ظهرت كراجل متشرد
مكاني.
كل ما رأيته أن شريف تراجع خطوة إلى الخلف دون أن يشعر.
قال الرجل بهدوء
وصلتنا معلومات تستوجب مراجعة بعض المستندات الخاصة بهذا الفرع.
حاول شريف يقاطعه
أكيد في سوء فهم...
لكن الرجل رفع يده، فأغلق شريف فمه فورًا.
في تلك اللحظة، تقدم المراجع الخارجي، ورفع المظروف البني أمام الجميع.
وقال
أظن أنكم تبحثون عن هذه الملفات.
كل الأنظار اتجهت نحو المظروف.
حتى الموظفون بدأوا يتهامسون.
نادين كانت تقف في آخر الممر، وملامحها بدأت تفقد لونها.
لاحظت أنها أخرجت هاتفها بهدوء، وكتبت رسالة سريعة، ثم حاولت تغادر المكان من الباب الجانبي.
لكن قبل أن تصل إليه...
سمعنا صوتًا قويًا من خلفها
لو سمحتِ... محدش يخرج.
تجمدت مكانها.
التفتت ببطء، وعلى وجهها ابتسامة مرتبكة.
قالت
أنا... كنت رايحة أجيب ملف.
الرجل نظر إليها لثوانٍ، ثم قال
الملفات هتيجي لحد عندك.
ساد صمت ثقيل.
وفي وسط هذا الصمت...
لفت انتباهي عامل النظافة العجوز.
كان واقف بعيد، يراقب كل ما يحدث.
لكن الغريب...
أنه لم يبدُ عليه أي اندهاش.
بل كان يهز رأسه بهدوء، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات.
اقترب مني بخطوات بطيئة، وهمس دون أن ينظر إليّ
دي البداية بس...
سألته بصوت منخفض
بداية إيه؟
ابتسم ابتسامة غامضة وقال
لما يفتحوا الخزنة الرئيسية... هتعرف إن التوقيع المزور كان أصغر كذبة في الشركة كلها.
وقبل أن أسأله أي شيء آخر...
رن هاتف أحد الرجال الرسميين.
استمع لثوانٍ، ثم أغلقه، والتفت إليّ مباشرة وقال
أستاذ... يبدو أن هناك شخصًا وصل إلى المقر الرئيسي الآن.
توقف لحظة...
ثم أكمل
وهو يزعم أنه... رئيس مجلس إدارة الشركة الحقيقي اتجمدت في مكاني.
حتى شريف، رغم كل اللي كان بيحاول يخفيه، رفع رأسه فجأة.
قلت للرجل بهدوء
إزاي؟
فتح الجهاز اللوحي اللي كان في إيده، وورّاني صورة من كاميرات الاستقبال في المقر الرئيسي.
الصورة كانت لرجل في مثل عمري تقريبًا...
لابس بدلة فاخرة، نازل من عربية سوداء، وماشي بثقة كأنه صاحب المكان.
لكن اللي خلاني أحس بقشعريرة...
إنه كان يشبهني بشكل غريب.
مش شبه كامل...
لكن ملامح كفاية تخدع أي حد مايعرفنيش كويس.
شريف بص للصورة بسرعة، ثم قال وهو بيضحك
أكيد واحد نصاب.
لكن ضحكته كانت متكلفة.
الرجل الرسمي سأله
حضرتك عرفته بسرعة أوي... تعرفه من قبل؟
شريف اتردد جزءًا من الثانية.
ثم قال
لا... بس واضح إنه محتال.
أما أنا...
فكان عقلي بيرجع لسنين فاتت.
افتكرت مرة من حوالي أربع سنين، لما شريف أصر إن كل الاجتماعات المهمة تتم بدوني بحجة إن صحتي ما بقتش تسمح.
وقتها قال لي
ارتاح... وأنا همثلك في كل حاجة.
ومن يومها...
بدأت التوقيعات توصلني جاهزة.
وأحيانًا كانوا يطلبوا مني أمضي عشرات الأوراق في جلسة واحدة.
وساعتها...
سألت نفسي لأول مرة
هل كل الأوراق اللي مضيتها كانت فعلًا هي اللي قالوا عليها؟
قطع أفكاري صوت المراجع الخارجي.
قال
أقترح نروح المقر الرئيسي فورًا.
شريف اعترض بعصبية
مفيش داعي.
فرد عليه الرجل بهدوء
بل فيه... لأن الشخص اللي هناك طلب يفتح خزنة مجلس الإدارة.
أول ما سمع شريف كلمة الخزنة...
اختفى اللون من وشه تمامًا.
ولأول مرة من سنين...
شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
أما عامل النظافة، فكان واقف بعيد يبتسم ابتسامة صغيرة، وهمس لنفسه
أخيرًا... اليوم اللي استنيته جه.
لكن محدش انتبه إنه، وهو بيتحرك، وقع من جيبه مفتاح قديم نحاسي.
التقطته بسرعة قبل ما حد يشوفه.
كان عليه لوحة معدنية صغيرة محفور عليها
الخزنة رقم 1 لا تُفتح إلا بحضور المؤسس.
قبضت على المفتاح بقوة... دون أن أخبر أحد أن المفتاح أصبح في يدي أغلقت يدي على المفتاح دون أن يلاحظ أحد.
كان باردًا وثقيلًا... وكأنه يحمل أسرار ثلاثين سنة كاملة.
رفعت رأسي أبحث عن عامل النظافة.
لكنه...
اختفى.
نظرت في كل اتجاه، بين الممرات، عند المخزن، وحتى عند الباب الخلفي.
لا أثر له.
سألت أحد العمال
فين الراجل الكبير اللي كان بينضف هنا؟
نظر إليّ باستغراب وقال
حضرتك تقصد عم حسين؟
هززت رأسي.
فرد وهو متعجب
عم حسين خرج على المعاش من سنتين... والنهارده أول مرة أشوفه يدخل الفرع.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
يعني الرجل جاء إلى هنا
أن يوصل المفتاح إلى يدي.
في تلك اللحظة، قال أحد الرجال الرسميين
العربية جاهزة... لازم نتحرك حالًا.
خرجنا جميعًا من الفرع.
أنا، وشريف، والمراجع الخارجي، ونادين، والرجال الرسميون.
ركب كل واحد سيارته.
أما شريف، فكان طوال الطريق ممسكًا بهاتفه، يجري اتصالات متتالية.
لكن الغريب...
أنه في كل مرة كان الطرف الآخر يغلق الخط بسرعة.
بدأ القلق يزداد على وجهه.
ولأول مرة منذ عرفته...
رأيته عاجزًا.
بعد حوالي نصف ساعة...
وصلنا إلى المقر الرئيسي للشركة.
المبنى الذي بدأته قبل أربعين عامًا بمكتب صغير ومستودع واحد...
صار اليوم برجًا ضخمًا يحمل اسمي على واجهته.
وقفت أمامه للحظات.
ولأول مرة منذ سنوات...
شعرت أنني غريب عن المكان الذي بنيته بيدي.
دخلنا إلى البهو الرئيسي.
وفور دخولنا...
تجمد موظفو الاستقبال في أماكنهم.
لم يكونوا ينظرون إليّ...
بل كانوا ينظرون إلى الرجل الذي يقف بجوار المصعد.
الرجل الذي ادعى أنه رئيس مجلس الإدارة.
كان يقف وظهره لنا.
وببطء...
استدار.
وفي اللحظة التي رأيت فيها وجهه كاملًا...
شعرت أن الأرض تميد بي.
لم يكن مجرد رجل يشبهني.
بل كان يرتدي ساعتي القديمة...
الخاتم الذي أهدتني إياه زوجتي سناء في أول عيد زواج...
بل وحتى الندبة الصغيرة الموجودة فوق حاجبي الأيسر...
كانت موجودة في نفس المكان.
همس أحد الموظفين المرتبكين
والله... الاتنين نسخة من بعض.
أما الرجل...
فاكتفى بالنظر إليّ طويلًا.
ثم ابتسم ابتسامة هادئة، وقال جملة واحدة جعلت الدم يتجمد في عروقي
تأخرت جدًا يا... أخي.
وانتشر الهمس في أرجاء البهو.
أخي؟
أنا... الذي عشت أكثر من سبعين عامًا، كنت متأكدًا أنني ابن وحيد.
لكن تلك الكلمة وحدها...
كانت كافية لتقلب كل ما كنت أظنه حقيقة رأسًا على عقب وصلنا جميعًا إلى الطابق الأخير... حيث توجد الخزنة الرئيسية.
وقف الرجل الذي ادعى أنه أخي أمام الباب الحديدي الضخم، ثم التفت إليّ وقال
المفتاح معاك.
أخرجت المفتاح النحاسي من جيبي.
أول ما شافه شريف...
صرخ لأول مرة
لا... الخزنة دي مينفعش
لكن لم يعد أحد يستمع إليه.
أدخلت المفتاح في مكانه.
دار بصعوبة...
ثم انفتح الباب ببطء، وسط صمت كامل.
في الداخل لم تكن هناك سبائك ذهب، ولا حقائب أموال.
كان هناك صندوق خشبي قديم... وعشرات الملفات المختومة.
فتحت الصندوق أولًا.
وجدت رسالة بخط يد زوجتي سناء.
كانت قد كتبتها قبل وفاتها بأيام.
بدأت أقرأ بصوت مرتعش
لو أنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا مش موجودة... ويمكن تكون اكتشفت إن في ناس حواليك مش بتحبك، لكن بتحب فلوسك. علشان كده أقنعتك من سنين تحط كل الأوراق المهمة هنا، ومتفتحهاش إلا بنفسك لو شكيت في أقرب الناس ليك.
دموعي نزلت لأول مرة منذ وفاة سناء.
ثم فتحت أول ملف...
فوجدت كل شيء.
عقود مزورة.
توقيعات مقلدة.
شركات وهمية.
وحسابات كانت تُحوَّل إليها ملايين الجنيهات على مدار سنوات.
وفي آخر ملف...
كان هناك كشف بأسماء كل المشاركين.
في المقدمة...
شريف.
ثم نادين.
وثلاثة مديرين كبار.
وحتى المحامي الذي كنت أثق فيه.
أما الرجل الذي قال إنه أخي...
فأخرج شهادة ميلاد قديمة ووضعها أمامي.
قال بهدوء
أنا مش أخوك الحقيقي.
ساد الصمت.
ثم أكمل
أنا ابن أخيك التوأم.
شعرت أن الدنيا توقفت.
أكمل قائلاً
جدك فرّق بين التوأمين بعد الولادة بسبب خلاف على الميراث. أبوك عاش مع عائلته... وأبويا اتربى عند أسرة تانية. قبل ما يموت، سلمني كل المستندات، وقال لي في يوم هتعرف إن ليك عمًا اسمه الحقيقي اتسرق وهو عايش.
بصيت له طويلًا...
ثم احتضنته.
لأول مرة في حياتي...
شعرت أنني لست وحيدًا.
أما شريف...
فحاول الهرب.
لكن رجال التحقيق كانوا قد أحاطوا به.
اقتادوه مكبل اليدين، وهو يلتفت نحوي في ذهول.
قال بصوت مكسور
سامحني... الطمع أعمى قلبي.
نظرت إليه بهدوء وقلت
أنا سامحتك كإنسان... لكن القانون هو اللي هيحكم عليك.
وبعد أشهر...
استعدت الشركة.
لكنني لم أعد كما كنت.
بعت جزءًا كبيرًا من أسهمي،
وأنشأت مؤسسة خيرية باسم زوجتي سناء، توفر الطعام والعلاج للمحتاجين.
وأول قرار اتخذته...
أن أي شخص يدخل أي فرع من فروع الشركة، مهما كان شكله أو ملابسه،
وعلّقت عند مدخل كل فرع لوحة صغيرة كتب عليها
الإنسان لا تُقاس قيمته بما يملك... بل بالطريقة التي نعامله بها عندما لا يملك شيئًا.
تمت.