خلفت سبع مرات

لمحة نيوز


عارف هي فين.
قال
أيوه.
خدني ليها.
هز رأسه.
مش دلوقتي.
ليه؟
قال
لأنها مش هي الخطر اللي لازم تخافي منه.
سألته
أمال مين؟
نظر ناحية الباب.
الشخص اللي كان واقف برا من شوية.
ثم قال جملة خلتني أحس إن الأرض اختفت من تحت رجلي
هو مش بيدور عليكي يا مريم... هو بيدور على أولادك فضلت واقفة قدام الباب، جسمي كله متجمد.
الصوت رجع تاني
مريم... افتحي.
قربت خطوة، لكن يوسف مسكني من دراعي.
متفتحيش.
بصيت له
ده صوت أبويا!
عارف.
يبقى إزاي؟
فؤاد قال بصوت واطي
لأن اللي برا مش أبوكي.
فجأة سمعنا خبطتين أقوى.
مريم، أنا عارف إنك جوه.
أحمد قرب من الشباك وبص من الستارة.
وفجأة وشه اتغير.
مفيش حد.
يعني إيه؟
الباب قدامنا... والشارع فاضي.
سكتنا.
ثم جاء صوت أبويا مرة ثالثة، لكن المرة دي من داخل الشقة
متفتحوش الباب.
صرخت من الخضة.
لفينا كلنا ناحية الصوت.
كان جاي من جهاز تسجيل صغير فوق المكتبة.
يوسف جري عليه وفتحه.
اشتغل تسجيل قديم.
صوت أبويا كان واضحًا
لو مريم وصلت لمرحلة معرفة الحقيقة، يبقى الخطة القديمة فشلت. اسمعوني كويس... الشخص اللي هيحاول يدخل عليكم بصوتي، ما تثقوش فيه.
فؤاد قرب من الجهاز.
التسجيل كمل
ومريم لازم تعرف حاجة واحدة... أولادها السبعة ماكانوش الهدف.
سكت الصوت ثواني.
ثم قال
مريم هي الهدف من البداية.
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
ليه؟
لكن التسجيل ما ردش.
كان فيه صوت تشويش، وبعده جملة أخيرة
لو سألتك عن الطفل الثامن... ما تقوليلهاش إنه لسه ما اتولدش.
اتسعت عيني.
يعني إيه؟
يوسف بص لفؤاد.
إنت كنت عارف؟
فؤاد ما ردش.
صرخت
قول!
فضل ساكت.
فجأة تليفون أحمد رن.
رقم مجهول.
رد.
ماحدش اتكلم.
وبعد ثواني، أحمد حط الموبايل على السماعة الخارجية.
صوت رجل غريب قال
عندكم عشر دقايق.
عشر دقايق لإيه؟
عشان تقرروا إذا كنتوا هتحموها... ولا تسلموها.
يوسف قال
مين إنت؟
الرجل ضحك ضحكة قصيرة.
الشخص الوحيد اللي عارف ليه مريم عاشت.
وبعدين قفل.
بصيت ليوسف.
هو يعرف ليه أنا عشت؟
يوسف قال
أيوه.
وإنت لأ؟
سكت.
قربت منه وقلت
إنت أخويا، صح؟
هز رأسه.
أيوه.
يبقى ليه حاسس إنك مخبي عني أكتر مما بتقول؟
يوسف بص لفؤاد.
وفؤاد أخيرًا اتكلم
لأن يوسف ما اتاخدش وهو رضيع عشان نحميه منك...
اتوقف.
اتاخد عشان يحميكي إنتِ منه.
شهقت.
يوسف بص للأرض.
أنا كنت فاكر إنهم أخدوني عشان أهرب من اللي بيحصل للعيلة.
فؤاد قال
لأ يا يوسف.
ثم نظر لي.
أخوك كان أول شخص اكتشف إن العلامة اللي عندكم مش مجرد

علامة.
أمال إيه؟
فؤاد فتح الملف مرة تانية.
وفي الصفحة الأخيرة كان فيه رسم غريب للعلامة.
لكن تحتها كلمة واحدة
المفتاح.
قال فؤاد
العلامة مش بتحدد مين الضحية...
وبص في عيني.
بتحدد مين يقدر يفتح الملف الأصلي.
أي ملف؟
رد يوسف
الملف اللي أبوكي قضى عمره كله بيحاول يخفيه.
وفجأة، سمعنا صوت مفتاح بيلف في باب الشقة.
كلنا اتجمدنا.
حد كان بيفتح الباب من بره.
فؤاد همس
مستحيل...
الباب بدأ يتفتح ببطء.
وظهر رجل في الأربعينات، ماسك صورة قديمة.
بص لي وقال
أخيرًا قابلتك يا مريم.
رفعت عيني للصورة اللي في إيده.
كانت صورة أبويا...
واقف جنب سبعة أطفال.
لكن الأطفال السبعة مش أولادي.
كانوا أطفالًا آخرين.
وتحت الصورة مكتوب
الدفعة الأولى.
الرجل قلب الصورة ناحيتي.
وكان فيه سطر واحد مكتوب بخط أبويا
لو مريم عرفت إن الدفعة الأولى فشلت... هتسأل عن الدفعة الثانية.
الرجل ابتسم.
وإنتِ عندك سؤال واحد بس دلوقتي، صح؟
قلت بصوت مرتعش
فين الدفعة الثانية؟
ابتسامته اختفت.
وقال
إنتِ واقفة وسطها أول ما سمعت الجملة، حسيت إن رجلي مش شايلاني.
بيدور على أولادي؟
الرجل هز رأسه.
مش عشان يأذيهم... عشان ياخد حاجة موجودة فيهم.
يوسف اندفع ناحيته
إنت بتلعب بأعصابها ليه؟ قول الحقيقة!
الرجل فتح الملف، وطلع سبع صور.
صور أولادي.
لكن في كل صورة، كان فيه تفصيل صغير ماخدتش بالي منه قبل كده.
علامة زرقاء صغيرة خلف الأذن.
حطيت إيدي على ورا ودني من غير ما أحس.
العلامة دي كانت عندهم؟
الرجل قال
من يوم ولادتهم.
بصيت ليوسف.
وإنت كنت عارف؟
عرفت بعد موت الطفل الخامس.
وسكت؟
كنت بحاول أفهم الأول!
صرخت
كانوا أولادي يا يوسف!
سكت.
وفجأة الرجل قال
ولسه واحد منهم موجود.
اتجمدت.
إيه؟
فتح صفحة جديدة.
كان مكتوب عليها
الحالة رقم 8 ذكر حي.
تحتها تاريخ ميلاد قريب جدًا.
قريب لدرجة إن قلبي وقف.
التاريخ ده...
بصيت لأحمد.
ده يوم ولادة ابني السابع.
الرجل قال
لأ.
وأشار للسطر.
بصي كويس.
التاريخ كان بعد وفاة ابني السابع ب ثلاثة أيام.
قلت
مين الطفل ده؟
الرجل رد
ده السؤال اللي أبوكي حاول يمنعك من الوصول لإجابته.
فجأة يوسف قرب من الورقة، ووشه اتغير.
مستحيل.
قلت
إيه؟
قال
الرقم ده مش رقم طفل.
الرجل بص له.
أخيرًا فهمت.
يوسف رفع عيني
ده رقم الملف.
يعني إيه؟
يوسف قال
الحالة رقم 8 معناها إن فيه ثمانية سجلات... مش سبعة.
بدأت أقلب الصفحات بسرعة.
ثمانية أسماء.
سبعة أعرفهم.
والاسم الثامن...
كان مكتوبًا
مريم.
لكن
جنب اسمي كانت كلمة واحدة
ACTIVE نشطة.
حسيت ببرودة في إيدي.
أنا الحالة رقم 8؟
الرجل قال
لأ.
سكت لحظة.
إنتِ الحالة رقم صفر.
فجأة سمعنا صوت حركة من الممر.
يوسف طلع سلاحه ووقف قدامنا.
فؤاد همس
خرجوا من الباب الخلفي.
لكن الرجل هز رأسه.
مش هم.
وبص لي مباشرة.
الشخص اللي جاي دلوقتي مش عايز الملف.
أمال عايز إيه؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
عايزك تسمعي تسجيل أبوكي الأخير.
فتح جهاز التسجيل.
اشتغل صوت أبويا، وكان واضحًا إنه بيتكلم وهو مرعوب
مريم... لو سمعتي التسجيل ده، يبقى أنا فشلت.
سكت ثواني.
أهم حاجة تعرفيها إن أولادك ماكانوش سبعة.
اتسعت عيني.
كانوا تمنية.
شهقت.
الصوت كمل
الطفل الثامن أخدوه من المستشفى قبل ما حد يعرف إنه اتولد.
ثم جاء صوت ارتطام قوي.
وانقطع التسجيل.
بصيت للجميع.
مين الطفل الثامن؟
قبل ما حد يرد، الباب اتفتح فجأة.
ودخلت بنت شابة.
وقفت مكانها أول ما شافتني.
وشها كان شبه أمي بشكل مخيف.
بصت لي وقالت
أخيرًا... لقيتك يا أختي.
يوسف تراجع خطوة.
أما أنا...
فماقدرتش أتكلم.
لأنها رفعت شعرها عن رقبتها.
وكانت هناك نفس العلامة الزرقاء.
لكن تحتها...
كان مكتوب رقم
0 البنت فضلت واقفة قدامي، وأنا مش قادرة أستوعب.
إنتِ... أختي؟
هزت رأسها والدموع في عينيها.
أيوه. اسمي ليان.
يوسف قرب منها، وبص للعلامة اللي على رقبتها.
إنتِ كنتِ الحالة صفر؟
قالت
كنت فاكرة كده... لحد ما اكتشفت إن الرقم صفر مش معناه البداية.
أمال معناه إيه؟ سألتها.
بصت لي وقالت
معناه إننا الاتنين كانوا بيعتبرونا نفس الحالة.
سكتنا.
ثم فتحت حقيبتها وطلعت ورقة قديمة.
أبوكي هو اللي أنقذنا.
بدأت تقرأ
لو حصل لي حاجة، خبّوا مريم وليان عن بعض. لازم كل واحدة تعيش حياة منفصلة، لأن وجودهما معًا هيسهّل عليهم الوصول للمرحلة الأخيرة.
رفعت عيني لها.
ليه أبويا فرّقنا؟
ليان ردت
لأنه عرف إن العلامة بتظهر بشكل مختلف في كل واحدة فينا. إنتِ كان عندك الجزء الأول... وأنا كان عندي الجزء الثاني.
يوسف قال
وعشان كده كانوا بيدوروا عليكم.
فجأة فهمت.
وأولادي السبعة؟
ليان قربت مني.
كانوا بيحاولوا يعرفوا إذا الجزء اللي عندك انتقل لهم ولا لأ.
دموعي نزلت.
يعني ماتوا بسببنا؟
لأ، مريم.
مسكت إيدي.
ماتوا لأنهم كانوا آخر دليل على إن اللي بيعملوه فشل.
الرجل الغريب تدخل
والدليل إن الطفل الثامن لم يمت.
بصيت له.
فين؟
قال
عشان كده إحنا هنا.
فتح بابًا صغيرًا في آخر الشقة.
كان وراه جهاز قديم وشاشة عليها
تسجيل مباشر.
ظهر طفل صغير، جالس في غرفة، وحواليه شخصان.
اتجمدت.
ابني...
كان ابني السابع.
الطفل اللي دفناه.
صرخت
إزاي؟!
يوسف مسكني قبل ما أقع.
الرجل قال
لأن اللي اتدفن كان طفلًا آخر.
سكت الجميع.
ثم قال
أبوكي كان عارف إنهم هييجوا في اليوم الأول من السنة. بدّل الطفل قبل الموعد بساعات، وأخفاه.
بصيت للشاشة والدموع مغرقة عيني.
ابني عايش؟
أيوه.
والستة اللي قبله؟
خفض الرجل عينيه.
للأسف... ما لحقناش ننقذهم.
سكتُّ طويلًا.
ثم قلت
مين اللي عمل كل ده؟
الرجل أشار للملف.
اسم واحد.
فتحت الصفحة الأخيرة.
كان مكتوب اسم الدكتور المسؤول عن متابعة الحالات.
قرأت الاسم...
واتسعت عيني.
الدكتور سامح.
طبيب الأطفال اللي كنت بروح له مع أولادي.
الطبيب اللي قال لي كل مرة
مفيش سبب طبي للوفاة.
اتضح إنه كان أول واحد يعرف.
وفي نفس اللحظة، رن هاتف الرجل.
رد، واستمع ثواني.
ثم قال
لقيناه.
مين؟
بص لي.
الدكتور سامح.
فين؟
قال
في المستشفى القديمة.
خرجنا جميعًا.
ولأول مرة من سنين، دخلت المستشفى اللي مات فيها أول طفل.
وصلنا لغرفة
الأرشيف.
كان الدكتور سامح واقف هناك.
لكن بدل ما يهرب، حط مفتاحًا على الترابيزة وقال
أنا كنت مستني اليوم ده.
قلت
ليه قتلت أولادي؟
دموعه نزلت.
أنا ماقتلتش حد.
أمال عملت إيه؟
قال
حاولت أنقذهم.
ثم أشار للملف.
أبوكي اكتشف الحقيقة متأخر. والناس اللي كانوا ورا البرنامج كانوا أقوى مننا.
قلت
البرنامج انتهى.
هز رأسه.
لأ.
ثم نظر إلى ليان.
البرنامج انتهى من عشرين سنة.
وبص لي.
لكن المرحلة الأخيرة بدأت يوم مات طفلك السابع.
سألته
وإيه المرحلة الأخيرة؟
فتح الباب خلفه.
كانت هناك غرفة مليئة بملفات وصور لي ولأولادي وليان ويوسف.
وفي المنتصف صورة واحدة جديدة.
صورتي أنا...
لكن مكتوب تحتها
الحالة النهائية جاهزة.
مسكت الورقة ومزقتها.
وقلت
أنا مش حالة.
ثم التفتُّ إلى يوسف وليان.
أنا بنت.
وبصيت للصورة اللي فيها ابني.
وأم.
خرجنا من المستشفى، وسلمنا كل الملفات للشرطة، وانكشف البرنامج بالكامل، واتقبض على المسؤولين عنه.
وبعد أيام، رجع ابني لي.
أول ما شوفته، حضنته كأنني بحاول أعوضه عن كل ثانية ضاعت مني.
أما ليان، فاختارت تبدأ حياتها من جديد.
ويوسف أخيرًا عرف معنى إنه يكون له عيلة.
وقبل ما أقفل آخر ملف، لقيت ورقة صغيرة بخط أبويا
مريم... لو وصلتي للنهاية، افتكري إن نجاتك ماكانتشي صدفة. أنا ماقدرتش أنقذ إخواتك كلهم، لكني أنقذتك إنتِ وليان، لأنكم كنتوا الدليل
الوحيد اللي يقدر يوقفهم.
قفلت الورقة.
وبصيت لأولادي.
لأول مرة من سنين، ماكنتش مستنية يوم ميلاد أخاف منه.
كنت مستنية الأيام العادية.
الأيام اللي كنت محرومة منها.
وفهمت أخيرًا إن العلامة اللي خوفت منها طول عمري...
ماكانتشي علامة موت.
كانت العلامة اللي قادتني للحقيقة.
ومن يومها، ما بقاش عندي سبعة قبور أعدّهم...
بقى عندي ابن حي، وأخت، وأخ، وحكاية بدأت بخوف وانتهت بالنجاة.

 

تم نسخ الرابط