظروف معينة الشخص مش مطالب يعمل التحية بالطريقة اللي حضرتك متوقعها.
ثم نظرت إلى الخوذة في يدها.
وأنا كنت في مهمة، والزي اللي كنت براجعه كان بيخفي جزءًا من الشارة.
رفع حسام عينيه إليها.
يعني حضرتك كنتِ بتختبريني؟
ابتسمت ابتسامة قصيرة.
لأ.
ثم اقتربت منه خطوة.
أنا ما كنتش أعرف أصلًا إن حضرتك هتتصرف بالشكل ده.
كانت الجملة أقسى من أي صراخ.
ثم أخرجت مريم ملفًا صغيرًا من حقيبتها العسكرية.
فتحته أمامه.
لكن بما إن حضرتك عرّفتني بنفسك على أسلوبك في التعامل مع الجنود
توقفت لحظة.
فأنا دلوقتي عندي سؤال ليك.
توتر حسام.
اتفضلي.
رفعت مريم ورقة من الملف.
كام شكوى اتقدمت ضدك خلال آخر ستة شهور؟
تغير وجهه تمامًا.
نظر إلى قائد السرية.
ثم إلى الجنود.
شكاوى؟!
قالت مريم
أيوه.
ثم أضافت
والأغرب إن معظم أصحاب الشكاوى سحبوا كلامهم بعد ساعات قليلة.
ساد الصمت.
اقترب قائد السرية قليلًا، وكأنه يريد أن يقول شيئًا، لكنه تردد.
لاحظت مريم ذلك.
فقالت
اتكلم.
قال الرجل
يا فندم الناس كانت خايفة.
نظر حسام إليه بغضب.
لكن مريم أوقفته بإشارة من يدها.
محدش يقاطع.
ثم التفتت إلى قائد السرية.
خايفين من إيه؟
قال بصوت منخفض
من العقاب ومن إن حياتهم في القاعدة تتحول لجحيم.
ظل حسام صامتًا.
عندها أغلقت مريم الملف.
وقالت
خلاص.
ثم وجهت كلامها للعقيد
من اللحظة دي، كل الشكاوى القديمة هتتفتح من جديد.
شهق أحد الجنود دون قصد.
أما حسام فقال بسرعة
لكن يا فندم، ده سوء تفاهم!
نظرت إليه مريم.
ممكن.
ثم أضافت
وعشان كده التحقيق هو اللي هيحدد الحقيقة.
استدار حسام نحوها.
والتحقيق هيكون مين المسؤول عنه؟
ابتسمت مريم لأول مرة بشكل واضح.
أنا.
في تلك اللحظة، ظهر أحد الضباط مسرعًا من ناحية مبنى القيادة.
توقف أمام مريم وأدى التحية.
ثم قال
يا فندم في خبر عاجل.
سألته
إيه اللي حصل؟
نظر الضابط إلى حسام للحظة، ثم قال
وصل قرار جديد من القيادة العليا.
فتحت مريم عينيها قليلًا.
بخصوص إيه؟
أخرج الضابط مظروفًا مختومًا.
بخصوص سيادة العقيد حسام الدمنهوري شخصيًا.
مد يده بالمظروف إليها.
أخذته مريم، ونظرت إلى الختم.
ثم رفعت عينيها إلى حسام.
وقالت
أعتقد إن الوقت جه تعرف إن موضوع التحية العسكرية كان أصغر مشكلة في يومك النهارده.
تجمد حسام في مكانه.
لأن القرار الموجود داخل المظروف
كان يحمل توقيعًا من أعلى مستوى في القيادة.
وكان على وشك أن يغيّر مستقبله بالكامل.
فتحت اللواء مريم المظروف ببطء، بينما كان العقيد حسام يراقب حركتها بعينين متوترتين.
أخرجت الورقة.
قرأت السطر الأول
ثم الثاني.
وبعدها رفعت عينيها إليه.
القرار صادر من القيادة العامة.
حاول حسام أن يبدو ثابتًا.
وقرار إيه يا فندم؟
لم تجبه مباشرة.
ناولته الورقة.
أمسكها بيد مرتعشة، وبدأ يقرأ.
وبعد ثوانٍ فقط، تغير وجهه تمامًا.
كان القرار ينص على إيقافه مؤقتًا عن مهامه القيادية، وفتح تحقيق رسمي في عدد من الشكاوى والتجاوزات المنسوبة إليه.
رفع عينيه إليها.
ده مستحيل!
قالت مريم بهدوء
ليه؟
لأن مفيش أي دليل!
عشان كده فيه تحقيق.
لكن أنا ضابط خدمتي طويلة!
والخدمة الطويلة مش معناها إن صاحبها فوق المساءلة.
كانت كلماتها هادئة، لكنها وقعت عليه كالصاعقة.
نظر حوله.
كل الجنود كانوا صامتين.
لكن لأول مرة، لم تكن نظراتهم مليئة بالخوف.
كانت مليئة بالدهشة.
ثم تقدم قائد السرية خطوة.
يا فندم، لو تسمحي
قالت مريم
اتفضل.
أخذ نفسًا عميقًا.
فيه حاجة لازم تتقال.
نظر حسام إليه بحدة.
إنت هتتكلم عن إيه؟
لم تلتفت مريم إلى حسام.
وقالت لقائد السرية
كمل.
أخرج الرجل هاتفه.
خلال الفترة اللي فاتت، أكتر من جندي اتعرض لعقوبات غير مبررة.
ثم أضاف
وفيه أوامر كانت بتصدر من غير تسجيل رسمي.
سألت مريم
عندك دليل؟
أجاب
أيوه يا فندم.
ثم فتح الهاتف.
أنا احتفظت بنسخ من بعض الأوامر.
ساد الصمت.
حسام اندفع نحوه
إنت اتجننت؟!
لكن مريم رفعت يدها.
مكانك.
توقف فورًا.
قالت مريم
محدش هيمسح أي حاجة، ومحدش هيتواصل مع أي شخص له علاقة بالموضوع.
ثم أضافت
من اللحظة دي، كل الأجهزة والملفات المتعلقة بالتحقيق هتتراجع رسميًا.
كان حسام يحاول التفكير في مخرج.
ثم قال
يا فندم، حضرتك أكيد مش فاهمة الصورة كاملة.
ردت
عشان كده هنسمع الكل.
حتى الجنود؟
خصوصًا الجنود.
ثم استدارت ناحية الصف.
محدش هيتعاقب لمجرد إنه اتكلم.
نظر الجنود لبعضهم.
ولأول مرة، رفع أحدهم يده.
يا فندم
قالت
اتفضل.
تقدم الجندي بخطوات مترددة.
أنا عندي حاجة ممكن تساعد في التحقيق.
سألته
إيه هي؟
أخرج من جيبه وحدة تخزين صغيرة.
دي نسخة من تسجيلات كاميرات الممر الإداري.
اتسعت عينا مريم.
تسجيلات إيه؟
قال
تسجيلات تثبت إن بعض الأوامر كانت بتتغير بعد تنفيذها.
التفت حسام إليه بسرعة.
إنت سرقت التسجيلات؟!
رد الجندي
لأ يا فندم.
ثم نظر إلى مريم.
أنا أخدتها بالطريقة الرسمية بعد ما طلبت نسخة لحماية نفسي من اتهام اتوجه لي.
ساد الصمت من جديد.
مدت مريم يدها.
هاتها.
ناولها الجندي وحدة التخزين.
نظرت إليها ثم قالت
دي هتدخل ضمن التحقيق.
ثم التفتت إلى حسام.
واضح إن عندنا شغل كتير.
قال حسام بصوت منخفض
أنا كنت بنفذ أوامر.
رفعت مريم حاجبها.
أوامر مين؟
لم يرد.
حسام، أنا سألتك سؤال.
ظل صامتًا.
وهنا دخل ضابط آخر مسرعًا إلى الساحة.
وقف أمام مريم وأدى التحية.
يا فندم، فيه اتصال عاجل من القيادة.
قالت
حوّله على مكتبي.
تردد الضابط.
هو طلب يتكلم مع حضرتك فورًا وقال إن الموضوع مرتبط بالعقيد حسام.
التفتت مريم إلى حسام.
لأول مرة، ظهر الخوف الحقيقي على وجهه.
سألته
عندك فكرة مين المتصل؟
هز رأسه.

تم نسخ الرابط