وضعت أختي صورتي بجانب نعش أمي وكأنني الميتة... ثم كشف الصندوق الأزرق الحقيقة كلها!
كأنه لا يملك حق الوقوف حتى في ظل أمي.
وعندما أنزلوا النعش، انحنيت ووضعت فوق التراب زهرة بيضاء.
قلت لها
لم أعد أخاف يا أمي... الآن هم من يخافون.
كانت الأشهر التالية حرب أوراق.
دعوى وصية.
تثبيت وصية.
جرد ممتلكات.
تقييم البيت.
كتب رسمية إلى دائرة التسجيل العقاري.
طلبات إلى شركة التأمين.
إفادات أمام الشرطة والجهات القضائية.
تعلمت كلمات لم أتمنَّ أن أحتاجها يومًا منفذ وصية، حماية قانونية، سلسلة حيازة الأدلة، فحص الخطوط، بطلان التصرفات القانونية.
وتعلمت أيضًا أن العدالة لا تركض، لكنها إذا وجدت من يدفعها كل يوم، تتقدم ولو ببطء.
ثبت أن توقيع أمي في طلب تغيير التأمين كان مزورًا.
والرسالة التي قيل إنني تنازلت فيها عن الميراث كانت مزورة أيضًا.
وظهرت هويتي في غرفة سارة، داخل حقيبة مستحضرات تجميل، مع نسخ من مستمسكاتي الشخصية، وشهادة ولادتي، وعقد بيع جاهز لنقل البيت إلى مستثمر من خارج بغداد.
ذلك المستثمر كان الدائن الذي يلاحق علي.
وأبي كان قد وقّع شاهدًا.
عندما ظهر ذلك، لم يعد أحد في العائلة يقول إنني أبالغ.
فقط توقفوا عن الاتصال بي.
وهذا كان
الصمت أيضًا ينظف.
وافقت سارة على تسوية قانونية بعد اتهامها بالتزوير ومحاولة الاحتيال. خسرت عملها في مكتب عقاري لأنها كانت تستخدم الأختام والعلاقات لتحريك أوراق لا تخصها.
أما علي، فكان وضعه أسوأ. الدائن نفسه اشتكى عليه بسبب دين آخر، وأصدقاؤه اختفوا كما تختفي الحشرات عندما يُضاء الضوء.
حاول أبي أن يعتذر مني مرة واحدة فقط.
كان ذلك أمام المحكمة، يرتدي سترة قديمة وعيناه غائرتان.
قال
مريم، أنا فعلت ما ظننته أفضل للجميع.
قلت
لا يا أبي. فعلت الأفضل لمن كنت تشفق عليهم دائمًا.
سارة كانت محتاجة.
وأمي كانت مريضة بالسرطان.
لم يقل شيئًا.
أضفت
وأنا أيضًا كنت ابنتك.
حينها بكى.
كنت أتمنى لو أشعر بالحنان.
لكنني لم أشعر إلا بالتعب.
تمتم
بيت أمك...
قلت
لا تسمّه هكذا لتخفف الأمر. أنت حاولت بيعه.
قال
ليس لدي مكان أذهب إليه.
في تلك اللحظة فهمت آخر خوف عند أمي.
العدو الحقيقي لم يكن سارة.
ولم يكن علي.
كان الرجل الذي نام بجانبها أربعين سنة، منتظرًا موتها كي يوزع ما لم يبنه يومًا.
قلت له
اذهب إلى الأبناء الذين حميتهم.
ثم مشيت من دون أن ألتفت.
بعد عام
لم أبعه.
طليته باللون الأزرق الفاتح، وغيّرت الأقفال، وأصلحت تشققات الحوش، وحولت غرفة سارة إلى عيادة صغيرة أستقبل فيها المرضى ذوي الدخل المحدود يومين في الأسبوع.
وفي المكان الذي كان فيه المزار، وضعت رفًا جديدًا.
عادت السيدة العذراء إلى مكانها.
وعاد الصندوق الأزرق أيضًا.
فارغًا.
ليذكرني أن الأسرار لا تُدفن دائمًا؛ أحيانًا تنتظر الابنة الصحيحة.
في أول ليلة نمت فيها هناك، أعددت قهوة بالهيل. فتحت الشبابيك. وصلني من الشارع صوت بائع متجول وصوت سيارة بعيدة تمر في الحي.
ولأول مرة، لم تكن رائحة البيت تشبه الذنب.
كانت تشبهني.
قرب منتصف الليل، طُرق الباب.
نظرت من الكاميرا الجديدة.
كانت سارة.
أنحف من قبل، بلا رموش صناعية، ترتدي سترة رمادية، وتمسك كيسًا بلاستيكيًا في يدها.
كانت تبكي.
قالت عبر جهاز الباب
مريم... خرجت. لا يوجد عندي مكان أنام فيه. أولادي عند والدهم. أبي مريض. علي اختفى. أرجوك افتحي.
بقيت واقفة في مكاني.
قلبي ما زال يعرف كيف يكون أختًا.
لكن ذاكرتي تعلمت كيف تكون حارسة.
قلت
لا يمكنك الاقتراب من هذا
صرخت
إنه بيتي أيضًا!
ابتسمت بهدوء.
كان هذا خطأك يا سارة. لم يكن بيتك يومًا.
ضربت الباب بكفها.
أمي لم تكن تريد هذا!
نظرت إلى رف السيدة العذراء.
ثم إلى الصندوق الأزرق.
وتذكرت أن هناك ظرفًا أخيرًا كان المحامي قد سلّمه لي بعد الحكم، ولم أجرؤ على فتحه حتى تلك اللحظة.
أخرجته.
كان بداخله ورقة من أمي.
إذا عادت سارة وهي تبكي، لا تفتحي لها. عندما كانت صغيرة، علّمتها أن أشياءك يمكن أن تصبح لها. هذه المرة علّميها أنتِ أنها لا تستطيع.
انغلق حلقي.
في الخارج، كانت سارة لا تزال تضرب الباب.
ثم فعلت الشيء الذي دفنها نهائيًا.
أخرجت من الكيس مفتاحًا قديمًا.
مفتاحي القديم.
المفتاح نفسه الذي أقسمت أنها لم تأخذه أبدًا.
وضعته في القفل الجديد.
لم يدخل.
لم يكن ممكنًا أن يدخل.
لكن الكاميرا سجلت كل شيء.
وصلت الشرطة بعد عشر دقائق.
صرخت سارة، وبكت، وشتمت اسمي، وقالت إنني جاحدة.
هذه المرة لم يصلِّ أحد من أجلها.
بقيت خلف الباب، وورقة أمي على صدري، أراقب الأضواء الحمراء والزرقاء وهي تلون الصالة التي وضعوا فيها صورتي يومًا وكأنني ميتة.
كم كانوا مخطئين.
الميتة
أما التي فتحت عينيها في تلك الليلة... فلم تعد كما كانت أبدًا.