ستة معلمين تركوا المطعم دفعة واحدة ظنًا أن نهايته اقتربت... لكن ما فعلته صاحبة المطعم صدم الجميع!

لمحة نيوز

وفي صباح الافتتاح الجديد، عند الساعة الثامنة، وقبل أن تستيقظ أزقة الكرادة بالكامل، بدأت مجموعة من الناس تتجمع أمام اللوحة الجديدة.
كانوا يقفون ويقرؤون الاسم بفضول.
ميسون رايس باول؟
قال أحدهم وهو يضحك
يعني أم مروان صاحبة الصمون هسه راح تبيع رز؟
وأخرج شخص آخر هاتفه وبدأ يصور.
قال بصوت ساخر
شباب، بيت التنور البغدادي انتهى. تعالوا شوفوا أغرب قرار تجاري في بغداد.
كنت أقف خلف الكاونتر الزجاجي الجديد.
أرتدي مئزرًا أبيض.
وشعري مربوط إلى الخلف.
أمامي أوعية الأرز الساخن يتصاعد منها البخار، وأنواع مختلفة من المرق، وقطع الدجاج المتبلة، واللحم المشوي، والحمص، والفاصوليا، والخضار المشوية، والبصل المقرمش، وصلصة اللبن، والدبس، والبهارات الخاصة.
كانت الخالة أم حسين تقف خلفي.
الخوف واضح على وجهها، لكن عينيها كانتا تحملان شيئًا من الثقة.
قالت بصوت منخفض
بنتي... أول يوم راح يكون ثقيل.
ابتسمت وقلت
خالة، أول يوم دائمًا يكون ثقيل. لكن السؤال الحقيقي... منو يقدر يشيل ثقله؟
في تمام الساعة التاسعة، رفعت الباب الحديدي بالكامل.
دخل أول زبون.
كان من زبائننا القدامى، اسمه علي.
كان كل يوم اثنين يأتي ليأكل صمونًا حارًا مع الكباب والسلطة.
اقترب من الكاونتر وقال
أم مروان، إذا خلص المزاح، حضريلي طلبي المعتاد.
قلت بهدوء
اليوم ماكو صمون يا أستاذ علي. اليوم عدنا

منيو جديد.
ضحك وقال
يعني فعلًا ناوية تكملين بهالشي؟
قلت
نعم.
قال وهو يهز رأسه
زين، سوّيلي بولة وحدة. بس إذا طلعت مو طيبة، أروح للمقهى المقابل وأقول للناس إن بيت التنور خلص.
أومأت برأسي وقلت
احچي اللي تريده... بس ذوق أولًا.
حضرت له أول بولة.
وضعت في الأسفل رزًا معطرًا، وفوقه مرق فاصوليا سميك، وعلى الجانب قطع دجاج مشوي، وعلى الجانب الآخر بطاطا متبلة، ثم أضفت الليمون، وصلصة اللبن، والبصل المقرمش.
عندما وضعت الوعاء أمامه، بقي ينظر إليه لثوانٍ.
قال
شكله حلو.
قلت
وطعمه أحلى.
أخذ أول لقمة.
تغير وجهه.
لم يقل شيئًا فورًا.
أخذ لقمة ثانية.
ثم ثالثة.
نظرت الخالة أم حسين إليّ.
حبست أنفاسي.
وضع علي الوعاء على الطاولة وقال
حضريلي واحد ثاني سفري. أريد أخليه للربع بالشغل يذوقوه.
دق قلبي بقوة في تلك اللحظة، لكنني لم أسمح للفرحة أن تظهر على وجهي.
قلت بهدوء
حاضر.
بدأ الناس الواقفون في الخارج يطلون من الباب.
خلال عشر دقائق جاءت خمسة طلبات.
وخلال نصف ساعة أصبحت خمسة عشر طلبًا.
وقبل الحادية عشرة، كان هناك طابور صغير أمام الكاونتر.
لكن اللعبة الحقيقية بدأت عند الظهر.
وقت الغداء.
في هذا الوقت تحديدًا كان أبو علي يقف قديمًا أمام التنور بثقة وغرور، وكأن كل الكرادة تتحرك بأصابعه.
أما اليوم، فلم تكن هناك أفران تنور.
كانت مكانها خمس محطات
حديثة لتحضير الباولات.

والطلبات تظهر على شاشة صغيرة.
طالبتان جامعيتان كانتا تصوران فيديو.
ودخل شاب معروف بتصوير الطعام على مواقع التواصل وقال
خالة، إنتِ غيرتِ واحد من أشهر مطاعم الصمون ببغداد إلى مطعم رايس باول؟ ليش هالمخاطرة؟
نظرت إليه وقلت
لأن المشروع ما يقوم على وصفة فقط. المشروع يقوم على الاحترام، والنظام، والمستقبل.
ابتسم فورًا وقال
هاي الجملة وحدها تصلح فيديو.
وهذا ما حدث فعلًا.
مع نهاية ذلك اليوم، انتشر فيديو بعنوان
أم مروان صاحبة التنور قلبت بغداد بالرز!
وفي المقهى المقابل، بدأت ضحكات أبو علي ومن معه تخف شيئًا فشيئًا.
في اليوم الثاني، كانوا جالسين في المقهى أيضًا.
لكن هذه المرة لم يكونوا يضحكون كثيرًا.
كانت عيونهم معلقة على اللوحة الجديدة.
في اليوم الثالث، وقفوا يحسبون عدد الداخلين والخارجين.
وفي اليوم الرابع، فهموا أنني لن أبكي ولن أطلب رجوعهم.
لكن في اليوم الخامس جاءني الخبر الحقيقي.
دخل عليّ المجهز القديم أبو سجاد وهو مرتبك.
قال
أم مروان، سمعتي؟
قلت
شنو؟
قال
أبو علي والربع أخذوا محلًا بالزقاق المقابل.
وضعت كأس الماء من يدي بهدوء.
قلت
جيد.
قال
وسمّوه بيت الصمون الأصلي.
وضعت الخالة أم حسين يدها على رأسها وقالت
يا ستار!
سألته
وبعد؟
اقترب أبو سجاد وقال بصوت منخفض
يحچون للناس إن الطعم الأصلي صار يمهم.
ويقولون إن وصفة بيت التنور البغدادي كانت وصفتهم من البداية. يريدون يسحبون زبائنچ القدامى.

صمتُّ للحظات.
قالت الخالة أم حسين بغضب
بنتي، اشتكي عليهم. هذا غش.
قلت بهدوء
لا خالة... مو هسه.
قالت
ليش؟
قلت
لأن اللي يظن إن المطعم يقوم على التنور وحده... خليه يشيل التنور كله ويجرب.
بعد أسبوع افتتحوا محلهم.
كانت اللوحة حمراء وصفراء، ومكتوب عليها بخط كبير
الطعم القديم بأيدي المعلمين الأصليين
وتحتها بخط أصغر أسماء الستة
أبو علي، أبو مصطفى، حيدر، قاسم، كرار، أحمد.
في يوم الافتتاح، تجمع الناس.
ذهب بعض الزبائن القدامى إليهم.
كنت أراقب من خلف الكاونتر.
لم أشعر بالغيرة.
لكنني شعرت بألم.
في النهاية، عملنا معًا اثني عشر عامًا.
ساعدت أمهاتهم عندما مرضن.
دفعت رسوم مدارس أبنائهم حين تعثروا.
أرسلت الهدايا في أعراسهم.
ومنحتهم مكافآت في الأعياد والمواسم.
لكنهم في النهاية ظنوا أنني مجرد امرأة تجلس خلف صندوق الحساب.
في اليوم الأول، اشتغل محلهم جيدًا.
وفي اليوم الثاني بقيت عندهم زحمة.
وفي اليوم الثالث أيضًا.
لكن في اليوم الرابع بدأت الشكاوى.
الصمون مو مثل قبل.
الزيت زايد.
الخدمة بطيئة جدًا.
الحساب بيه غلط.
العمال يتشاجرون قدام الناس.
وفي اليوم السادس، دخل زبون قديم عندي.
طلب بولة بصمت.
وبينما كان يأكل، قال
أم مروان... ذكرتيني بأيام
المطعم القديم.

قلت
الصمون موجود هناك.
ابتسم وقال
الصمون موجود... بس الثقة مو موجودة.
في تلك الليلة جلست وحدي حتى وقت متأخر.
كان المحل مغلقًا.
والخالة أم حسين تضع ماء الورد قرب الزاوية القديمة كما كانت تفعل دائمًا.
هدأت أصوات الكرادة في الخارج.
فتحت دفتري القديم.
ذلك الدفتر الذي حمل اثني عشر عامًا من المبيعات، والمصاريف، وأسماء المجهزين، وتفضيلات الزبائن، وحركة المواسم، وزحمة الأعياد، وكل تفصيل صغير.
كان أبو
تم نسخ الرابط