قال لها: لا تأكلي مجانًا في بيتي... فسلّمته ظرفًا أنهى كل شيء!
وفي تلك اللحظة تحديدًا، تغيّر شيء ما.
لم يتغيّر في الحديقة.
ولا في دخان الفحم.
ولا في همسات الأطفال الذين توقفوا فجأة عن الحركة.
بل تغيّر في يد فاضل.
ارتجفت قليلًا.
رجفة بسيطة جدًا، لكنه حاول إخفاءها، وأنا رأيتها.
الأيدي التي تظن نفسها خُلقت للأمر والسيطرة، ترتجف أولًا عندما تلمس الورقة الصحيحة.
فكّ الخيط بارتباك حاول أن يخفيه.
أخرج الورقة الأولى وقرأ العنوان فقط.
ثم قرأ الثانية.
ثم عاد إلى الأولى من جديد، وكأن الأسماء يمكن أن تتبدل إن نظر إليها مرتين.
فقد وجهه لونه.
قال بصوت حاول أن يبدو غاضبًا
ما هذا الكلام؟
لكنه لم يبدُ كرجل غاضب.
بل بدا كرجل محاصر.
قلت له بهدوء
اقرأه جيدًا. وبصوت عالٍ إن أردت... حتى يسمع الجميع لمن يعود هذا البيت.
لم يفعل.
طبعًا لم يفعل.
مددت يدي، أخذت الورقة الأولى من بين أصابعه، ورفعتها بما يكفي لتراها بناتي.
قلت
هذه سند الملكية الأصلي. اسمي ما زال مكتوبًا هنا سعاد عبد الكريم. لم أبع هذا البيت لأحد. لم أهبه لأحد. لم أكتبه باسم لينا. وبكل تأكيد لم أكتبه باسمك أنت.
شعرت كيف تغيّر الهواء حول الطاولة.
بناتي الأخريات رفعن رؤوسهن.
وأزواجهن نظروا إليّ أخيرًا.
حتى الأطفال فهموا بطريقتهم أن ما يحدث لم يكن شجارًا عاديًا.
أخرجت الورقة الثانية.
وتابعت
وهذه وثيقة إنهاء عقد الإعارة
خطا فاضل خطوة نحوي.
وقال
لا تهدديني أمام أولادي.
نظرت إليه بثبات وقلت
أنا لا أهددك. أنا أضعك في مكانك الصحيح.
كانت تلك أول مرة منذ سنوات أراه فيها من دون تلك الابتسامة الجانبية التي كان يسخر بها حتى وهو يطلب الملح.
هناك، والدخان يمر بيننا، لم يعد يبدو كبيرًا.
بدا صاخبًا فقط.
وهناك فرق كبير بين الأمرين.
كانت لينا ما تزال جالسة، ويداها مشدودتان فوق مفرش الطاولة.
أنا أعرفها منذ قبل أن تأخذ أول نفس في حياتها.
أعرف متى تسكت خوفًا، ومتى تسكت خجلًا.
وفي ذلك المساء، كان الخوف والخجل جالسين معها على الكرسي نفسه.
همست مرة أخرى
أمي...
هذه المرة نظرت إليها.
وقلت
لا يا ابنتي. الآن أنتِ من ستنظرين إليّ.
ساد الصمت في الحديقة كلها.
قلت
عشر سنوات يا لينا. عشر سنوات ابتلعتُ الإهانات حتى يبقى لأطفالك سقف فوق رؤوسهم. عشر سنوات رأيتُ هذا الرجل يجلس في صدر مائدتي، ويغيّر أقفالي، ويتحدث عن بيتي كأنه بيته، ويعدّ عليّ الأطباق كأنني ضيفة. وأنتِ كنتِ تخفضين رأسك. مرة. ثم مرة. ثم مرة.
بدأت لينا تبكي بصمت.
ذلك البكاء الذي
أطلق فاضل ضحكة جافة، مرتبكة، كأنها خرجت من صدر ضيق.
وقال
ها قد بدأ دور الضحية. وماذا الآن؟ ستطردينني من هنا في عيد الأم لتظهري أمام الجميع كأنك المظلومة؟
أدخلت يدي في حقيبتي من جديد.
وقلت
لا. لو كان الأمر كذلك لما جئت بظرف واحد. جئت بثلاثة.
أخرجت ظرفين آخرين، مربوطين بخيط أيضًا.
وضعتهم على الطاولة، بجانب الكعكة التي لم يجرؤ أحد على لمسها.
قلت وأنا أضع إصبعي على الظرف الأول
هذا لك. وقد فتحته. فيه سند الملكية، وإنهاء الإعارة، ومحضر قانوني سجله المحامي بشأن تغيير الأقفال من دون إذني، وشغل أجزاء من العقار بغير حق. إذا كسرت شيئًا اليوم، أو رفعت صوتك عليّ مرة أخرى، أو لمست طبقًا واحدًا في هذا البيت، فسأقدّم الشكوى الرسمية صباح الغد.
ثم رفعت الظرف الثاني.
قلت
وهذا للينا.
ثم رفعت الظرف الثالث.
وهذا لأحفادي.
علي، الذي ظل طوال الوقت واقفًا كأنه عمود ثابت، فتح عينيه بدهشة.
حاول فاضل أن ينتزع الظروف من يدي، لكن أحد أزواج بناتي، واسمه باسم، نهض أخيرًا ووقف بيننا.
قال بصوت منخفض
كفى يا فاضل.
التفت إليه فاضل كأنه لا يصدق أن أحدًا تجرأ على الحديث معه بهذه الطريقة أمام الجميع.
استغللت تلك الفجوة الصغيرة في الخوف.
تلك اللحظة الدقيقة التي تنتقل فيها القوة
أعطيت لينا ظرفها.
قلت
افتحيه.
قالت وهي ترتجف
لا أستطيع...
قلت لها
تستطيعين. أنتِ منذ سنوات تظنين أنك لا تستطيعين، لكنك تستطيعين.
أخذته.
تأخرت أكثر منه في فتحه.
ليس لأنها مرتبكة فقط، بل لأن يدي ابنتي كانتا دائمًا حذرتين، حتى وهي تتألم.
أخرجت الأوراق.
عرفت أولًا خط الكاتب العدل، ثم عرفت خطي.
قالت بصوت مكسور
أمي...
قلت
اقرئي يا ابنتي.
تحركت شفتاها قبل أن يخرج صوتها.
قرأت
تنازل بحق الانتفاع والسكن مدى الحياة في الملحق لصالح لينا عبد الكريم وأطفالها، مع استثناء صريح للزوج فاضل...
انكسر صوتها ورفعت عينيها نحوي.
أمي...
قلت
أكملي.
أخذت لينا نفسًا عميقًا.
ثم قرأت
وذلك بشرط أن يغادر السيد فاضل البيت الرئيسي والملحق هذا اليوم، من دون أي حق في البقاء أو إدارة أي جزء من العقار.
بقيت الكلمات معلقة فوق الطاولة.
أطلق فاضل ضحكة غير مصدقة.
قال
اليوم؟ وأين تريدينني أن أذهب؟
قلت
إلى المكان الذي يذهب إليه الرجال الذين يخلطون بين الملجأ والعرش. هذا لم يعد شأني.
التفت إلى لينا، ولم يعد يكلمني أنا.
قال لها بحدة
لينا، قولي شيئًا. قولي لهم إن هذا الكلام لا قيمة له. قولي إنك تسمعينني. قولي!
لكن لينا لم تنظر إليه.
نظرت إليّ أنا.
وفي عينيها رأيت شيئًا لم أره منذ كانت في السابعة عشرة، تساعدني في
شرارة صغيرة.
متعبة.
مجروحة.
لكنها حية.
سألتني
منذ متى حضرتِ كل هذا؟
قلت
منذ المرة الثانية