وضعت أختي صورتي بجانب نعش أمي وكأنني الميتة... ثم كشف الصندوق الأزرق الحقيقة كلها!
المحتويات
في الصالة، التلفزيون نفسه الذي كانت أمي تشاهد عليه المسلسلات المسائية والأخبار بوجه قلق.
لم يكن أحد يتنفس.
ظهر فيديو.
كانت كاميرا موجهة نحو مطبخ البيت.
يبدو أنها كانت مخفية فوق الثلاجة، وموجهة نحو الطاولة.
كانت أمي جالسة وهي تلف شالًا رماديًا حول كتفيها. سارة أمامها. علي يمشي ذهابًا وإيابًا. وأبي واقف قرب حوض الغسيل.
قالت سارة
وقّعي يا أمي. مريم لا ترعاك. مريم فقط ترسل المال حتى تشعر أنها طيبة.
ردت أمي
لن أسحب البيت منها.
كان صوتها متعبًا، لكنه ثابت.
ضرب علي الطاولة.
هذا البيت من حقنا كلنا!
قالت أمي
لا. أعطيت كل واحد منكم ما استطعت. أما مريم، فأنا مدينة لها بما أخذته منها.
تحدث أبي حينها
تيريزا، لا تكوني عنيدة. سارة عندها أولاد. وعلي يحتاج أن يخرج من ديونه. ومريم عندها عمل.
نظرت إليه أمي بحزن كسر شيئًا داخلي.
ومريم جاعت أيضًا يا جاسم. لكنها فقط لم تبكِ بصوت عالٍ مثلكم.
انحنت سارة نحوها وقالت
إذا لم توقعي، سنقول للجميع إن مريم تركتك تموتين وحدك.
لم تجب أمي.
انتقل الفيديو إلى تاريخ آخر.
كانت سارة تمسك هويتي.
هويتي أنا.
قال علي
بهذه نعمل تنازل عن الحقوق. مريم أصلًا لن تأتي إلا وقت العزاء.
سأل أبي
وإذا جاءت؟
ابتسمت سارة.
لهذا سنضع صورتها. حتى تفهم أنها هنا صارت ميتة.
انطلقت صرخة داخل الصالة.
كانت صرختي.
لم أشعر أنها خرجت من فمي.
تجمّد مجلس العزاء كله.
حتى لهب الشموع بدا كأنه انخفض.
نهض أبي.
هذا الفيديو مركب.
أطفأ المحامي التلفزيون.
لا يا سيدي. السيدة تيريزا سلمت نسخة إلى مكتبي، ونسخة إلى مركز الشرطة، ونسخة موثقة عند الكاتب العدل. كما تركت تقريرًا طبيًا يثبت أنها كانت واعية عندما سجلت تعليماتها.
اندفعت سارة نحو الصندوق، لكنني كنت أسرع منها.
أغلقته وضممته إلى صدري.
لا تفكري حتى.
صرخت
أنتِ محتاجة وجئتِ لتأخذي البيت!
نظرت إليها وقلت
لم آتِ من أجل البيت. أتيت من أجل أمي.
كذابة!
البيت كان الشيء الوحيد الذي لم تستطيعوا دفنه معها.
تقدم أبي نحوي خطوة.
مريم، نستطيع أن نتكلم.
أخيرًا قال اسمي.
ليس ابنتي.
ليس صغيرتي.
مريم.
كما يتحدث المرء مع دائن.
قلت
تكلمت متأخرًا يا أبي.
خفض صوته.
أمك كانت مشوشة. المرض غيّرها. سارة كانت تريد ترتيب الأوراق فقط. وعلي أخطأ، نعم، لكن العائلة تحمي بعضها.
سألته
وأنا ماذا كنت؟
لم يرد أحد.
لم يكونوا يردون أبدًا عندما لا تناسبهم الإجابة.
وفجأة رن جرس الباب.
مرة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
ذهب المحامي ليفتح.
دخل رجلان من الشرطة ومعهما امرأة ترتدي سترة رسمية داكنة. وخلفهم جاءت باحثة اجتماعية.
ماتت بقية أصوات الدعاء في الصالة.
وضعت سارة يديها على فمها.
لا، لا، لا...
سأل أحد رجال الشرطة عن جاسم
بدأت عمتي أمينة تبكي وكأنها هي الأرملة.
ماذا يحدث؟
أجاب المحامي
السيدة تيريزا طلبت أنه بمجرد وصول مريم واستعادة الصندوق، يتم تحريك الشكوى بخصوص الاشتباه في تزوير مستندات، واحتيال عائلي، وعنف مالي، ومحاولة الاستيلاء على عقار.
انهار أبي على الكرسي.
لم يُغمَ عليه.
الجبناء غالبًا لا يُغمى عليهم.
يجلسون فقط عندما لا يعودون قادرين على حمل الكذبة.
حاول علي الخروج من باب الحوش.
أوقفه أحد رجال الشرطة قرب السطول التي كانت أمي تغسل فيها أواني المناسبات.
أما سارة فكانت تصرخ أن لديها أطفالًا، وأنها أم، وأن أحدًا لا يفهم معاناتها.
فكرت في أمي وهي موصولة بالأوكسجين.
في يدها وهي تضغط على يدي.
في صوتها وهي تقول لي أن أخاف.
الآن فهمت.
لم تكن تريدني أن أخاف كي أختبئ.
كانت تريدني أن أخاف كي لا أثق بسهولة.
وعندما أخذوا علي، بصق كلماته نحوي وهو يمر
ستبقين وحدك.
مسحت أثر كلامه عن قلبي بالهدوء نفسه الذي كنت أمسح به جروحي وأنا صغيرة.
وقلت
لا. سأبقى حرة.
أخرجوا سارة بعده.
وقبل أن تعبر الباب، التفتت نحو نعش أمي وصرخت
أمي، قولي شيئًا!
كانت الجملة عبثية إلى درجة أن أحدًا لم يجرؤ على التنفس.
أمي كانت قد قالت كل شيء.
لكن سارة لم تصدق يومًا أن امرأة على فراش المرض يمكن أن تترك أدلة.
أما أبي فلم
لكن قبل أن يخرج الشرطي، قال له جملة جعلت وجهه أبيض
سيدي، سنراجع أيضًا سبب الوفاة الطبي.
شعرت أن الأرض انفتحت تحتي.
ماذا قلت؟
نظر إليّ المحامي بحذر.
والدتك تركت وصفات وتحاليل. كانت تشك أن هناك من يعطيها جرعات أكبر من الدواء الموصوف لها حتى تبقى مشوشة ويسهل الضغط عليها.
كل رائحة العزاء هجمت عليّ دفعة واحدة القهوة الثقيلة، الزهور، الشمع، والطعام البارد.
سألته بصوت متقطع
هل قتلوها؟
قال
لا أستطيع أن أؤكد ذلك. لكنها طلبت التحقيق.
همس أبي
أنا لم أكن أريد أن تموت.
وكانت تلك الجملة، بهذه الطريقة، أسوأ من الاعتراف.
لأنه لم يقل أنا لم أفعل لها شيئًا.
بل قال إنه لم يكن يريد تلك النتيجة.
كمن يشعل النار في بيت، ثم يتفاجأ عندما يرى الرماد.
تم الدفن في اليوم التالي في مقبرة الكرخ.
كان السماء منخفضة وثقيلة، والباعة قرب المقبرة يبيعون الزهور والماء والقهوة في أكواب ورقية. بغداد كانت تواصل حياتها حول حزني، بسياراتها، وأصوات الباعة، ودعوات الناس، ونساء يساومن على سعر الورد كأن الموت أيضًا يحتاج إلى ميزانية.
ذهبت بالقميص نفسه الذي خرجت به من المستشفى.
ليس إهمالًا.
بل ذاكرة.
كان على القميص أثر صغير من
لم أرد غسله.
لم تأتِ سارة.
ولا علي.
أما أبي فجاء، لكنه وقف بعيدًا تحت شجرة،
متابعة القراءة