ظهرت كراجل متشرد
حس بحاجة.
دخل مكتب المدير، وبعد أقل من دقيقة، الباب اتقفل.
الفضول قتل الموظفين.
الكل كان بيبص ناحية المكتب.
وفجأة...
وصل لعندي عامل نظافة كبير في السن، كان بيمسح الأرض من غير ما يلفت انتباه حد.
وقف جنبي وهو مكمل شغله، وقال بصوت واطي جدًا
امشِ من هنا... حالًا.
بصيتله باستغراب.
فكمل من غير ما يرفع عينه
في ناس هتنزل دلوقتي مخصوص علشان ياخدوا الورقة اللي معاك.
قلبي دق بقوة.
سألته إنت عرفت منين إن معايا ورقة؟
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
أنا بشتغل هنا من خمسة وعشرين سنة... وبقيت أعرف أسرار المكان أكتر من أصحابه.
الكلمة الأخيرة وقفتني.
أصحابه.
قالها بطريقة غريبة... كأنه يقصد حاجة أكبر من مجرد الشركة.
وقبل ما أسأله أي سؤال تاني...
فتح باب مكتب المدير بعنف.
خرج شريف، ووشه كان متجهم.
لف على الأمن وقال بصوت عالي يسمعه كل اللي في الفرع
فين الراجل المشرد؟
الأمن أشار ناحيتي.
شريف بصلي كام ثانية...
ثم ابتسم ابتسامة باردة وقال
هاتوه على المكتب... لوحده.
الفرع كله سكت.
حتى مدير الفرع باين عليه إنه مستغرب.
لأن شريف عمره ما اهتم بمتشرد دخل أي فرع.
لكن المرة دي...
كان مصر يتكلم معايا بعيد عن أي حد.
وأنا... وافقت أمشي مع الأمن.
لأن كان عندي إحساس إن الدقائق الجاية...
هتكشف أول خيط حقيقي في المؤامرة اللي اتبنت حواليا من غير ما أحس انحنيت ببطء والتقطت الورقة، وأنا أحاول أخفي ارتجاف إيدي.
رغم الأوساخ اللي على وشي والهدوم الممزقة، عيني كانت لسه بتلقط التفاصيل.
بصيت على التوقيع ثانية... واتنين...
وبعدين همست لنفسي
مزوّر... لكنه متقن.
كان نفس طريقة توقيعي بالظبط... لدرجة إن أي خبير عادي كان هيقول إنه أصلي.
الشاب اللي وقعت منه الأوراق جري بسرعة يحاول يخطف الورقة من إيدي.
هاتها... دي أوراق شغل.
لكن قبل ما يلمسها، كنت طويتها وحطيتها في جيبي.
اتوتر وقال بعصبية إنت بتعمل إيه؟
ابتسمت بهدوء وقلت خايف عليها أوي
وشه اصفر.
في اللحظة دي، وصل مدير الفرع.
في إيه؟
الشاب رد بسرعة وهو بيتلعثم الراجل... الراجل أخد ورقة من الملفات.
مدير الفرع بصلي وقال باحترام لو سمحت يا حاج، دي مستندات خاصة بالشركة.
سألته وأنا ثابت في مكاني هي خاصة بالشركة... ولا خاصة بشريف؟
أول ما نطقت اسم شريف...
الصمت نزل على المكان كله.
مدير الفرع اتسعت عينه باستغراب.
أما الشاب... فبدأ العرق ينزل من على جبينه.
واضح إن مجرد ذكر الاسم أربكه.
لكن اللي شد انتباهي أكتر...
إن الموظفين اللي كانوا قريبين وقفوا يبصوا لبعض، كأنهم فاهمين حاجة وأنا لسه معرفهاش.
واحدة من الكاشيرات قربت بخطوات مترددة، وبصوت يكاد يُسمع قالت لمدير الفرع
هو... هو الراجل ده يعرف الأستاذ شريف؟
قبل ما المدير يرد...
سمعنا صوت سيارة فاخرة وقفت قدام الباب الرئيسي.
كل الموظفين بصوا ناحية الزجاج.
وبمجرد ما نزل اللي فيها...
وشوشهم اتغيرت مرة واحدة.
واحد همس
الأستاذ شريف بنفسه...
قلبي فضل ثابت... لكن عقلي بدأ يربط كل الخيوط.
ماكنتش متوقع إنه ييجي بنفسه.
لكن السؤال اللي كان بيطاردني وقتها...
هو جاي علشان يطرد متشرد مجهول...
ولا لأنه عرف إن في حد وصل للمستند اللي كان المفروض ما يشوفوش أي حد؟مشيت بخطوات بطيئة، والأمن ماشي ورايا كأني مجرم.
أول ما دخلت المكتب، شريف أشار لهم يخرجوا.
اتقفل الباب.
وبقى إحنا الاتنين لوحدنا.
فضل واقف يبصلي كام ثانية، وبعدين قال بابتسامة ساخرة
التنكر لايق عليك.
ما رديتش.
رفع حاجبه وقال
ولا هتفضل تمثل إنك متشرد؟
رفعت عيني وبصيتله لأول مرة.
واضح إنك عرفتني.
ضحك ضحكة قصيرة.
عرفتك أول ما شفت طريقة مشيك... أنت فاكر إن الأوساخ والهدوم القديمة هتغير أربعين سنة شغل مع بعض؟
سكت لحظة، ثم قرب مني وقال بصوت منخفض
بس أنا مستغرب... إيه اللي خلاك تنزل بنفسك؟
قلت بهدوء
كنت عايز أعرف الناس بقت بتعامل الضعيف إزاي... واكتشفت أكتر مما كنت متوقع.
اتغيرت
أنت تعبان يا أستاذ... والدكتور قالك ترتاح. سيب الإدارة لأهلها.
أخرجت الورقة من جيبي، وحطيتها على المكتب.
أول ما وقعت عينه عليها...
الابتسامة اختفت.
مد إيده بسرعة ياخدها.
لكن سحبتها قبل ما يلمسها.
قلت
دي عليها توقيع مزور.
رد فورًا
أكيد فاهم غلط.
أنا عمري ما مضيت الورقة دي.
لأول مرة... شريف فقد هدوءه.
لف ناحية الباب، واتأكد إنه مقفول.
وبعدين رجع ناحيتي وقال بنبرة مختلفة تمامًا
إسمعني كويس... في حاجات لو فتحتها دلوقتي هتندم.
قلت بثبات
اللي يزور توقيعي هو اللي لازم يندم.
وقبل ما يرد...
خبط خفيف على الباب.
دخلت السكرتيرة وهي مرتبكة.
آسفة يا أستاذ شريف... لكن في راجل مُصر يقابلك.
شريف انفعل
قولت محدش يدخل!
قالت وهي بتبلع ريقها
هو بيقول إنه... المراجع الخارجي للشركة، وإن معاه ملف لازم يتسلم فورًا لرئيس مجلس الإدارة شخصيًا.
أنا وشريف بصينا لبعض في نفس اللحظة.
لأن المنصب ده...
رئيس مجلس الإدارة...
كان لسه باسمي رسميًا.
لكن اللي خلى الدم يتجمد في عروقي...
إن السكرتيرة كملت وقالت
والغريب... إنه قال جملة واحدة قبل ما يبعتني.
سكتت لحظة، ثم قالت
قال... قولوا للأستاذ إن الدفاتر القديمة بدأت تتكلم.
أول ما سمع شريف الجملة...
اتغير لون وشه بالكامل.
وعرفت وقتها...
إن السر اللي بيخاف منه أكبر بكتير من مجرد توقيع مزور شريف حاول يتماسك، لكن إيده وهي بترتب رابطة عنقه كانت بترتعش.
ابتسم غصب عنه وقال
واضح إن في ناس بتحاول تعمل شو إعلامي.
لكن صوته... ماكانش فيه نفس الثقة اللي اتعودت أسمعها منه.
قال للسكرتيرة
خليه يستنى.
ردت بتوتر
هو رافض يا فندم... وبيقول لو حضرتك أو رئيس مجلس الإدارة ماقابلتوش خلال خمس دقايق، هيسلم الملف للجهة المختصة.
أول مرة أشوف شريف يبلع ريقه بالشكل ده.
لف ناحيتي وقال بنبرة هادئة مصطنعة
خلينا نتفاهم بعيد عن المشاكل.
ابتسمت لأول مرة من ساعة ما دخلت الفرع.
واضح إن اللي خايف من المشاكل... مش أنا.
وقبل ما يرد، فتح الباب بنفسه وخرج بسرعة.
خرجت وراه من غير ما يمنعني.
كل الموظفين كانوا واقفين يبصوا علينا باستغراب.
وعند آخر الممر...
كان فيه رجل في أوائل الستينات، ماسك حقيبة جلد قديمة، وواقف بثبات كأنه مستني اللحظة دي من سنين.
أول ما شافني...
ركز في ملامحي ثواني.
ثم قال بهدوء
كنت متوقع ألا أتعرف عليك بسبب التنكر... لكن عينيك ما اتغيروش.
مد إيده يصافحني.
أما شريف...
فسبقني بخطوة وقال بعصبية
أنا المسؤول هنا. أي ملف معاك سلّمهولي.
الرجل تجاهله تمامًا.
فتح الحقيبة، وأخرج مظروفًا بنيًا كبيرًا، لكنه لم يفتحه.
وقال وهو ينظر إليّ مباشرة
قبل ثلاث سنوات، وصلني تكليف بمراجعة حسابات فرعية ظننتها عادية... لكن كلما فتحت ملفًا، وجدت ملفًا آخر مخفيًا خلفه.
ساد الصمت.
ثم أكمل
في البداية ظننت أنها أخطاء محاسبية... وبعدها اكتشفت أنها ليست أخطاء.
شريف قاطعه بعصبية
كفاية! الكلام ده هتتحاسب عليه.
لكن الرجل لم يلتفت إليه.
بل رفع المظروف قليلًا وقال
كل المستندات هنا... نسخ أصلية، وتحويلات، وعقود، وأوامر صرف.
شعرت أن أنفاس شريف أصبحت أسرع.
لكن أكثر ما لفت انتباهي...
أنه لم يسأل أبدًا
أي مستندات؟
وكأنه...
يعرف بالضبط ما بداخل المظروف.
وفي تلك اللحظة، دوّى صوت صفارات سيارات توقفت أمام الفرع.
كل الموجودين اتجهوا بنظرهم نحو الباب الزجاجي.
وشريف... شحب وجهه فجأة، وهمس لنفسه بكلمات لم يسمعها أحد غيري
مستحيل... هما وصلوا بالسرعة دي؟
وقبل أن نعرف من الذي نزل من تلك السيارات...
انتهى المشهد على لحظة صمت ثقيلة، جعلت الجميع يحبس أنفاسه منتظرًا ما سيحدث بعدها الأبواب الزجاجية اتفتحت ببطء...
ودخل ثلاثة رجال ببدلات رسمية، يتقدمهم رجل يحمل حقيبة سوداء صغيرة.
لم يكن في ملابسهم ما يدل على هويتهم، لكن الطريقة التي دخلوا بها جعلت الفرع كله يصمت.
شريف حاول يستعيد هدوءه بسرعة، وابتسم
أهلاً... أقدر أساعدكم؟
الرجل لم يرد.
أخرج بطاقة من جيبه، أراها له لثانية واحدة فقط.
وفجأة...
اختفت الابتسامة من وجه شريف.
أما أنا، فلم أستطع رؤية البطاقة من