بنت اخويا
أريد أي مشاكل، لكنها يجب أن تبتعد عن حياتي وحياة سلمى تماماً.
بكت طويلاً، توسلت، لكنني كنت صلباً، لم أتردد، لأنني كنت أعلم أن الرحمة هنا ليست في العفو عن الظلم، بل في إنصاف المظلوم، وفي حماية الأمانة التي أوكلها الله لي. وبعد ساعات، غادرت البيت، ولم تنظر للوراء مرة أخرى، وعندما أغلقت الباب وراءها، شعرت بثقل كبير يزول من صدري، وكأنني كنت أتنفس تحت الماء لفترة طويلة، وعدت أخيراً إلى الهواء الطلق.
ذهبت في الصباح التالي إلى المستشفى، وأخبرت سلمى بكل ما حدث، وقلت لها إنها سوف تعيش معي وحدنا، وسوف نبدأ حياة جديدة، وإنها لن ترى عمتي مرة أخرى إلا إذا أرادت هي ذلك، وإن القرار يعود لها تماماً. لم تبتسم، ولم تحزن، فقط قالت لي بصوت هادئ
شكراً يا عمو كنت دائماً عارفة إنك مش زيها، وإنك طيب القلب، وكنت منتظر اللحظة التي تعرف فيها الحقيقة، أنا مش عايزة أشوفها تاني، مش عايزة أتذكر اللي حصل، عايزة نبدأ من جديد، وننسى كل شيء.
بعد أسبوع، خرجت سلمى من المستشفى، وعادت معي إلى البيت، وبدأت رحلة التعافي، لم يكن التعافي سهلاً، فقد تركت المعاملة السيئة آثاراً عميقة في نفسها، وكانت تظل خائڤة من أي صوت عالٍ، وتتردد في طلب أي شيء، حتى لو كان كوب ماء، وكنت أجتهد في أن أجعلها تشعر بالأمان، أشتري لها كل ما تحبه، أجلس معها لساعات نتكلم، أروي لها قصص أبيها وأمها، أخذها في نزهات كل جمعة، سجلتها
مرت الأشهر، وبدأت ملامح سلمى تتغير، بدأت تضحك، تبدأ تتكلم بجرأة، تبدأ تطلب ما تريد، وتخبرني بما تشعر به، وكنت أسعد إنسان في الدنيا كلما رأيت ابتسامتها، وكلما شعرت أنها بدأت تعود طبيعية، وبدأت تثق في نفسها وفي الحياة مرة أخرى.
وفي هذه الأثناء، كانت القضية تسير في مسارها، وقد اعترفت زوجتي بكل ما فعلته، وردت كل المبالغ التي سرقتها، ودفعت تعويضاً لسلمى، وقررت المحكمة إغلاق القضية بعد أن تنازلت سلمى عن العقاپ، بناءً على رغبتها، لأنها قالت لي العقاپ مش هيرجع لي اللي فات، وأنا مش عايزة أكون سبب سجن أحد، يكفي ما حصل، وخلينا نبدأ صفحة جديدة.
احترمت قرارها، لأنني تعلمت منها الكثير، تعلمت أن المغفرة ليست ضعفاً، وأن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على تجاوز الألم، والبدء من جديد دون حمل أي كراهية أو حقد.
الجزء الثالث الحياة الجديدة والوفاء بالعهد
مرت السنتان، وتغيرت أشياء كثيرة، أصبحت سلمى في السادسة عشرة من عمرها، فتاة جميلة، ذكية، متفوقة في دراستها، محبوبة من أصدقائها ومعلميها، وأصبحت بالنسبة لي حقاً ابنتي، لم أعد أشعر بفرق بينها وبين ما لو كان لدي ابنة من صلبي، كنت أتحدث عنها في كل مكان ابنتي سلمى، وكنت فخوراً بها جداً.
قمت بتسجيلها رسمياً كابنة لي، وحصلت على كل الأوراق الرسمية
في يوم من الأيام، وبينما كنا جالسين في الحديقة أمام البيت، سألتني فجأة
يا عمو هل ټندم على أي شيء حدث؟ هل ټندم لأنك تركتها،
أو لأنك عرفت الحقيقة؟
فكرت للحظة، ثم أجبتها بصدق
أنا أندم لأنني كنت أعمى، وأندم لأنني سمحت لكِ تعاني كل ده لوحدك، لكنني لست نادماً أبداً لأنني عرفت الحقيقة، ولست نادماً على أي قرار اتخذته، لأن القرار الصحيح دائماً يكون صعباً، لكنه يبقى الصحيح، وكل ما حدث جعلنا أقرب لبعض، وجعلنا نقدر قيمة بعضنا البعض، وجعلنا نعرف أن الحقيقة مهما كانت مؤلمة، فهي أفضل بكثير من الخداع، وأن الظلم مهما طال، فإن الله يمهل ولا يهمل، وإن الحق سوف يعود لأصحابه يوماً ما.
ابتسمت، وقالت
وأنا مش نادمة أبداً، لأنني عرفت أنك نعم العم ونعم الأب، وأن الله لم يتركني وحيدة، وأنه أرسلك لي لتكون لي عوناً وسنداً، وكل ما حدث كان سبباً في أن أكون الآن معك، وأن أكون سعيدة.
في تلك اللحظة، شعرت بسعادة غامرة، وشكرت الله في سري، لأنه أنقذني من الغي، وهداني إلى الصواب، ولأنه أعطاني هذه الابنة الرائعة، التي أصبحت أغلى ما أملك في الدنيا.
بعد سنوات، تخرجت سلمى من الجامعة بتفوق،
في نهاية الحفل، أتت إليّ، وأمسكت بيدي، وقالت بصوت عالٍ ليسمع الجميع
هذا والدي، هذا الذي أنقذني، وهذا الذي كان لي كل شيء، فبدونه لم أكن لأكون هنا اليوم، ولم أكن لأحقق أي شيء، فشكراً لك يا أبي، شكراً لأنك كنت بجانبي دائماً.
دمعت عيناي، وضممتها إليّ، وعرفت حينها أن كل ما مررت به، كل الألم، كل الصعاب، كانت تستحق، لأن النهاية كانت سعيدة، ولأن الحق انتصر، ولأن الأمانة ردت لأهلها، ولأن الله أكرمني بجزاء صبري وحفظي لأمانة أخي.
وبقيت حتى آخر عمري، أتذكر كلام أخي في التسجيل، وأتذكر الحكمة التي قالها الأمانة ليست كالمال، إنها أثقل وأغلى بكثير، وكنت أقول لنفسي دائماً لقد حملت الأمانة، وكنت أهلاً لها، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
انتهت القصة، لكن أثرها بقي، وستبقى درساً لكل من يقرأها، درساً في أن الثقة يجب أن تكون مع الحذر، وأن الظلم لا يدوم، وأن الأمانة هي أثقل ما يمكن أن يحمله الإنسان، وأن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا يضيع حق المظلوم مهما طال الزمن، ومهما حاول الظالم إخفاء الحقيقة، فإن الله يكشفها في الوقت الذي يريده،