صغيرتي مايا خالد
قاسم ابتسامة حزينة لم تصل إلى عينيه.
شوفتي آخر دقيقة... لكن عمرك ما عرفتي أول الحكاية.
صرخت فيه
أنا شوفته بعيني! شوفته وهو بياخد الفلوس منك... وبعدها أخدتني... وهو سافر وسابني!
أغمض قاسم عينيه للحظة، ثم قال بصوت خافت
اللي شوفتيه كان جزء من الحقيقة... وجزء الحقيقة ساعات بيبقى أخطر من الكذب.
اتسعت عيناها وهي تقترب منه.
يعني إيه؟
أخرج هاتفه من جيبه، وضغط على ملف صوتي قديم.
خرج صوت والدها، متعبًا ومختنقًا بالبكاء
يا قاسم بيه... لو جرالي حاجة... أوعى تسيب ليان لوحدها... دي كل اللي فاضلّي من الدنيا...
ارتجفت شفتاها.
كان ذلك صوت أبيها...
بكل ضعفه الذي لم تسمعه منه يومًا.
لكن التسجيل توقف فجأة.
رفعت رأسها إليه بسرعة.
كمل!
أعاد الهاتف إلى جيبه.
مش دلوقتي.
شهقت بغضب.
ليه؟!
نظر إليها نظرة طويلة، وقال بصوت هادئ
لأنك لسه مش مستعدة تعرفي الحقيقة كلها.
اندفعت نحوه تدفعه بكل قوتها.
كفاية! كل واحد فيكم بيقرر يعرفني إيه ويخبي عني إيه! أنا من حقي أفهم!
استقبل غضبها بصمت، ثم قال وهو يتجه نحو الباب
وهتفهمي...
بس لما ييجي الوقت المناسب.
أُغلق الباب خلفه بهدوء...
وظلت ليان واقفة في منتصف الغرفة، تحتضن الأجندة إلى صدرها، بينما يتردد صوت والدها داخل رأسها
أوعى تسيب ليان لوحدها...
لأول مرة...
تسلل الشك إلى قلبها.
ماذا لو كانت كل السنوات التي قضتها تكره قاسم...
مبنية على نصف حقيقة فقط؟
رفعت رأسها ببطء، ومسحت دموعها بعزم.
وهمست لنفسها
لو محدش هيقولي الحقيقة... هعرفها بنفسي.
حتى لو قلبت القصر ده فوق دماغ صاحبه.
ولأول مرة... لم تعد ليان تبحث عن الهرب.
بل بدأت تبحث عن الحقيقة.
حلَّ الليل على القصر، لكن النوم كان آخر ما يمكن أن يزور عيني ليان.
ظلت مستلقية فوق فراشها، تحدق في سقف الغرفة، بينما كانت كلمات والدها تتردد داخل
أوعى تسيب ليان لوحدها...
أغلقت عينيها بقوة.
ثم همست
لو كنت عايز تحميني... ليه سيبتني أموت ألف مرة وأنا فاكرة إنك بعتني؟
انسابت دمعة ساخنة فوق خدها.
وللمرة الأولى منذ وفاة والدها، لم تشعر بالغضب منه...
بل شعرت بالحيرة.
تذكرت أمها.
لم تكن تتذكر منها سوى ملامح باهتة، ورائحة عطر كانت تملأ البيت، وضحكة كانت تختفي كلما دخلت هي إلى حضنها.
رحلت أمها وهي لا تزال طفلة.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح والدها عالمها كله.
كان يوقظها بنفسه كل صباح، ويصفف شعرها قبل المدرسة، ويصر على أن يوصلها بنفسه، ثم يعود ليأخذها في نهاية اليوم.
كانت تظن أن الدنيا كلها تشبه أباها.
لكن...
قبل عامين تقريبًا...
تغير كل شيء.
أصبح يعود متأخرًا.
شاردًا.
ينظر إليها كثيرًا دون أن يتكلم.
وفي أحيان كثيرة كانت تراه يقف أمام صورة أمها لساعات، وكأنه يعتذر لها عن شيء لا تفهمه.
كلما سألته
مالك يا بابا؟
كان يبتسم ابتسامة متعبة ويقول
شوية مشاكل شغل... وهتعدي.
فكانت تصدقه.
ولم يخطر ببالها يومًا أن تلك الابتسامة كانت تخفي خلفها جحيمًا كاملًا.
فتحت عينيها فجأة.
لأ...
همست بها وهي تنهض من فوق السرير.
الحقيقة لسه مستخبية...
ومحدش هيقولهالي.
يبقى أدور عليها بنفسي.
في تلك اللحظة، وقع بصرها على كاميرا المراقبة المثبتة في زاوية الغرفة.
رفعت رأسها إليها.
حدقت فيها لثوانٍ...
ثم ابتسمت لأول مرة منذ دخولها القصر.
ابتسامة صغيرة...
لكنها كانت تعني شيئًا واحدًا.
الحرب بدأت.
انتظرت ليان حتى انتصف الليل.
كان القصر غارقًا في سكونٍ ثقيل، لا يقطعه سوى خطوات الحراس المتباعدة في الممرات.
اقتربت من الباب بحذر.
وضعت أذنها عليه.
لا أحد.
فتحت الباب ببطء شديد، حتى لا يصدر أي صوت.
ألقت نظرة سريعة يمينًا ويسارًا...
ثم خرجت.
كانت هذه أول مرة تغادر جناحها منذ دخلت
شعرت بأنفاسها تتسارع، لكنها لم تتراجع.
كانت تعرف أن كاميرات المراقبة تملأ المكان، لكنها لم تعد تهتم.
إن كان قاسم يراقبها...
فليكن.
سارت على أطراف أصابعها بين الممرات الطويلة، تتذكر الطريق الذي مرت منه يوم زفافها.
وفي نهاية الممر...
توقفت.
كان باب مكتب قاسم مواربًا
قليلًا، ويتسلل منه خيط رفيع من الضوء.
وقبل أن تقترب...
وصلها صوته.
هادئًا...
لكنه حازم.
أخبار كريم؟
تسمرت مكانها.
جاءها صوت محمود من الداخل
زي ما توقعت يا باشا... طلع شغال لحساب ناس الخولي.
شحب وجه ليان.
همست دون وعي
كريم...؟
أكمل محمود
قربه من الهانم في الجامعة مكانش صدفة... كانوا عايزين يخرجوها برة الكلية بأي طريقة.
ساد صمت قصير.
ثم قال قاسم بصوت منخفض
كنت عارف.
علشان كده منعتها من الجامعة؟
أيوه.
تنهد قاسم، ثم أكمل بنبرة أثقل من المعتاد
خليها تفضل فاكراني ظالم... أهون عليَّ من إنها تقع في إيديهم.
ارتجف قلب ليان.
لأول مرة...
بدأت تتصدع الصورة التي رسمتها له داخل عقلها.
لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها من الاقتراب أكثر.
مدت رأسها قليلًا لتسمع باقي الحديث...
فاصطدمت قدمها بالمزهرية الموضوعة بجوار الباب.
اهتزت...
ثم سقطت على الأرض.
وتحطمت.
ساد الصمت داخل المكتب.
وفي أقل من ثانية...
اندفع الباب إلى الخارج.
اندفع الباب إلى الخارج.
تجمدت ليان في مكانها.
وقف قاسم أمامها مباشرة، وعيناه ثابتتان عليها، لا تحملان غضبًا كما توقعت... بل هدوءًا أربكها أكثر.
أما محمود، فما إن رآها حتى شحب وجهه.
الهانم...!
رفع قاسم يده في هدوء، فأشار إليه أن يلتزم الصمت.
ظل ينظر إلى ليان لثوانٍ، ثم قال بنبرة منخفضة
من إمتى وإنتِ واقفة هنا؟
ابتلعت ريقها، لكنها لم تخفض عينيها.
من قبل ما تتكلموا عن كريم.
ساد صمت ثقيل.
أغمض قاسم عينيه للحظة، كأنه كان يتوقع أن يحدث
ثم التفت إلى محمود.
سيبنا.
تردد محمود لحظة، ثم أومأ وانصرف، وأغلق باب المكتب خلفه.
لم يبقَ في الممر سوى قاسم وليان... وبينهما شظايا المزهرية المكسورة.
تقدمت خطوة نحوه، وصوتها يرتجف بين الغضب والارتباك.
يعني... كنت عارف إن كريم كان بيقرب مني؟
أيوه.
ومع ذلك سيبتني أفتكره مجرد زميل؟
أجاب بهدوء
كنت مراقبه.
عقدت حاجبيها.
ولما كنت عارف... ليه ما قلتليش؟
ابتسم ابتسامة باهتة خالية من الفرح.
لو كنت قلتلك... كنتِ هتصدقيني؟
صمتت.
لم تجد جوابًا.
لأنها بالفعل... ما كانت لتصدقه.
أكمل بصوت هادئ
كنتِ شايفاني الراجل اللي اشترى أبوكي وسرق حياتك... أي كلمة كنت هقولها، كنتِ هتعتبريها كذبة.
ارتبكت نظراتها.
لكنها تماسكت سريعًا.
وناس الخولي دول... عايزين إيه؟
تغيرت ملامح قاسم للحظة.
ثم قال بحزم
السؤال ده... مش وقته.
اشتعل الغضب في عينيها من جديد.
لأ... ده وقته! أنا تعبت من كلمة مش وقته. كل حاجة عندك ليها وقت إلا الحقيقة!
اقتربت منه خطوة أخرى.
بابا كتب إنك بتحميني... وإنت بتقول إن كريم كان مراقبني... يبقى أفهم! أنا مهددة بإيه؟
نظر إليها طويلًا.
ثم قال بصوت خرج أثقل من المعتاد
إنتِ مش مهددة بسبب حاجة عملتيها...
...إنتِ مهددة بسبب حاجة ورثتيها.
اتسعت عيناها.
ورثت... إيه؟
وقبل أن يجيب...
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، فتبدلت ملامحه في لحظة.
أجاب سريعًا
اتكلم.
جاءه صوت مضطرب من الطرف الآخر
يا باشا... لقيناه.
ساد الصمت.
شد قاسم الهاتف بقوة.
فين؟
بعد اختفاء سنتين... ظهر من جديد.
توقفت أنفاس ليان وهي تراقب ملامحه.
ثم سمعته يقول جملة واحدة جعلت الدم يتجمد في عروقها
متخلوش حد يقرب منه... خصوصًا ليان.
وأغلق الهاتف.
حدقت فيه بذهول.
ثم همست
هو... مين؟
رفع قاسم عينيه إليها ببطء.
ولأول مرة منذ عرفته...
ظهر الخوف الحقيقي في
وقال بصوت خافت
الشخص الوحيد... اللي يقدر يقولك الحقيقة كلها.
ثم استدار وغادر الممر بسرعة، تاركًا ليان واقفة مكانها، بينما سؤال جديد مزق كل ما بنته من يقين...
من الذي عاد بعد عامين من الاختفاء؟