صفعت أمي ابني أمام الجميع... لكنهم صُدموا عندما اكتشفوا لمن يعود هذا البيت!
لم أكن بحاجة إلى أن أفتح الباب بنفسي.
وقفت أمي ويدها مستندة إلى ظهر الكرسي، شاحبة مثل الجدار الذي ما زالت صورتي مع علي يوم زفافنا معلقة عليه. شدت هناء ابنها كرار إلى جانب تنورتها، لكنها هذه المرة لم تكن تبدو كأم تحمي ابنها. كانت تبدو كشخص يحاول إخفاء دليل.
سألت وأنا أنظر إلى الموثق القانوني
شنو الشي اللي يخص مصطفى قانونيًا؟
فتح الموثق الظرف بهدوء جعل قلبي يشتعل من التوتر.
قال
البيت، أستاذة زينب.
لم يتنفس أحد.
نظرت إلى أرضية البيت القديمة، إلى الخزانة الزجاجية المليئة بالتحف والصور، إلى الطاولة التي جلست عليها سنوات طويلة وأنا أحصل دائمًا على أصغر نصيب. نظرت إلى الجدران الرطبة التي كانت أمي تجبرني على تنظيفها كل يوم جمعة، وهي تقول لي إن عليّ أن أستحق اللقمة والمكان الذي أنام فيه.
قلت بصوت مبحوح
ما فهمت.
شرح الموثق
زوجك الراحل علي سدّد ما تبقّى من أقساط هذا البيت قبل وفاته بستة أشهر. والسيدة أمينة الجبوري وقّعت تنازلًا مشروطًا أمام جهة رسمية. تم تسجيل حق الملكية باسم ابنك مصطفى، مع احتفاظ السيدة أمينة بحق السكن فقط، بشرط ألّا تعرّض مصلحة الطفل للخطر، وألّا تمنعكِ أنتِ من الإقامة فيه بصفتك الوصية القانونية عليه.
أغمضت أمي عينيها.
وهناك كان الاعتراف.
ليس بالكلام.
بل بالخوف.
أطلقت هناء ضحكة
مستحيل. أمي ما ممكن توقّع على شي مثل هذا.
أخرج الموثق نسخًا مصدقة من الأوراق، ووضعها واحدة تلو الأخرى على الطاولة، كأنها سكاكين نظيفة.
قال
هذا التوقيع. وهذه البصمة. وهذه الهوية. وهذا كشف التثمين. وهنا، أستاذة زينب، إثبات بثلاثة تبليغات وصلت إلى هذا العنوان، وكلها مستلمة من السيدة أمينة.
نظرت الأخصائية الاجتماعية إلى أمي وقالت
يعني كنتِ تعرفين أن الطفل الذي كنتِ تحبسينه في غرفة الغسيل هو صاحب هذا البيت.
فتحت أمي فمها، لكن لم يخرج منه أي صوت.
ولأول مرة في حياتي، رأيتها بلا قناع.
لم تكن قوية.
ولم تكن صاحبة سلطة.
كانت امرأة حاصرتها قسوتها.
ارتجفت ساقاي. ليس بسبب البيت. ولا بسبب الأوراق. بل لأن أمي جعلتني أنام مع ابني ست سنوات في غرفة باردة، وهي تردد أنني يجب أن أكون شاكرة لها.
وطوال ذلك الوقت، كانت هي تعيش تحت سقف مصطفى.
نظر كرار إلى سيارة اللعب الحمراء على الأرض. لم يعد يريدها. لم يعد أحد يريد لمس أي شيء يخص ابني.
وفجأة انتفضت أمي وقالت
علي أعطاني البيت! هو قال أقدر أبقى هنا!
قال الموثق
نعم، ما دمتِ تحترمين زينب والطفل. وهذا مسجل أيضًا.
شعرت كأن الهواء يخدش حلقي.
قلت
مسجل؟
أشار الموثق إلى الذاكرة الإلكترونية الصغيرة التي أخرجتها من الملف الأزرق.
قال
زوجك ترك إفادة احتياطية. وطلب
نظرت أمي إلي.
وتلك النظرة لم تكن تقول آسفة.
كانت تقول كراهية.
قالت وهي تكاد تبصق الكلمات
تظنينه كان ملاكًا؟ علي أهانني. جاءني بفلوسه من ورشة التصليح، ورائحة الدهن والزيوت في ملابسه، حتى يعلّمني كيف أحمي بنتي.
قلت لها
أنتِ لم تحميني. أنتِ كسرتِني.
تقدم الشرطي خطوة إلى الأمام وقال
السيدة أمينة الجبوري، نحتاج أن ترافقينا لأخذ إفادتك بخصوص إصابة طفل واحتمال وجود عنف أسري بحق قاصر.
نهضت هناء بسرعة وقالت
ما تقدرون تأخذونها! هاي جدته! الموضوع مجرد كف!
فتحت الأخصائية الاجتماعية الملف وقالت
التقرير الطبي يذكر إصابة في الأذن، وآثارًا واضحة على الوجه، وكدمات سابقة. بالإضافة إلى أن الطفل قال إنه كان يُحبس، وتُؤخذ أغراضه، ويتعرض لمعاملة مهينة. هذا ليس مجرد كف.
بدأت أمي تبكي.
لكنها لم تبكِ كبكاء من ندم.
كانت تبكي كبكاء شخص انكشف أمره.
وضعت يدها على صدرها وقالت
زينب، يمّه، لا تسمحين لهم. أنا أمك.
هذه الجملة أوقفتني طوال حياتي.
أنا أمك.
كأن ولادتها لي أعطتها الحق في تدميري.
نظرت إلى مصطفى النائم، إلى وجهه الصغير المنتفخ، وإلى الشاش الصغير على أذنه. كان عمره
حينها فهمت أن الأم لا تصبح مقدسة لمجرد أنها أنجبت.
تصبح كذلك عندما تحمي.
قلت
لا. أمي ماتت في مكان ما قبل أن تلمسي ابني.
طلب منها الشرطي أن تأخذ حقيبتها. نظرت أمي حولها، تبحث عن شخص يقف معها.
تظاهر زوج هناء بأنه يتفقد هاتفه.
وهناء لم تتحرك.
أما كرار، فبدأ يبكي بهدوء، مرتبكًا لأن العالم لأول مرة لم يركض لمواساته.
وعندما مرّت أمي بجانبي، اقتربت وهمست
راح تندمين. هذا البيت كبير عليك.
نظرت إليها دون أن أخفض عيني وقلت
ليس أكبر من صمتي.
أخذوها.
وعندما أُغلق الباب، كان صوته كأنه سلسلة انكسرت.
كانت هناء أول من استعاد صوتها.
قالت
زينب، اسمعيني. إحنا متوترين. أمي بالغت، صحيح، بس أنتِ هم بالغتِ. مو معقولة تطردين كل العائلة من البيت بسبب سوء تفاهم.
قلت
لم يكن سوء تفاهم.
قالت
كرار طفل.
قلت
ومصطفى أيضًا طفل.
قطبت وجهها وكأن المقارنة أهانتها.
قالت
لا تخلطين الأمور. كرار مو مسؤول عن حظك السيئ.
وهنا ظهرت الحقيقة القديمة نفسها.
ترمّلي كان حظًا سيئًا. فقري كان عيبًا. ابني كان عبئًا. وهم، الذين كانوا يأكلون الحلوى في صالة بيت مصطفى، كانوا يشعرون أنهم يملكون حتى وجعنا.
جمع الموثق أوراقه، لكنه ترك لي نسخة.
قال
أستاذة زينب، قانونيًا تستطيعين طلب استرداد العقار