الأطفال المبسترين

لمحة نيوز

سكتت حضّانة الأطفال المبتسرين كلها لما دخل راجل ضخم، مليان وشوم، وطلب يشيل الطفل الرضيع اللي عمر ما حد زاره. لكن بعد ما فضل قاعد على نفس الكرسي لمدة 12 ساعة، الممرضات لاحظوا حاجة على معصمه كشفت سرًا مأساويًا. أول مرة شفت فيها الراجل الضخم ده داخل حضّانة الأطفال المبتسرين، افتكرت على طول إنه دخل القسم بالغلط. كان طوله يقرب من مترين، أصلع، بدقن بيضا كثيفة، ودراعاته كلها وشوم، وإيديه مليانة آثار جروح قديمة. وائل الدب حمدي كان شكله أقرب لحد قضى عمره كله بيشتغل في الحديد والورش، مش حد جاي يطبطب على أطفال مولودين قبل ميعادهم. طبقًا لقوانين المستشفى، اضطر يسيب الجاكيت الجلد الأسود بتاعه برّه قبل ما يدخل، لكن حتى وهو لابس الرداء الأزرق المعقم، كان ملفت للنظر وسط الإضاءة الهادية في حضّانة مستشفى الأطفال. أنا بشتغل ممرضة في حضّانة الأطفال المبتسرين من 13 سنة، وكنت فاكرة إني شفت كل أنواع الأهالي اللي ممكن تدخل المكان ده، لكن مفيش أي حاجة في شكل وائل كانت تقول إنه ينتمي لأوضة مليانة حضّانات وأطفال وزنهم بالكاد كيلو. وفجأة الطفل اللي في السرير رقم 9 بدأ يعيط. الملف بتاعه كان مكتوب فيه بس الطفل محمد ناصر. ماكانش ليه اسم كامل وقتها، ولا صورة لعيلته جنب الحضّانة، ولا بلونات، ولا لعب، ولا أي حد مستنيه. اتولد قبل ميعاده بوقت كبير، وجيه الدنيا من غير أي حاجة غير إسورة المستشفى، وهوية مؤقتة، وعيطة باين فيها التعب من أول لحظة. أمه الصغيرة، سارة ناصر، خرجت من المستشفى قبل حتى ما تكمّل الإجراءات، بعد ما غلبتها ظروف أكبر بكتير من إنها تتحل في إقامة داخل

مستشفى. ولا أب سجّل اسمه في شهادة الميلاد، ولا قريب اتصل مرة يطمن عليه. بينما باقي الأطفال حواليه كان أهلهم متجمعين جنبهم، الطفل الصغير ده كان بيواجه أول أيام حياته وحيد تقريبًا. في الصبح ده، كل أفراد الفريق جرّبوا كل حاجة يعرفوها. راجعنا حرارته، وعدّلنا اللفة، ووطّينا الإضاءة، وراجعنا مواعيد الرضاعة، وراقبنا كل نفس صغير بيطلعه لكن ولا حاجة كانت بتهديه أكتر من كام دقيقة. وائل لف ناحية صوت العياط، وبصلي بنظرة ماكنتش متوقعاها. وقال بهدوء هو ده البيبي اللي محتاج حد يقعد معاه؟ بصيت على كارنيه المتطوع المعلق في الرداء بتاعه. كان مخلّص كل إجراءات الفحص الأمني، وكل الدورات المطلوبة، وكل الخطوات اللي تسمح له يشارك في برنامج المستشفى الخاص بتهدئة الأطفال الرضع. ورغم كده اترددت. وللأسف، كنت عارفة سبب ترددي. عيني راحت على إيديه. كانت ضخمة، خشنة، ومليانة آثار جروح. وللحظة واحدة سألت نفسي هل الإيدين دي ينفع تشيل طفل مولود قبل ميعاده بمنتهى الرقة؟ وائل مازعلش من ترددي. غسل إيديه بالطريقة اللي اتعلمها بالظبط، وسمع كل التعليمات باهتمام، وبعدها قعد على كرسي الهزّاز بهدوء شديد، كأنه حتى نفسه خايف يزعج الطفل. ولما حطيت الطفل محمد على صدره زاد عياطه أكتر. اتنين من الممرضات بصوا ناحيته بسرعة، ودكتور وقف عند الباب يراقب، وأنا فضلت قريبة مستعدة أتدخل لو حسيت إن في أي حاجة غلط. لكن وائل ما رفعش عينه، وما سألش إذا كان ماسكه صح ولا لأ. كل اللي قاله بصوت دافي اهدى يا بطل أنا جنبك. وفي اللحظة اللي وائل نطق فيها بالكلمات دي حصل شيء محدش فينا كان يتوقعه. حكايات_
ميراا سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ باقي القصة هتنزل هنا سكت الطفل. مش بعد دقيقة ولا حتى بعد شوية. لأ في ثواني. الجهاز اللي كان بيطلع صوت إنذار كل شوية، بدأ صوته يهدى، ونبضات قلب محمد رجعت تنتظم بالتدريج. بصينا كلنا لبعض بعدم تصديق. الدكتور همس وهو بيبص للشاشة غريبة أول مرة يهدى بالشكل ده. أما وائل، فكان لسه بيهز الكرسي ببطء، وعينه مثبتة على وش الطفل الصغير، كأنه يعرفه من سنين. ومن ساعتها ما اتحركش. عدت ساعة. بعدين اتنين. وبعدين أربعة. كل ما الطفل يبدأ يتململ، وائل يهمسله نفس الجملة أنا جنبك متخفش. وكان محمد يرجع ينام تاني. في وقت الغدا، دخلت عليه أقول له تحب أقعد مكانك شوية؟ هز راسه بابتسامة خفيفة. لأ خليه ينام. قلت باستغراب حضرتك حتى ما كلتش. رد بهدوء الأكل يستنى هو لأ. الكلام لمسني بطريقة غريبة. على مدار اليوم، الأهالي كانوا بيدخلوا ويخرجوا، يزوروا أولادهم ويروحوا. إلا محمد كان الوحيد اللي لسه لاقي حد قاعد معاه. الساعة بقت عشرة بالليل. اثناشر ساعة كاملة. ووائل لسه على نفس الكرسي. لما قربت منه عشان أقوله إن وقت الزيارة انتهى، لاحظت حاجة وأنا بناول له إزازة مية. كم الرداء اتحرك سنة وساعتها شفت معصمه. كان عليه سوار مستشفى قديم جدًا، محفوظ في غلاف بلاستيك شفاف، وكأنه أغلى حاجة يملكها. مكتوب عليه بخط باهت الطفل آدم حمدي حضّانة الأطفال المبتسرين. وتحت الاسم تاريخ راجع لأكتر من ثلاثين سنة. اتجمدت مكاني. سألته بهدوء السوار ده لابنك؟ سكت ثواني طويلة. وبعدين أخد نفس عميق وقال لأ ده كان أخويا الصغير. نزلت عيني على الأرض. أما هو فكمل
بصوت مكسور لأول مرة أمي ولدته بدري وأبويا كان شايف إن المستشفيات مضيعة فلوس. كان لازم حد يقعد معاه بس محدش كان بييجي. بلع ريقه بصعوبة. كنت عندي عشر سنين وكنت أستخبى كل يوم وأدخل أبص عليه من الشباك. وكل مرة كانوا يقولولي ممنوع. وفي يوم جيت. وسكت. قالولي اتأخرت. فضل ماسك إيد محمد الصغيرة وهو بيكمل من يومها وعدت نفسي إن أي طفل هيكون لوحده، عمره ما هيحس بالوحدة وأنا عايش. الدموع كانت في عيني قبل ما أحس بيها. دلوقتي فهمت ليه الراجل الضخم ده فضل قاعد 12 ساعة كاملة من غير ما يتحرك. وليه الطفل محمد أول ما سمع صوته حس بالأمان. لكن اللي محدش كان يعرفه إن المفاجأة الأكبر كانت لسه مستنياه تاني يوم الصبح تاني يوم الصبح، وصل وائل قبل معاد الزيارة بساعة. كان شايل معاه شنطة صغيرة فيها زجاجة مية، وسندويتش، وكتاب قديم. ابتسم للممرضات وقال صباح الخير محمد عامل إيه؟ رديت وأنا ببص على شاشة الأجهزة أحسن بكتير من امبارح. أول ما سمع الطفل صوته، فتح عينيه الصغيرين، وبطل العياط. الدكتور المسؤول وقف يبص للمشهد وقال الغريب إن حالته بتتحسن كل ما الراجل ده يقعد معاه. ومن يومها، بقى وائل ييجي كل يوم. لا بيتكلم كتير، ولا بيسأل عن حد. يدخل، يغسل إيديه، يقعد على الكرسي، ويحط محمد على صدره. وبعد أسبوع بدأ محمد يرضع لوحده لأول مرة. وبعد أسبوعين زاد وزنه بشكل ملحوظ. الممرضات بقوا ينادوا وائل باسم عم محمد. وكان يضحك بخجل ويقول أنا مجرد متطوع. لكن في صباح اليوم الخامس عشر، حصل شيء قلب كل حاجة. وصلت بنت في أوائل العشرينات، هدومها بسيطة، ووشها باين عليه الإرهاق. وقفت
 

تم نسخ الرابط