الطبيب نظر إلى صورة الأشعة... ثم التفت إلى الزوج وقال: الحقيقة أخطر مما تتخيل!

لمحة نيوز

بصوت أخف
لازم أسألج بعض الأسئلة الروتينية، لكن قبل كل شيء لازم أعرف فورًا بناتج الآن وحدهن بالبيت؟
ذلك السؤال وحده جعل قلبي يقفز من الخوف.
بناتي.
كنت قد تركتهن في الصباح عند الحاجة أم جاسم، المرأة الكبيرة التي تسكن في البيت المقابل، قبل أن يسحبني حيدر إلى الساحة ويتحول كل شيء بعدها إلى صراخ وطنين وظلام.
هل بقيتا عندها؟
هل عاد حيدر وأخذهما؟
هل جاءت أمه وأخذتهما معها؟
قلت بصوت مكسور
ما أعرف... والله ما أعرف وينهن هسه.
نظرت زينب إلى الممرضة، فخرجت الأخيرة فورًا إلى الممر وهي تمسك هاتفها وتبدأ الاتصال.
قالت زينب وهي تحاول طمأنتي
راح نعرف مكانهن الآن. لكن أحتاج منج تحجين الحقيقة كلها يا سارة. الحقيقة كاملة، حتى يكون عندي سند قانوني أحمي بيه البنات أيضًا.
الحقيقة كاملة.
يا لها من فكرة مرعبة بعد سنوات تعلمت فيها ألّا أقول شيئًا.
بدأت ببطء.
لم أبدأ من أول مرة أساء فيها إليّ.
ولا من يوم ولادة ابنتيّ حين رفضت حماتي أن تحملهما.
ولا من صباحات الساحة الطويلة.
بدأت بجملة صغيرة واحدة
الموضوع مو بس اليوم.
وبعدها انفتح كل شيء.
حكيت لها عن الاعتداءات المتكررة.
وعن الإهانات.
وعن المرات الكثيرة التي كنت ألف فيها وشاحًا سميكًا حول رقبتي حتى أخفي الآثار.
وعن والدته التي كانت تجلس في الغرفة المجاورة وتسمعني، ثم تكتفي بالدعاء.
وعن الليالي التي كانت ابنتاي تختبئان
فيها داخل الخزانة وتغلقان أذنيهما بأيديهما الصغيرتين.
وعن الصباحات التي كنت أقف فيها في المطبخ وأجهز فطوره بعين متورمة.
لم تقاطعني زينب مرة واحدة.
كانت تكتب بهدوء وثبات.
وبين وقت وآخر، تسألني بلطف عن تاريخ محدد، أو عدد المرات، أو اسم شخص.
كان الطبيب واقفًا قريبًا منا، يهز رأسه بملامح قاتمة، وكأن الكسور القديمة الظاهرة أمامه على الجهاز تؤكد كل كلمة أقولها.
وحين انتهيت من الكلام، شعرت أنني فارغة تمامًا.
لم أشعر أنني شُفيت فجأة.
ولم أشعر أنني أصبحت حرة بالكامل.
شعرت فقط بأن كل شيء داخلي أُفرغ.
مثل بيت مهجور أخرجوا منه الأثاث المكسور، وبقيت جدرانه واقفة وحدها.
بعد نحو ساعة، دخلت فنية الأشعة الصوتية حتى تفحص الجنين.
رفضت النظر إلى الشاشة.
كنت خائفة من أن أتعلق بحياة صغيرة قد تكون مهددة داخل جسدي المتعب.
لكن الفنية سألتني بصوت ناعم
تحبين تسمعين نبضه؟
أومأت إيماءة خفيفة.
وفجأة، امتلأت الغرفة بصوت سريع، ثابت، وعنيد.
دق دق.
دق دق.
دق دق.
أغمضت عيني بقوة، وسالت الدموع الساخنة على خدي.
لم أكن أعرف إن كنت أريد هذا الحمل فعلًا، أم أنني فقط خائفة من كل ما يحدث.
لم أكن أعرف هل يستطيع جسدي أن يتحمل.
ولم أكن أعرف إن كان الجنين ولدًا أم بنتًا.
وللمرة الأولى في حياتي، أدركت أنني لا أهتم.
مجرد سماع ذلك الصوت في داخلي...
حيًا.
متمسكًا.
مقاومًا.
حطم ما بقي مني،
ثم جمع أجزائي في اللحظة نفسها.
ابتسمت الفنية بتعاطف وقالت
هي بعدها متمسكة وقوية، لكن لازم نتابعها بدقة كبيرة.
هي.
لم تكن تقصد أنها بنت.
كانت مجرد كلمة عابرة.
لكنها جعلت عقلي يذهب فورًا إلى ابنتيّ.
تذكرت ضفائرهما غير المرتبة.
وأقدامهما الصغيرة وهي تركض في ممر البيت.
وتذكرت الطريقة المؤلمة التي كانتا تتوقفان بها فجأة مثل تمثالين حين تسمعان خطوات حيدر الثقيلة عند باب المنزل.
فكرت في كل ما رأته أعينهما.
وفي كل ما كنت أسميه صبرًا وتحملًا، بينما كان في الحقيقة خوفًا يشلني.
بعد خروج الفنية بقليل، عادت الممرضة.
كانت تحمل كيسًا بلاستيكيًا شفافًا، بداخله سترة وردية صغيرة، وفرشاة شعر، ورسمة مجعدة بالألوان الخشبية لبيت صغير تحيط به ثلاث زهور غير متناسقة.
قالت الممرضة بابتسامة دافئة
الحاجة أم جاسم عندها البنات، وهن بأمان. خائفات شوي، لكن بخير.
ارتخى جسدي كله فوق الفراش من شدة الراحة.
أضافت الممرضة وهي تسحب الرسمة من الكيس
بنتج الكبيرة طلبت مني أعطيج هاي. قالت حتى ماما ما تبچي.
كانت يداي ترتجفان لدرجة أنني لم أستطع الإمساك بالورقة جيدًا.
طفلتي التي لم تتجاوز السادسة كانت تعرف كيف تواسي أمًا تعيش تحت العنف.
ذلك الإدراك اخترق قلبي بصورة أعمق من أي فحص طبي.
في وقت لاحق من ذلك اليوم، عادت زينب وهي تحمل مجموعة كبيرة من الأوراق.
شرحت لي إجراءات طلب أمر حماية
عاجل.
وأكدت لي أنني لست مضطرة للعودة إلى ذلك البيت.
وشرحت لي أماكن الإيواء المخصصة للنساء والأطفال.
وقالت إن فريقها سيساعدني على تقديم إفادة كاملة لدى مركز الشرطة.
وأكدت أن وجود اسم حيدر في شهادات ميلاد البنات لا يعني أنهن سيُسلمن إليه تلقائيًا.
كانت كل جملة تقولها تهدم كذبة أخرى عشت سنوات وأنا أصدقها.
ثم نظرت إليّ مباشرة وقالت بجدية
لكن لازم أسألج أهم سؤال يا سارة. هل تريدين تقديم شكوى جنائية رسمية ضده؟
نظرت إلى الرسمة.
ثلاث زهور.
واحدة كبيرة واثنتان صغيرتان.
تخيلت ابنتيّ.
وتذكرت الساحة.
وتذكرت حماتي وهي تمسك مسبحتها وتتمتم بالأدعية.
وسمعت همسة حيدر في أذني
إذا تفتحين حَلگج، آخذ البنات منج.
وتذكرت صوت نبض الجنين السريع والعنيد.
وللمرة الأولى، لم يعد خوفي كبيرًا بما يكفي ليغطي غضبي كله.
قلت بثبات
إي نعم. أريد أقدم شكوى.
أومأت زينب ببطء، وكأنها كانت تنتظر هذا الجواب منذ لحظة دخولها الغرفة.
حين حل الليل على المستشفى، نقلوني إلى جناح آمن.
دخلت ممرضة مختصة بتوثيق الإصابات، وصورت كل أثر ظاهر بدقة.
وقّعت عدة إفادات قانونية بيد لم تتوقف عن الارتجاف.
جلس شرطي بزيه الرسمي قرب السرير، يسألني أسئلة مترددة، ثم ينظر إلى دفتره، وكأنه لا يعرف كيف ينظر في عيني امرأة هادئة وهي تصف سنوات كاملة من العذاب.
ومع ذلك، أكملت.
في كل مرة كان صوتي يضعف، كنت أتذكر
ابنتيّ وهما في الغرفة المجاورة تستمعان إلى ما يحدث.
لم أعد أستطيع تسمية ذلك المكان عائلة.
بعد منتصف
تم نسخ الرابط