قال لي ابني: "متى ستغادرين؟".. وفي صباح اليوم التالي اشتريت البيت الذي كان يحلم به طوال حياته!
أن زهراء كانت قد طلبت قبل أشهر معلومات عن دور رعاية للمسنين في أطراف بغداد.
لم يكن السؤال بحد ذاته غير قانوني.
لكن غير القانوني كان البريد الذي كتبته
حماتي لديها راتب تقاعدي وبعض المدخرات. نحتاج إلى دار رخيصة، لكن بشرط أن توقّع إدارة المنافع لشخص من العائلة مسؤول عنها.
شخص من العائلة مسؤول عنها.
وظهر أيضًا مسودّة وكالة عامة داخل ملف يخص علي، باسمي، وبياناتي، وتوقيع متدرّب عليه.
توقيعي.
نفس الانحناءة المرتبكة التي تحاول تقليد حرف الألف في اسمي.
وضعتها هناء أمامي.
قالت
أمينة خانم، لا أريد إخافتك. لكنهما لم يكونا يريدان فقط أن تغادري. كانا يريدان ألا تستطيعي اتخاذ أي قرار بعد ذلك.
لم أبكِ.
ليس بعد الآن.
المال لا يجعل القلب قاسيًا.
لكنه أحيانًا يضع له بابًا.
قدمنا بلاغًا.
ليس انتقامًا.
بل حماية.
ولأنني إذا لم أفعل ذلك، ربما كانا سيحاولان شيئًا مشابهًا مع شخص آخر، وربما حتى مع أولادهما عندما يكبرون.
تم استدعاء علي.
وزهراء أيضًا.
قال هو إن كل ما حدث كان بدافع القلق. وإنني متأثرة بمحامية. وإن امرأة في الحادية والسبعين لا يجب أن تتخذ قرارات بمليارات الدنانير وحدها.
عندها قدمت هناء تقييمي الطبي أهلية كاملة، ذاكرة سليمة، واستقلال وظيفي واضح.
وقدمت حساباتي الجديدة.
وقدمت محاولة القرض.
وقدمت مسودة الوكالة.
وقدمت البريد المتعلق بدار الرعاية.
وقدمت رسائل زهراء إلى أختها
إذا خرجت أمينة قريبًا، سأحوّل الغرفة إلى مكتب، ونبيع للناس قصة أننا اعتنينا بها حتى النهاية.
لم يرفع القاضي صوته.
لم يكن بحاجة إلى ذلك.
أصدر إجراءات تمنع علي وزهراء من استخدام بياناتي، أو التواصل معي للضغط عليّ، أو محاولة إجراء أي معاملة باسمي. كما أثبت في المحضر احتمال وجود استغلال مالي بحق امرأة كبيرة في السن.
خرج علي من الجلسة وكتفاه منكسرتان.
وخرجت زهراء وهي تنظر إلى الأرض.
ولا مرة واحدة سألا إن كان بإمكانهما السماح
لكن الأطفال سألوا عني.
لم أتركهم بسبب أخطاء والديهم. وبمساعدة قانونية، وضعنا زيارات واضحة. كنت أراهم في مخبز هادئ في الكرادة صباح كل سبت. نشرب الشوكولاتة الساخنة، ونأكل الكليجة والمعجنات، وكانت نور تخبرني عن المدرسة. أما حسين فكان يسألني عن جاسم، وكأنه يريد أن يعرف الجد الذي لم يلحق أن يسمع صوته.
في أحد أيام السبت، قالت لي نور
ماما تقول إنك سرقتِ بيتنا.
مسحت الشوكولاتة عن طرف فمها.
قلت
لا أحد يستطيع أن يسرق شيئًا اشتراه باسمه وماله.
خفض حسين نظره.
قال
تميمي؟
تفاجأت.
قلت
نعم.
قال
بحثت عنه. كان اسمك قبل الزواج.
امتلأت عيناي بالدموع.
قلت
وكان أيضًا اسم أمي.
عقدت نور حاجبيها الصغيرين.
قالت
ماما ما كانت تقوله صح.
قلت
أعرف.
قالت
أنا راح أتذكره.
في ذلك اليوم فهمت أن جزءًا من عائلتي ما زال يمكن إنقاذه.
بقي بيت الجادرية فارغًا ثلاثة أشهر.
لم أكن أريد أن أنتقل إليه بدافع الغضب.
كنت أريد أن أعرف ماذا أفعل به من دون أن يكون علي وزهراء مركز قراري.
في صباح أحد الأيام ذهبت إليه وحدي.
كانت الحديقة رطبة.
والأشجار ترمي ظلها على الممر الحجري.
وكان المطبخ واسعًا، كاملًا أكثر من اللازم.
وفي الشرفة مساحة تكفي لطاولة طويلة.
تخيلت زهراء تلتقط الصور.
وتخيلت علي يتفاخر أمام الناس.
ثم تخيلت نساء كبيرات في السن يجلسن هناك، يشربن القهوة من دون أن يطلبن إذنًا من أحد.
وعرفت.
حوّلت البيت إلى مركز نهاري ودعم للنساء الكبيرات في السن اللواتي يعانين من الاستغلال المالي أو الوحدة أو الإهمال العائلي.
ليس عيادة.
وليس مستودعًا للبشر.
بل بيتًا.
فيه دروس مبسطة لإدارة المال، واستشارات قانونية، وجلسات للذاكرة، وبستنة، وموسيقى، وغداء ساخن، وأمسيات حوار.
سميته
بيت جاسم.
لأن زوجي كان يقول دائمًا إن البيت الكبير من دون ناس ليس إلا صدى.
في يوم الافتتاح، استيقظت بغداد على رذاذ خفيف.
حضرت نساء من أحياء مختلفة،
حضر حسين ونور معي.
علي لم يحضر.
وزهراء كذلك.
لكنهما شاهدا الصور على مواقع التواصل.
لم تكن صور رفاهية.
كانت صور نساء يضحكن حول طاولة، ونباتات جديدة، وأطباق شوربة، وجدار كُتبت عليه عبارة
لا يكبر الإنسان ليصبح غير مرئي.
في تلك الليلة كتب لي علي رسالة
أنتِ أهنتِني.
قرأتها مرتين.
ثم أجبت
لا. أنا أريتك ما رميتَه.
لم يكتب بعدها لأسابيع.
وعندما طلب أخيرًا أن يراني، وافقت أن يكون اللقاء في مكتب هناء.
ليس في بيتي.
ولا في بيت جاسم.
في مكان محايد.
جاء نحيفًا، متعبًا، بعينين غائرتين.
ومن دون زهراء.
قال
نحن نفترق.
لم أرد.
قال
هي تقول إن كل شيء كان فكرتي. وأنا أقول لا. لم أعد أعرف.
قلت
أنا أعرف. أنتما الاثنان رأيتماني كمساحة مشغولة.
انهار.
قال
يمّه، خفت. الديون، البيت، الأطفال، وضغط زهراء. عندما كنتِ تعيشين معنا ظننت أنني... لا أعرف. أنني أستطيع الاعتماد عليك.
قلت
الاعتماد عليّ لا يعني عدّ أموالي.
بكى.
وأنا أيضًا أردت أن أبكي، لكنني لم أبكِ من أجله فقط. بكيت في داخلي على الطفل الذي كانه يومًا، وعلى الابن الذي خسرته من دون جنازة، وعلى جاسم الذي كان سيتألم لو رآنا هكذا.
سألني
تسامحيني؟
نظرت إلى يديّ.
واحد وسبعون عامًا.
تجاعيد.
عروق.
بقع.
يدان طبختا، ورعتا، ودفنتا، ووقّعتا، وقبضتا، واشترتا، ثم انفتحتا أخيرًا لتتركا.
قلت
ليس بعد. لكنني لم أعد أكرهك.
أحيانًا يكون هذا كل ما تستطيع أم أن تمنحه من دون أن تموت مرة أخرى.
بعد عام، صرت أعيش في شقة مضيئة قريبة من متنزه الزوراء.
ليست ضخمة، لكنها تملك شرفة فيها نباتات وكرسي أتناول عليه الشاي عند الفجر.
علّقت على الجدار صورة جاسم في بغداد.
وتحتها لوحة خشبية صغيرة مكتوب عليها
أمينة التميمي العبيدي.
اسمي الكامل.
اسمي كله.
يأتي حفيداي كل سبت.
لم يعد حسين يسأل إن كان يستطيع فتح الثلاجة.
ونور تجلب رسوماتها إلى بيت جاسم.
أما علي، فهو يخضع لجلسات علاج نفسي، ويسدد ديونه، ويتعلم كيف يتكلم من دون أن يطلب.
زهراء اختفت من حياتي، رغم أنني سمعت أنها حاولت المطالبة بجزء من المال بحجة أنها اعتنت بي عامين.
كان رد هناء رسالة باردة جدًا، حتى إنني لم أعلّقها في إطار من شدة قسوتها.
آخر ضربة عدالة جاءت بالصدفة.
البيت الذي كان يعيش فيه علي وزهراء عُرض للبيع بسبب ديونهما.
نفس البيت الذي كان يشبه المجلات.
بيت الخزائن البيضاء والثلاجة الممتلئة بأطعمة وعادات لم تكن تشبهني.
اشتراه شخص بسرعة.
لم أكن أنا.
لم أعد بحاجة إلى شراء أماكن الألم.
لكنني اشتريت، بسعر عادل، شقتي القديمة التي عشت فيها مع جاسم ثلاثين عامًا في بغداد.
كان المطبخ الأصفر ما زال هناك، أكثر تعبًا، لكنه حي.
طلبت ترميم شجيرات الورد، وإصلاح الشرفة.
وعندما دخلت، أصدرت الأرضية صريرًا تحت قدميّ كأنها تعرفني.
وضعت على الطاولة نسخة من الجمل الخمس التي كتبتها تلك الليلة
التزام الصمت.
توكيل محامٍ.
استلام الأموال بسرية.
فصل الممتلكات.
البحث عن منزل.
ثم أضفت جملة سادسة
تذكّر من أكون.
لأن علي ظن أنه عندما سألني متى سأغادر، كان يطردني.
لم يفهم أنه كان يعيد إليّ الدافع.
وزهراء ظنت أنني عجوز تشغل غرفة ضيوف.
لم تفهم أن امرأة تملك خيارات تتوقف عن طلب الإذن حتى لتتنفس.
وعندما عرف الجميع أن البيت الذي حلموا به قد اشترته أمينة التميمي العبيدي، الاسم الذي لم يتعلموه أبدًا لأنهم لم يهتموا بمن كنت قبل أن أخدمهم، كان الوقت قد فات.
أنا لم أشترِ ذلك البيت كي أعاقب.
اشتريته لأحوّل طمعهم إلى ملجأ لنساء أخريات.
ذلك كان جائزتي الحقيقية.
ليس الثلاثة والعشرين مليارًا.
ولا الحسابات.
ولا المفاتيح.
الجائزة كانت أن أجلس في صباح أحد أيام الأحد على شرفة بيتي القديم في بغداد، مع كوب
كانت فقط عمرًا متأخرًا لأواصل التسول من أجل حبٍّ كان يحسبني بالأرقام.