صغيرتي مايا خالد
صغيرتي بقلم مايا خالد حصري الفصل الأول
كانت واقفة تايهة، ماسكة شنطتها بعصبية. ده كان أول يوم ليها في الجامعة بعد أسابيع قليلة من زواجها القسري، أول مرة تخرج من القصر لوحدها بعدما وافق قاسم بصعوبة على استكمال دراستها، بس كان واضح من البداية إن موافقته ليها حدود. بتدور بعينها على مدرج المحاضرة الأولى، ملامحها الناعمة توحي بالضعف، بس في عيونها الواسعة ومضة عناد خفية بتقاوم الخوف اللي جواتها.
قرب منها شاب بابتسامة ودودة وسألها بلطف
ازيك يا أنسة.. شكلنا في نفس السنة، هو فين مدرج قسم إعلام لو تعرفي؟
بصتله ليان برهبة وقالت بصوت هادي
أنا كمان لسة بدور عليه..
ابتسم الشاب وقعد جنبها على إحدى الاستراحات برا ساحة الكلية وقال بصوت مرح
طيب تعالي نستنى شوية لحد ما نشوف حد يدلنا على المكان، أنا اسمي كريم.. وانتي؟
ليان لسة هترد، وفجأة.. رن تليفونها اللي كان في إيدها مقلوب على الشاشة. بصت على الاسم ووشها خطف ألوانه، الدم جرى في عروقها وقلبها دَقّ بعنف لحد ما كأن ضلوعه هتتكسر.
بلعت ريقها بصعوبة وفتحت الخط وهي بتترعش
قاسم؟
جه صوته من الناحية التانية، ضحك ضحكة قصيرة مليانة جنون ورعب هزت كيانها، وفجأة اختفت الضحكة تمامًا، وتحول صوته لبرود مخيف وهو بيقول ببطء
ليان.. أنتي اتعديتي حدودك!
سكتت أنفاس ليان ورعب الدنيا تملكها، والحرارة حسيتها نزلت في جسمها كله، وكمل قاسم بصوت واطي وقاسي زي المنشار
فكرة إني أسيبك تنزلي الجامعة لوحدك كانت غلطة.. وغلطة كبيرة كمان. وشايفة الزفت اللي قاعد جنبك ده وبيبتسم في وشك وهو مش عارف إن روحه بقت في إيدي؟ دقيقة واحدة.. لو لقيته لسة قاعد جنبك أو بيكلمك بعد ما أقفل، اعتبري إن عقاب الليلة دي هيكون طويل أوي.. ومش هرحم دموعك.. فاهمة؟
وقبل ما تلحق تنطق
رفعت عيونها المرعوبة وبصت حواليها بجنون.. وسط زحمة الطلبة، لمعت عيون سوداء حادة بتبص عليها من عربية سودة فخمة واقفة بعيد قدام بوابة الكلية.. عربية قاسم.
فضلت ليان قاعدة مكانها ثواني من الصدمة والرعب، عيونها متثبتة على العربية السوداء الفخمة اللي واقفة بعيد.. حست كأن العربية دي قفص محبوسة فيه مهما بعدت. ريقها نشف ودقات قلبها بقت بتضرب في ودانها زي الطبول.
بصت لكريم اللي كان قاعد جنبها ومستني ردها بابتسامة بريئة وهو مش فاهم حاجة خالص، وقال باستغراب
مالك؟ وشك مخطوف كأنك شوفتي عفريت!
بلعت ريقها بصعوبة بالغة، وحست إن الهواء هرب من صدرها، وقالت بصوت متهدج وهي بتقوم بسرعة وبترجع شنطتها لوراء
م.. مفيش.. أنا افتكرت حاجة مهمة لازم أعملها.. عن إذنك!
وقبل ما يستوعب اللي بتقوله، اتحركت بخطوات سريعة تكاد تكون جري، وسابت المكان كله وراها. كانت ماشية وعيونها بتلف حواليها بخوف، حاسة إن كل شجرة وكل طالب في الكلية هو عين تابعة لقاسم.
وصلت لبوابة الكلية الرئيسية، ولقت العربية السوداء اتحركت ببطء ووقفت بالضبط قدامها، والباب الخلفي اتفتح كأنه بيدعوها لدخول الجحيم بمحض إرادتها.
اتجمعت الدموع في عيونها من القهر والعجز، بس غرورها وعنادها جواها رفضوا تنزل دمعة قدامه. قربت بخطوات بطيئة وتجليد كامل لأعصابها المرتعشة، وركبت العربية وقفل الباب وراها بإحكام.
الجو جوة العربية كان هادي، مكيف، وريحة عطره الحادة الخاصة بيه هجمت على أنفاسها فخلتها تكتم نفسها غصب عنها. كانت قاعدة على أطراف الكرسي، بتبص قدامها ومش قادرة تدير راسها ناحيته.
مد إيده ببطء شديد، وبأطراف صوابعه رفع دقنها لفوق عشان يجبرها تبص في عيونه السوداء المرعبة. عيونه كانت بتلمع بنظرة
أنتي شكلك نسيتي درسي الأول، ولا تحبي أعيدلك الشرح بطريقتي الخاصة الليلة في القصر؟
عقدت ليان حواجبها بغضب دفين، وجمعت آخر ذرات شجاعتها المتبقية عشان ترد بصوت مهزوز بس فيه شوية عناد واضحة
أنا.. أنا مكنتش بعمل حاجة غلط! الولد كان بيسألني على المدرج زي أي طالب تائه.. هو أنت فاكر إن الناس كلها بتلعب؟ حرام عليك، سيبني في حالي شوية!
قاسم ملامحه اتحولت في ثانية واحدة من الهدوء المرعب لجمود تام ضيق عيونه السوداء عليها، وقرب بوشه منها لحد ما بقت حاسة بأنفاسه الحارة المختلطة بريحة عطره القوية، وقال بصوت واطي وخشن نزل على قلبها زي الصاعقة
صوتك ما يعلاش يا ليان.. دي أول حاجة. وتاني حاجة، مافيش مخلوق على وش الأرض دي من ولاد آدم له حق يكلمك، أو حتى يبص في وشك غيري أنا. فهمتي ولا أكتبهالك بطريقتي؟
بلعت ريقها بصعوبة وحست إنها بتمشي على حافة سكين، لفت وشها الناحية التانية بعناد وقالت بصوت أشبه بالهمس بس مصمم
أنت إنسان أناني ومريض.. جوزتني غصب عني وكسرت أبويا عشان تبسط رغبتك في التملك، بس مش معنى كدة هتحبسني جوة دماغك!
هز قاسم راسه بابتسامة جانبية باردة ومستفزة، وبص قدامه وهو بيدي إشارة للسواق عشان العربية تتحرك وتنطلق بسرعة متوجة لطريقهم للقصر، وقال بصوت كفيل يجمد الدم في عروقها
مظبوط.. أنا أناني، ومريض، ومالكك بالكامل. وبما إنك مصرة تختبري صبري من أول يوم.. فالليلة مش هيعدي على خير يا صغيرتي.
سكتت ليان وقبضت على إيديها بقوة لحد ما ضوافرها دخلت في جلدها، عينيها
اتملت بالدموع بس حبستها بغرور، وهي عارفة إن الجاي أكيد أسوأ.
دخلت ليان القصر وهي رافعة رأسها بعناد، تحاول أن تخفي ارتجافها خلف قناع
مرت الدقائق ثقيلة عليها، وكأنها تنتظر حكمًا لا تعرف نهايته.
جلست على طرف السرير في الجناح الواسع، تضم يديها إلى بعضهما، وتحاول بكل ما تملك أن تسيطر على ارتجافها.
وما إن انفتح الباب حتى دخل قاسم.
كان هادئًا على نحوٍ يثير القلق.
خلع ساعته ووضعها فوق الطاولة، ثم اتجه إليها بخطوات بطيئة، وقال بصوت منخفض
صغيرتي...
رفعت رأسها إليه بسرعة، وهتفت بحدة
ماتقولش صغيرتي... أنا كبيرة بما فيه الكفاية.
اشتدت ملامحه في لحظة، وبرزت عروق عنقه من شدة الغضب.
اقترب منها حتى أصبحت محاصرة بينه وبين الحائط، وقال بصوت خافت لكنه حاد
ليان... صوتك مايعلاش عليا... وطريقتك مع كريم... وتحديك لكل كلمة بقولها... كل ده ليه حساب.
رغم الدموع التي امتلأت بها عيناها، ابتسمت بسخرية، وقالت بصوت مرتبك من شدة قربه وأنفاسه الساخنة التي لامست وجهها
يعني أنت كنت مستني أي غلطة عشان تحبسني هنا؟
ثبت نظره داخل عينيها، ثم قال بهدوءٍ أخطر من الصراخ
أنا مش بحاول أكسرك يا ليان... أنا بحاول أخليكِ تفهمي إن فيه حدود.
هزت رأسها بعنف.
حدودك أنت؟! أنت فاكرني إيه؟... حاجة اشتريتها؟
ساد صمت قصير...
وتوقفت عيناه عند وجهها، وكأن كلماتها أصابته في مكانٍ لم يتوقعه.
لكنه أخفى ذلك سريعًا، وعاد الجمود يكسو ملامحه.
من النهارده... مفيش جامعة.
اتسعت عيناها بصدمة.
إيه؟
لحد ما تتعلمي حدودك.
ثم أكمل بنبرة ثابتة
ولسه أول يوم ليكي هناك ماكملش كام ساعة... وقدرتي تعملي كل اللي حذرتك منه.
شهقت وهي تهز رأسها برفض.
لا... الجامعة لأ يا قاسم... أرجوك.
نظر إليها دون أن يلين.
لما تهدي... وتبطلي تحاربي كل حاجة حواليكي... هترجعي.
صرخت بانفعال
دي حياتي!
أجابها بهدوءٍ مؤلم
وأنا المسؤول عنها.
استدار