قدام حضانة محمد وهي بتعيط. أنا أنا أمه. كانت سارة. رجعت بعد ما اختفت أكتر من أسبوعين. حكت وهي منهارة إنها كانت بلا مأوى بعد الولادة، ومكنش معاها حتى تمن المواصلات، وكانت بتلف على الجمعيات الخيرية لحد ما لقت مكان تأوي فيه. كانت فاكرة إن ابنها ممكن يكون مات. لما عرفت إنه لسه عايش، جريت على المستشفى. حضنت ابنها وهي بتبكي بحرقة. وبعدين لفت نظرها الراجل الضخم اللي واقف بعيد في هدوء. سألتني مين ده؟ قلت بابتسامة الراجل اللي رفض يسيب ابنك يوم واحد وهو لوحده. اقتربت سارة من وائل، ومدت إيدها وهي بتقول بصوت مرتعش أنا معرفش أشكرك إزاي. لكن وائل هز راسه وقال اشكريني لما تاخديه بيتكم ويكبر وهو عارف إن أمه عمرها ما استسلمت. الكلمات دي خلت سارة تنهار في البكاء. ومن اليوم ده، بقت تيجي كل يوم، ووائل كان يقف بعيد، يسيبلها المكان، وكأنه أدى الرسالة اللي جه عشانها. لكن قبل خروج محمد من المستشفى بيوم طلب وائل يقابل سارة على انفراد. وأخرج من جيبه ظرفًا قديمًا، وقال الظرف ده احتفظت بيه أكتر من ثلاثين سنة وحان وقت يروح لحد يستحقه. ولما فتحت سارة الظرف شهقت من الصدمة، لأن اللي كان جواه هيغير مستقبلها ومستقبل ابنها بالكامل سارة فتحت الظرف بإيدين مرتعشتين. كان جواه دفتر توفير قديم، ومعاه مجموعة أوراق رسمية. بصت لوائل باستغراب وقالت أنا مش فاهمة ابتسم ابتسامة هادئة وقال بعد ما أخويا مات، بدأت أشتغل وأنا عندي 14 سنة. كل سنة كنت أوفر جزء من فلوسي، وأقول لنفسي لو قابلت يومًا طفل بدأ حياته لوحده الفلوس دي هتكون ليه. فتحت الدفتر. وكان فيه
مبلغ كبير يكفي إنه يضمن لمحمد بداية حياة كريمة، مع خطاب مكتوب بخط إيد وائل. قرأته بصوت متقطع من البكاء إلى محمد يمكن لما تكبر متفتكرنيش، ويمكن متعرفنيش أصلًا. لكن أوعى في يوم تفتكر إنك كنت لوحدك. من أول يوم في حياتك، كان فيه حد مؤمن إنك تستحق فرصة. ماكانش في حضانة الأطفال حد قادر يمسك دموعه. حتى الدكتور اللي عمره ما كان بيظهر مشاعره، مسح عينه في هدوء. سارة حاولت ترجع الظرف. وقالت أنا مقدرش آخد كل ده. لكن وائل قفل إيدها على الظرف وقال لو رفضتيه هتبقي حرمتي أخويا من الحاجة الوحيدة اللي كنت بتمنى أعملها عشانه. بعد أيام قليلة خرج محمد من المستشفى بين إيدين أمه. وقبل ما يركبوا العربية، سارة قربت من وائل وقالت أوعدك ابني هيكبر وهو عارف إن في راجل غريب كان أول إنسان حسسه بالأمان. ابتسم وائل وربت على رأس الطفل برفق. وقال آخر جملة قوليله إن الرجولة مش في القوة، الرجولة إنك تكون سند لحد مالوش سند. ومشى. من غير ما يبص وراه. وبعد سنوات في احتفال تخرج محمد من كلية الطب، وقف الشاب قدام الحضور، وأشار إلى رجل مسن يجلس في الصف الأول بدقنه البيضاء ووشومه القديمة. وقال بصوت تأثره واضح الناس كلها فاكرة إن أمي هي اللي أنقذت حياتي وده حقيقي. لكن الراجل ده علمني، حتى قبل ما أعرف أتكلم، إن الرحمة ممكن تغيّر عمر إنسان بالكامل. وقف الجميع يصفقون طويلًا. أما وائل فاكتفى بابتسامة هادئة، وهو ينظر إلى السماء ويتمتم اطمن يا آدم المرة دي ما اتأخرتش. بعد نهاية الحفل، كان الناس كلها بتتصور مع الدكتور محمد. صحفي شاب قرب منه وسأله دكتور محمد
مين أكتر شخص كان سبب في نجاحك؟ ابتسم محمد، وبص ناحية وائل، اللي كان واقف بعيد كالعادة، يحاول يخرج من غير ما حد يلاحظه. وقال استنوا دقيقة. نزل من على المسرح وسط تصفيق الحضور، ومشى لحد وائل. وفجأة حضنه قدام الجميع. وقال بصوت سمعته القاعة كلها أنا عمري ما عرفت يعني إيه حضن الأب لكن الراجل ده علّمني إن الأبوة مش بالدم الأبوة بالمواقف. انهمرت دموع وائل لأول مرة من غير ما يحاول يخبيها. في الأسبوع اللي بعده، محمد أخد أول مرتب ليه من شغله في المستشفى. وأول حاجة عملها راح لنفس حضانة الأطفال المبتسرين اللي بدأ فيها حياته. دخل القسم ومعاه صندوق كبير. الممرضات استقبلوه بفرحة، لأنه بقى واحد منهم. فتح الصندوق. كان مليان بطاطين صغيرة، ورضاعات، وحفاضات، وأجهزة مراقبة جديدة، ومتعلق عليه لافتة مكتوب فيها تبرع باسم آدم حمدي الطفل الذي لم يحصل على فرصة، لكنه منحها لغيره. وقتها فهمت إن قصة آدم ما انتهتش يوم رحل لأن أثره فضل عايش في كل طفل نجا بعده. ومن يومها، المستشفى أطلقت على برنامج المتطوعين اسم مبادرة آدم. وأصبح أي طفل يدخل الحضانة من غير زائر، يلاقي متطوعًا يجلس بجواره، يغني له، أو يقرأ له، أو يكتفي بأن يمسك يده الصغيرة حتى لا يشعر أنه وحده. أما وائل فكان يجلس كل يوم على نفس الكرسي. لكن هذه المرة، لم يكن يحمل طفلًا واحدًا بل كان يحمل الأمل لعشرات الأطفال، حتى رحل عن الدنيا بعد سنوات، تاركًا وراءه اسمًا لا يُنسى. وعندما علّقت المستشفى صورته عند مدخل حضانة الأطفال، كُتب تحتها ليس كل الأبطال يرتدون معاطف الأطباء بعضهم يأتي
بوشومٍ على ذراعيه، وقلبٍ يتسع للعالم كله. تمت. بعد عدة أشهر من وفاة وائل، كانت الحياة ماشية بشكل طبيعي في المستشفى. لكن في صباح هادئ، وصلت رسالة مختومة باسم محامٍ. كانت مكتوب عليها تُفتح فقط بحضور الدكتور محمد ناصر. استغرب محمد، وفتح الظرف. كان بداخله خطاب بخط يد وائل، مؤرخ قبل وفاته بأيام. بدأ يقرأ يا محمد لو أنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا خلاص مش موجود. متزعلش. أنا عشت العمر اللي كنت أتمنى أعيشه. فيه حاجة واحدة بس نفسي تكملها. أوعى تخلي أي طفل في الحضانة يحس إنه منسي. ولو قابلت يومًا طفلًا مالوش حد اقعد جنبه. يمكن حضنك ينقذ حياته أكتر من أي دواء. لكن كان فيه ظرف صغير تاني. فتحه ولقى مفتاحًا قديمًا، ومعاه عنوان منزل بسيط. راح محمد هناك. البيت كان متواضعًا جدًا، كأنه متوقف عند الزمن. وفي إحدى الغرف، وجد صندوقًا خشبيًا. فتح الصندوق، فوجد مئات الصور. كل صورة كانت لطفل رضيع حمله وائل في حضانة الأطفال على مدار السنين. وخلف كل صورة تاريخ، واسم الطفل، وجملة قصيرة. ابتسم لأول مرة. خرج من المستشفى سليمًا. أمه رجعت بعد أسبوع. بقى يزن ثلاثة كيلو. محمد ظل يقلب الصور لساعات. وفي آخر الصندوق، وجد صورة له هو. صورة التقطتها إحدى الممرضات يوم كان رضيعًا على صدر وائل. وخلفها عبارة واحدة ده الطفل اللي رجعلي الإيمان إن ربنا بيعوض. جلس محمد يبكي طويلًا. ثم أخذ الصورة، وعاد بها إلى المستشفى. وفي اليوم التالي، علّقها بجوار صورة وائل عند مدخل الحضانة. ومنذ ذلك اليوم، صار كل متطوع جديد يقرأ القصتين معًا قصة رجل فقد أخاه، فحوّل