تزوجتُ رجلًا مصابًا بمتلازمة داون من أجل ماله... لكن ما فعله يوم وقفت عائلته ضدي غيّر حياتي كلها!
ابتسم حيدر.
جدتي جعلتني أتدرّب أمام المرآة.
لم يضحك الأستاذ قاسم، لكن عينيه ضحكتا.
وقّعنا اتفاقًا واضحًا قبل الزواج. فصل كامل للأملاك. البيت يبقى بيت حيدر. حساباته تبقى حسابات حيدر. أنا يحق لي أن أعيش هناك ما دام الزواج قائمًا، لكن لا يحق لي بيع أي شيء، ولا رهن أي شيء، ولا التصرف بأي شيء من دون موافقته.
وعندما انتهى الأستاذ قاسم من الشرح، نظر إليّ حيدر وقال
رأيتِ؟ لن أعطيكِ جهاز الألعاب الخاص بي.
ضحكت للمرة الأولى منذ أسابيع.
تزوجنا في المحكمة، يوم جمعة، الساعة العاشرة صباحًا.
ارتديت فستانًا كحليًا استعرته من ابنة خالتي، وانتعلت صندلًا لأن الأحذية لم تعد تناسب قدمي المتورمتين. أما حيدر فجاء بقميص أبيض وربطة حمراء، وشعره مرتب جدًا كأنه ذاهب لإلقاء بيان رسمي.
كانت أمي شاهدة.
والأستاذ قاسم أيضًا.
أما عائلة حيدر، فقد حضرت من دون دعوة.
دخلت عمته سعاد كأن المبنى ملكها، ترتدي عقدًا لامعًا، وتضع عطرًا قويًا، وعلى وجهها ملامح عزاء.
قالت قبل أن تسلّم
هذه مهزلة.
أما مهند، ابنها، فنظر إليّ من رأسي حتى قدميّ وقال
صدفة جميلة، أليس كذلك؟ حامل ووجدتِ بيتًا جاهزًا.
ضغطت على أسناني.
لكن حيدر تقدم خطوة إلى الأمام.
لا تتكلم هكذا مع زوجتي.
كلمة زوجتي سقطت على الجميع مثل صدمة باردة.
شحبت عمته سعاد.
حيدوري، أنت لا تفهم.
رفع إصبعه.
حيدر. ليس حيدوري.
سأل القاضي إن كانت الموافقة حرة.
قلت نعم، وصوتي يرتجف.
أما حيدر فقال نعم بصوت واضح وقوي، كأنه غاضب.
وتزوجنا.
لم تكن هناك حفلة.
كان هناك طعام بسيط في البيت، وحلوى صنعتها أمي بنفسها.
في تلك الليلة، قبل النوم، أراني حيدر غرفتي. كانت غرفة الخياطة القديمة الخاصة بجدته. وضع فيها سريرًا صغيرًا، وخزانة، ومهدًا مستعملًا حصل عليه من إحدى الجارات.
قال بتوتر
ليس
مررت يدي على الخشب.
إنه مثالي.
أشار إلى الممر وقال
غرفتي هناك. إذا سمعتِني أشخر، ارمي عليّ نعالًا... لكن بهدوء.
كنا ننام في غرفتين منفصلتين.
ولم يحدث بيننا شيء.
وأريد أن أوضح هذا لأن الناس دائمًا يتخيلون الأسوأ. حيدر لم يطلب مني قبلات، ولا جسدًا، ولا أي مقابل. وأنا لم أمثل عليه حبًا رومانسيًا. كنا شخصين موجوعين دخلا في اتفاق غريب، نعم، لكنه نظيف.
كنت أطبخ لأنني أحب الطبخ، ولأنه كان يأكل كأنه مراهق تُرك وحده إذا لم ينتبه له أحد. هو كان يدفع ثمن حاجات البيت لأنه يستطيع. أنا أغسل الملابس. وهو يعلمني كيف أرتب الفواتير حسب الألوان. أنا أذكره بمواعيده الطبية. وهو يذكرني بفيتاميناتي.
شيئًا فشيئًا، توقف البيت عن رائحة الوحدة.
وصار يشبه رائحة الشوربة، وصابون الأطفال، وقهوة الصباح، والخبز المحمص المحروق لأن حيدر كان دائمًا يرفع حرارة المحمصة أكثر من اللازم.
وتوقفت العائلة عن الدخول من دون استئذان لأننا غيّرنا القفل.
حسنًا، حيدر هو من غيّره.
أنا فقط ذهبت معه.
سألته
هل أنت متأكد؟
قال
بيتي، ومفتاحي.
عندما وُلدت ابنتي، كان المطر يهطل مثل ذلك اليوم الذي وجدني فيه حيدر أمام الصيدلية.
كانت ولادة طويلة ومؤلمة. من تلك الولادات التي تجعل المرأة تقسم أنها لن تنظر إلى رجل مرة أخرى في حياتها.
كانت أمي معي.
أما حيدر فكان ينتظر في الخارج، يمشي ذهابًا وإيابًا، يحمل دبدوبًا كبيرًا وكيس حفاضات كأنه يحمل أوراقًا سرية.
وعندما سمحوا له بالدخول أخيرًا، دخل ببطء.
كنت متعبة، شاحبة، منهكة، أحمل طفلة صغيرة جدًا، وجهها مجعد، ويداها مقبوضتان.
قلت له
اسمها زهراء.
فتح حيدر عينيه بدهشة.
زهراء التي ستأمر الجميع؟
هي نفسها.
اقترب بخوف.
صغيرة جدًا.
الأطفال هكذا.
تبدو غاضبة.
وهم أيضًا هكذا.
نظر إليها خمس ثوانٍ ثم قال
وجهها يقول إنها ستأمر كثيرًا.
وكان محقًا.
زهراء بدأت تأمر منذ اليوم الأول.
تأمر بالبكاء، بالجوع، بالمغص، بالنوم. تحكم مواعيدي، وألعاب حيدر، والتلفاز، والبيت كله.
وحيدر، الذي كان يقول إنه لا يعرف كيف يكون أبًا، تعلم قبل الجميع.
تعلم كيف يسخّن الرضاعات.
وتعلم أن الحفاضات تُربط من الجهة الصحيحة.
حسنًا، بعد أن وضع ثلاث حفاضات بالعكس.
وتعلم أن يصدر أصواتًا مضحكة حتى تضحك زهراء.
وعندما أكملت ثمانية أشهر، بدأت تزحف نحوه كلما سمعت صوته.
كان يقول مذعورًا
لا. اذهبي إلى أمك. أنا لست خبيرًا.
لكن زهراء كانت تتسلق قدميه.
فيرفع يديه مستسلمًا ويقول
سلمى، رئيستك تريد شيئًا.
في المرة الأولى التي قالت فيها زهراء له بابا، كنا في الصالة.
كان حيدر جالسًا على الأرض، يبني مكعبات ملوّنة. وكنت أنا أطوي الملابس على الأريكة. تمايلت زهراء خطوتين، أمسكت بكتفه وقالت
با... با.
توقف العالم.
شحُب وجه حيدر.
لا.
صفقت زهراء.
بابا.
لا، لا، لا قال وهو ينظر إليّ سلمى، قولي لها. أنا لا أعرف كيف أكون أبًا.
شعرت أن شيئًا داخلي انكسر واستقر في الوقت نفسه.
قلت له
هي اختارتك.
لكنني لم أوقّع على هذا.
وقّعت على الزواج. كانت مكتوبة بخط صغير.
نظر إليّ حيدر برعب.
وقالت زهراء مرة أخرى
بابا.
ابتلع ريقه، ثم لمس رأسها ببطء شديد.
حسنًا. لكن بابا مبتدئ.
ضحكت زهراء.
ومنذ ذلك اليوم، صار حيدر أبًا.
ليس بالدم.
ولا بالواجب.
بل بالحضور.
كان يأخذها إلى الحديقة، وكانت أمي ترافقه في البداية لأنه كان يخاف من عبور الشوارع بعربة الأطفال. كان يشتري لها جوارب عليها بطات صغيرة. كان يقرأ لها القصص ويغير الأصوات. علّمها أن تقول لا، شكرًا عندما لا تريد أن يحملها أحد.
وهنا فهمت أن حيدر لم يكن طفلًا كبيرًا.
كان رجلًا بالغًا، لكن كثيرين عاملوه كطفل حتى يستطيعوا سرقة حياته.
استمر الهدوء عامين.
كانت زهراء تمشي، وتتكلم مثل العصفورة، وتناديه بابا حيدو لأن اسم حيدر كان يبدو طويلًا عليها.
كنت قد حصلت على عمل نصف دوام في عيادة أسنان، أرتب المواعيد وأستلم أجور الكشف. لم يكن الراتب كبيرًا، لكنه كان لي. بدأت أدفع بعض مصاريف زهراء. حفاضات، أحذية، ملابس.
لم أكن أريد أن أظل مدينة لحيدر بحياتي كلها.
وكان هو ينزعج.
نحن فريق.
نعم، لكنني أيضًا أستطيع.
جدتي كانت تقول إن من يستطيع، يجب أن يُترك ليحاول.
جدتك كانت حكيمة.
وكثيرة الأوامر.
كان كل شيء يبدو جيدًا.
إلى أن عادت عمته سعاد.
وصلت يوم أحد في الساعة الحادية عشرة، بينما كنا نتناول الفطور. ضغطت الجرس كأن أحدًا يطاردها.
نظر حيدر إلى كاميرا الباب وتوتر.
إنها عمتي.
قلت
لا يجب أن تفتح.
إذا لم أفتح، ستصرخ.
وفعلًا صرخت.
حيدر! أعرف أنك في الداخل!
تنفس بعمق.
سأفتح، لكنها لن تدخل إذا لم أرد.
رافقته إلى الباب.
كانت سعاد ترتدي نظارات سوداء، وتحمل حقيبة غالية، وتضع ملفًا تحت ذراعها. وكان مهند خلفها بابتسامة مزيفة.
قالت وهي تحاول أن تعانقه
ابن أخي.
تراجع حيدر خطوة.
أهلًا.
نظرت إليّ عمته كأنني رطوبة على الحائط.
سلمى.
أم مهند.
قالت
جئنا نتكلم في موضوع عائلي.
قال حيدر فورًا
سلمى عائلتي.
ضحك مهند بسخرية.
لا تبدأ يا حيدر.
شد حيدر شفتيه.
لا تقل لا تبدأ.
فتحت سعاد الملف.
اسمع، وضعك يقلقنا. وصلنا أنك صرت تترك هذه المرأة تعمل وتتحرك كثيرًا، وربما تتصرف بأشياء لا تخصها.
شعرت بالنار تصعد إلى وجهي.
عفوًا؟
قالت ببرود
أنا لا أتكلم معك.
خطف حيدر الملف من يدها.
لم يتوقع أحد ذلك.
بدأ يقلب الأوراق ببطء. رأيت شعارات لمكاتب قانونية، وصورًا لوثائق البيت، وأوراقًا طبية.
سأل
ما
ابتسم مهند.
طريقة لحمايتك. نريد أن نطلب دعمًا قانونيًا لإدارة أملاكك. تعرف... بسبب حالتك.
سقطت كلمة حالتك قذرة وثقيلة.
بقي حيدر ساكنًا جدًا.
قال
حالتي هي أنني