صغيرتي مايا خالد
وغادر الجناح، ثم أُغلق الباب خلفه بهدوء...
لكن ذلك الصوت كان أقسى عليها من أي صراخ.
ظلت تنظر إلى الباب لثوانٍ طويلة، قبل أن تنهار جالسة على الأرض.
مسحت دموعها بعنف وهمست
أنا مش سلعة... ومش هكون ملك لحد.
مر اليوم عليها وكأنه عامٌ كامل.
لم تغادر الجناح.
جلست أمام النافذة الزجاجية الواسعة، تحدق في الحديقة الممتدة أسفل القصر، بينما راحت الذكريات تنتزعها رغماً عنها...
إلى ذلك اليوم...
اليوم الذي انتهت فيه حياتها القديمة.
كانت تنزل درجات السلم في منزلها بهدوء بعدما سمعت أصوات رجال في الأسفل.
توقفت قبل أن يراها أحد، واختبأت خلف العمود المطل على الصالة.
وهناك...
رأته لأول مرة.
كان قاسم يقف بكامل هيبته، يرتدي بذلة سوداء، بينما وقف والدها أمامه شاحب الوجه، وكأنه يحمل هموم الدنيا فوق كتفيه.
لم تسمع بداية الحديث...
لكنها رأت قاسم يفتح حقيبة سوداء ويضعها فوق الطاولة.
فتحها بهدوء...
فلمعت رزم الأموال داخلها.
تسمرت في مكانها.
مد والدها يده إلى الحقيبة، بينما قال قاسم بصوت بارد لا يحمل أي انفعال
الاتفاق انتهى... ومن اللحظة دي ليان مسؤوليتي.
أغلق الحقيبة، ودفعها باتجاه والدها.
نظر الأب إلى الأموال لثوانٍ، ثم أمسكها...
دون أن يتردد.
في تلك اللحظة...
شعرت ليان أن قلبها توقف عن النبض.
لم تصرخ...
ولم تبكِ...
اكتفت بالنظر إلى المشهد، وكأنها ترى والدها يبيعها بيديه.
تراجعت خطوة إلى الخلف وهي تضع يدها فوق فمها حتى لا يسمع أحد شهقتها.
ومنذ ذلك اليوم...
اختفى والدها.
وفي صباح اليوم التالي، أخبرها الجميع أنه سافر إلى الخارج.
رحل...
وأخذ معه المال...
وتركها وحدها تواجه المصير الذي رسمه لها.
عادت ليان من ذكرياتها على صوت شهقة خرجت منها دون إرادة.
انسابت دموعها على وجنتيها وهي تهمس بمرارة
حتى أنت يا بابا... بعتني... ومشيت.
ثم نظرت نحو الباب المغلق،
يمكن دفعت تمني... لكن عمرك ما هتقدر تخليني أكون ملكك... يا قاسم.
مساءً طرقت إحدى الخادمات الباب بخفة
دخلت وهي تحمل صينية الطعام
اتفضلي يا هانم... لازم تاكلي حاجة.
لم تلتفت إليها ليان، وبصوت مبحوح من البكاء قالت
خديها.
يا هانم... لو عرف الباشا إن حضرتك ماكلتيش...
التفتت إليها ليان بعينين حمراوين يملؤهما التحدي
قولي للباشا... إنه ياكله هو، مش عايزة.
ارتبكت الخادمة، ثم حملت الصينية وخرجت مسرعة بخطوات مرتبكة.
في الطابق السفلي...
كان قاسم يجلس في مكتبه الفخم، يراجع بعض الملفات المهمة على مكتبه الخشبي.
طرق محمود باب المكتب بخفة.
ادخل.
اقترب الرجل في حذر، وبصوت متردد قال
الباشا... الهانم رفضت الفطار... والغدا... ولسه الخادمة راجعة بصينية العشا كمان.
لم يرفع قاسم رأسه من الأوراق، وقال ببرود شديد لا يعكس ما يدور بداخله
سيبوها.
أخفض محمود رأسه بسرعة وغادر فورًا.
عاد الصمت الثقيل إلى المكتب.
ظل قاسم يقلب أوراقه لدقائق طويلة، لكنه وجد نفسه يقرأ السطر نفسه للمرة الخامسة دون وعي. أغلق الملف بعصبية لم يعتدها من نفسه. وقف ببطء واتجه نحو النافذة الواسعة، لتستقر عيناه مباشرة على شرفة الجناح الشرقي.
جناح ليان.
همس لنفسه بصوت منخفض وخشن
عنادك هيكسرك يا ليان... مش أنا.
في الوقت نفسه.. كانت ليان تمسح دموعها بعنف شديد، كأنها تحارب ضعفها، ثم وقفت فجأة على أقدام مرتعشة.
لا... أنا لو فضلت قاعدة هنا هموت بالحيا.
بدأت تنظر حولها بعينين متوترتين تبحث عن مخرج. باب الغرفة مقفول بإحكام من الخارج، لكن الأمل لمع في عينيها حين وقعت نظرتها على شيء آخر.
اتجهت إليها بسرعة، فتحت الباب الزجاجي وخرجت إلى الهواء الطل
وقفت على حافة السور وهي تنظر لأسفل
بارتفاع مرعب المسافة كانت كبيرة ومخيفة، لكن بجوار الشرفة مباشرة كانت توجد شجرة ضخمة،
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة، وقلبها يكاد ينفجر من الخوف
ممكن... ممكن أقدر أنزل منها
وضعت قدمها فوق سور الشرفة، ورفعت الأخرى، مغمضة عينيها من شدة الرعب. وفي اللحظة التي مدت فيها يدها وأمسكت بأحد الفروع القوية...
جاءها صوته من خلفها، هادئاً، مسترخياً، لكنه حمل بروداً جعل الدم يتجمد في عروقها ويوقف أنفاسها تماماً
كملي يا ليان... أنا مستني أشوف هتقعي وتتكسري قبل ما أوصلك... ولا هالحقك أنا الأول؟
كانت أصابع ليان متشبثة بالغصن بقوة، وجسدها كله يرتجف من الخوف والبرد.
تجمدت في مكانها فور أن سمعت صوته القريب خلفها، ليأتي صوته الهادئ كالصاعقة
كملي... أنا مستني أشوف هتقعي قبل ما أوصلك... ولا هتلحقي تنزلي لوحدك.
استدارت إليه في ومضة، وعيناها مشتعلتان بالغضب والرفض القاطع
مش هفضل سجينة عندك!
رد ببرود مخيف وهو يشير بيده نحو باب الشرفة الداخلي
أنا مش همنعك... انتي اللي اخترتي الشرفة. يبقى كملي عقاب اختيارك لحد ما تهدي.
ثم غلق الباب دون أن يمنحها فرصة أخرى للرد، ودخل إلى الغرفة الواسعة. وقفت هي مكانها تراقبه في حيرة وقهر. هل انتهى الأمر هكذا بكل سهولة؟
ولكن.. ما إن خطا داخل الغرفة حتى أمسك بمقبض الباب الزجاجي، وأغلقه بهدوء تام. ثم أدخل المفتاح في القفل.. وأداره.
صدر صوت الطقة المعدنية واضحاً وحاداً في سكون المكان، ليعلن عن إغلاق محكم.
اندفعت ليان نحو الباب كالطير المحبوس، وضعت كفيها المرتعفتين على الزجاج وصرخت بصوت يملؤه الوجع
قاسم! افتح الباب!
رفع عينيه إليها ببطء من خلف الزجاج الداكن، وكأن بينهما عالمين لا يلتقيان
أنت اللي اخترتي الشرفة يا ليان.
يعني هتسيبني هنا في البرد ده؟!
طالما لسانك لسه بيعاند وراسه جبارة.. يبقى اهدي شوية وفكري.
ضربت الزجاج بكفيها المرتعفتين بعنف
قاسم! أنا بتكلم
ظل ينظر إليها للحظات طويلة دون أن يرمش، ثم استدار بكل برود واتجه نحو الأريكة الوثيرَة وسط الغرفة جلس بكل هدوء، وفتح أحد الملفات أمامه، وبدأ يقرأ بتركيز، وكأنها غير موجودة بالمرة!
مرت الدقائق بطيئة وثقيلة كأنها دهور.
كانت نسمات الليل تميل للبرود ويتحول إلى لسعات لا ترحم. ليان كانت تضرب على الزجاج مرة، وتصرخ باسمه مرة، ثم تسكت لتعود إلى البكاء بصمت.
وبعد ساعة كاملة من المحاولات اليائسة.. خارت قواها.
جلست على أرضية الشرفة الباردة، ودمعتين حارقتين سالتا على وجنتيها، وضمت ركبتيها إلى صدرها لتحمي نفسها من الهواء. كانت ترتجف بشدة.. ليس فقط من برودة الطقس، بل من قهر العجز المطلق الذي يلتف حول عنقها.
بينما كان هو، جالسًا في دفء الغرفة، يسمع كل شهقة بكاء وكل صوت يخرج منها.. ولا يتحرك ساكناً.
كان ينتظر شيئاً واحداً فقط.. أن ينكسر هذا العناد الصلب بنفسه دون تدخل منه.
مر أكثر من ساعة أخرى في صمت مطبق.
توقف صوت طرقها على الزجاج، وانقطع صراخها وبكاؤها تماماً.
رفع قاسم رأسه عن الملف الذي أمامه، ورمى الأوراق جانباً. وقف بخطوات هادئة ومدروسة، واتجه مباشرة نحو باب الشرفة.
أدار المفتاح ببطء شديد حتى فتح الباب، وخرج إليها بهواء الليل البارد.
كانت جالسة على الأرض المنكمشة، تضم ركبلتيها إلى صدرها، وقد غلبها النوم تماماً من شدة الإرهاق والبكاء. آثار الدموع كانت لا تزال مرسومة بوضوح على وجنتيها المحمرتين، وخصلات شعرها المبعثرة تتحرك برقة مع نسمات الليل.
وقف يتأملها طويلًا في صمت، ونظرة في عينيه تجمع بين اللوم العميق وشيء أشبه بالحنان الخفي.
تنهد بصمت ثقيل.
انحنى ببطء شديد، وحملها بين ذراعيه بحذر مبالغ فيه، كأنه يخشى أن تنكسر زجاجته الرقيقة بين يديه.
لم تستيقظ من نومها العميق بسبب الإرهاق. بل تمتمت بكلمات غير مفهومة بصوت ناعس
توقفت خطواته للحظة