ألمه إلى رحمة. وقصة طفل وُلد وحيدًا، ثم كبر ليصبح طبيبًا ينقذ أطفالًا يشبهونه. وهكذا بقي اسم وائل حيًا، ليس لأنه كان مشهورًا، ولا لأنه كان غنيًا بل لأنه أثبت أن لمسة حنان واحدة قد تغيّر حياة إنسان إلى الأبد. بعد سنوات، أصبح للدكتور محمد عادة لا يعرفها أحد. كل ليلة خميس، وبعد انتهاء مناوبته، كان يمر على حضانة الأطفال المبتسرين وحده. لا ليفحص الأجهزة ولا ليكتب تقارير. بل ليجلس بجوار أي طفل لا يجد أحدًا يزوره. وفي إحدى الليالي الممطرة، دخلت سيارة إسعاف مسرعة. كانت تحمل رضيعة وُلدت قبل موعدها بشهرين. اسمها ريم. الأم توفيت أثناء الولادة. والأب اختفى قبل وصول الإسعاف. وضعت الطفلة في الحضانة، وبدأت تبكي بنفس الطريقة التي كان يبكي بها محمد قبل أكثر من ثلاثين عامًا. وقفت إحدى الممرضات الشابات وقالت دكتور محمد البنت دي ملهاش حد. تجمد مكانه. نفس الجملة التي قيلت يوم كان هو ذلك الطفل. اقترب من الحضانة، وحمل ريم برفق، ثم جلس على الكرسي الخشبي القديم. نفس الكرسي الذي جلس عليه وائل مئات المرات. أغمض عينيه، وهمس دون أن يشعر اهدَي يا بطلة أنا جنبك. فتحت الممرضة عينيها بدهشة. وقالت وهي تبتسم دي نفس الجملة اللي كان بيقولها عم وائل. ابتسم محمد، وشعر لأول مرة أن صوته يشبه صوت الرجل الذي أنقذ حياته. هدأت ريم. وانتظمت أنفاسها. وفي تلك اللحظة، رفع محمد عينيه إلى صورة وائل المعلقة على الحائط. وقال في نفسه اطمن الوعد لسه مستمر. ومنذ تلك الليلة، صار الكرسي القديم يُعرف داخل المستشفى باسم كرسي وائل. وكان أي متطوع جديد يجلس عليه يعرف أن مهمته ليست مجرد حمل طفل بل أن يمنحه شعورًا بالأمان، ولو لساعات قليلة. وهكذا، لم تصبح قصة وائل مجرد ذكرى بل تحولت
إلى رسالة تنتقل من قلبٍ إلى قلب، ومن جيلٍ إلى جيل، لتثبت أن الرحمة لا تموت أبدًا. النهاية. بعد مرور عشرين عامًا أخرى تحولت مبادرة آدم إلى مؤسسة خيرية لها فروع في محافظات كثيرة. وأصبح اسمها معروفًا بين المستشفيات، حتى إن أي طفل يدخل حضانة من غير زائر، يُسجل تلقائيًا في برنامج المتطوعين. وفي يوم افتتاح أول فرع جديد، دُعي الدكتور محمد لإلقاء كلمة. وقف على المنصة، ثم قال الناس دايمًا بيسألوني مين مؤسس المبادرة؟ وأنا كل مرة أقول لهم مؤسسها طفل عمره سبعة أيام ورجل كان شايل وجع عمره كله. بعد انتهاء الكلمة، اقترب منه شاب في العشرينات. كان يرتدي معطف طبيب امتياز. قال بتردد حضرتك ما تعرفنيش لكن أنا أعرفك. استغرب محمد. أخرج الشاب صورة قديمة من محفظته. كانت صورته وهو رضيع داخل حضانة الأطفال. وخلفها توقيع بخط وائل هتطلع راجل قوي متستسلمش. ابتسم الشاب وقال أنا الطفل رقم 47 في صندوق عم وائل. ثم أضاف وهو يمسح دموعه لولا إنه كان بيجي يقعد معايا، يمكن أمي كانت انهارت وسابتني لكنه كان يديها أمل كل يوم. في تلك اللحظة، بدأ أشخاص آخرون يقتربون. مهندسة. ومعلم. وضابط. وممرضة. وشاب يعمل مسعفًا. كل واحد منهم كان يحمل صورة قديمة أو خطابًا كتبه وائل، أو ذكرى من أيام الحضانة. وفجأة امتلأت القاعة بعشرات الأشخاص. ثم بمئات. وكلهم كانت تربطهم حكاية واحدة رجل ضخم، مليء بالوشوم، كان العالم يحكم عليه من شكله. لكن الأطفال لم يروا الوشوم أبدًا. كل ما شعروا به، كان قلبًا دافئًا يحتضنهم عندما لم يكن لديهم أحد. نظر محمد إلى صورة وائل الكبيرة المعلقة خلف المسرح، ثم قال بصوت اختلط بالتصفيق في ناس بتموت وتنتهي قصتها. وفي ناس بتموت وتبدأ قصتها بعد الرحيل. وعم وائل
كان من النوع التاني. وانتهى الحفل، لكن الحكاية لم تنتهِ. لأن كل طفل كان يخرج من الحضانة سالمًا، كان يحمل معه، دون أن يدري، جزءًا صغيرًا من إرث رجل آمن أن الرحمة قد تكون أعظم أثر يتركه الإنسان بعد رحيله. بعد الحفل بأيام، تلقى الدكتور محمد اتصالًا من إدارة المستشفى القديم. قال له المدير محتاجينك تيجي في حاجة لازم تشوفها بنفسك. لما وصل، أخدوه إلى مخزن قديم كان مقفول من سنين. أثناء أعمال التجديد، العمال لقوا صندوقًا معدنيًا صغيرًا باسم وائل حمدي. كان الصندوق مقفول بقفل صدئ، ومعاه ورقة مكتوب عليها يُفتح بعد رحيلي. فتح محمد الصندوق وهو يشعر أن قلبه بيدق بسرعة. كان بداخله ساعة يد قديمة، وصورة لأخ وائل آدم، ودفتر مذكرات صغير. فتح أول صفحة. وكان أول سطر مكتوب فيها لو حد لقى الدفتر ده يبقى ربنا استجاب لدعائي. بدأ يقلب الصفحات. كان وائل يكتب بعد كل زيارة للحضانة. ليس عن نفسه بل عن الأطفال. الطفل رقم 12 ابتسم النهارده لأول مرة. الطفلة مريم خرجت مع أمها بعد 43 يومًا. الطفل كريم مسك صباعي بإيده الصغيرة وافتكرت آدم. ثم وصل إلى آخر صفحة. وكانت مختلفة عن كل الصفحات. مكتوب فيها أنا مش خايف أموت. أنا خايف بس ييجي يوم ميبقاش فيه حد يقعد جنب الأطفال اللي مالهمش حد. توقف محمد عن القراءة. ثم ابتسم وهو ينظر من نافذة المكتب. في الخارج كان يرى عشرات المتطوعين الجدد يدخلون الحضانة، يحمل كل واحد منهم بطاقة كتب عليها أنا جنبك. الجملة نفسها التي بدأ بها وائل قصته قبل عشرات السنين. أغلق محمد الدفتر برفق، وهمس لا تقلق يا عم وائل النهارده بقى فيه ألف حد يقولها بعدك. وفي تلك اللحظة، شعر أن إرث وائل لم يعد ملكًا لشخص واحد بل أصبح رسالة يعيش بها كل من يختار
أن يكون رحيمًا مع إنسان لا يعرفه. وهكذا بقيت الحكاية تُروى، ليس لأنها عن رجلٍ مليء بالوشوم بل لأنها عن قلبٍ امتلأ بالرحمة حتى آخر نبضة. بعد عام واحد كانت المستشفى تحتفل بمرور خمسين عامًا على افتتاح حضّانة الأطفال المبتسرين. وأثناء تجهيز معرض الصور، دخلت سيدة مسنة تستند إلى عصا، وبيدها ظرف أصفر قديم. وقفت أمام صورة وائل طويلًا، ثم بدأت تبكي. اقترب منها الدكتور محمد وسألها برفق حضرتك تعرفيه؟ هزّت رأسها وقالت أعرفه ويمكن أكون أكتر واحدة ظلمته. ساد الصمت. ثم قالت أنا والدته. تجمّد محمد في مكانه. كانت أول مرة يسمع فيها عن أم وائل. جلست السيدة على المقعد، وأخرجت صورة قديمة لطفلين. واحد منهم كان وائل وهو في الثانية عشرة، والثاني طفل رضيع يبتسم آدم. قالت وهي تمسح دموعها بعد وفاة آدم وائل اتغيّر تمامًا. بطل يضحك، وبطل يلعب، وكل يوم كان يلوم نفسه ويقول لو كنت دخلتله بدري، كان عاش. تنهدت بحزن. فضلت سنين أحاول أقنعه إنه ملوش ذنب لكنه عمره ما صدق. ثم أخرجت رسالة مطوية بعناية. كتبها قبل ما يموت بشهر، وقال لي متفتحيهاش إلا لما تحسي إن رسالتي وصلت. ناولتها لمحمد. فتحها ببطء. وكان مكتوب فيها يا أمي لو في يوم سامحتِ
نفسك على اللي حصل لآدم، سامحيني أنا كمان. أنا عارف إنك كنتي مكسورة زينا كلنا. أنا خلاص مبقتش شايل وجع. لأن ربنا رزقني بمئات الإخوات الصغيرين. كل طفل خرج من الحضانة وهو سليم كان كأنه آدم بيرجع يبتسم لي من جديد. لم تستطع الأم أن تكمل القراءة. أجهشت بالبكاء. اقترب منها محمد، وأمسك يدها، وقال حضرتك خسرتِ ابنين لكن صدقيني ابنك الكبير أنقذ آلاف الأطفال. رفعت رأسها إلى صورة وائل المعلقة على الحائط. ولأول مرة منذ أكثر من أربعين سنة