لم أثق بزوجتي يومًا
أموال؟
شعرت بألم حاد في مؤخرة رقبتي.
وقلت
الأموال التي كنت أرسلها إليك طوال هذه السنوات.
وضعت الإبريق على الطاولة ببطء شديد.
ثم قالت
آه... تلك الأموال.
تلك الأموال.
قالتها وكأنها تتحدث عن شيء عادي.
عن قطعة أثاث قديمة أو غرض منسي.
لا عن عشر سنوات من عمري.
فقلت بحدة
نعم يا أمي... تلك الأموال.
جلست قبالتي.
ثم سألت
ولماذا تريدها الآن؟
أجبت
أنا وزينب ننوي شراء منزل.
تغير تعبير وجهها.
لم يكن تغيرًا كبيرًا.
لكنه كان كافيًا.
رأيت ظلًا عابرًا يمر في عينيها.
ثم سألت
هل عرفت زينب بالأمر؟
قلت
نعم.
أطبقت شفتيها على بعضهما.
ثم قالت
كنت قد أخبرتك ألا تخبرها.
تنهدت وقلت
لم آتِ إلى هنا لنناقش ذلك.
أريد فقط أن تعيدي إليّ أموالي.
نظرت نحو النافذة للحظة.
ثم أعادت نظرها إليّ.
وقالت
لا أستطيع.
تسارعت ضربات قلبي فورًا.
وشعرت وكأن شيئًا ثقيلًا سقط داخل صدري.
فقلت
ماذا تعنين بأنك لا تستطيعين؟
قالت
المال غير متوفر.
حدقت فيها غير مصدق.
ثم سألت
هل استثمرته في شيء ما؟
لم تجب.
فقلت بصوت أعلى
أمي.
نهضت من مكانها.
وقالت
تعال معي.
تبعتها.
وأصبحت خطواتي ثقيلة بشكل غريب.
سارت نحو غرفتها.
ثم دخلت وأغلقت الباب خلفنا.
الباب نفسه.
الباب الذي كنت أقف خلفه وأنا طفل أستمع إلى نصائحها الطويلة عن النساء.
وعن المال.
وعن الخيانة.
وفي تلك اللحظة...
بدأت أخشى أن تكون الخيانة التي حذرتني منها طوال حياتي قادمة من مكان لم أتوقعه أبدًا.
فتحت أمي خزانة الملابس.
ثم أخرجت ملفًا كبيرًا مليئًا بالأوراق ووضعته فوق السرير.
بدأت أقلب محتوياته.
إيصالات.
عقود.
كشوفات حسابات.
سندات ملكية.
أوراق قروض.
فواتير لمواد بناء.
أوراق شراء سيارة جديدة.
مستندات تخص الطابق الإضافي الذي بُني فوق المنزل.
وعقود لأرض وعقار آخر في المنطقة.
كل شيء تقريبًا كان مسجلًا باسم أمي.
وجزء منه باسم أخي سامر.
أما أنا...
فلم يكن اسمي موجودًا في أي ورقة.
شعرت بأن الهواء اختفى من الغرفة.
ونظرت إليها غير مصدّق.
ثم سألت
ما هذا؟
فأجابت
أموالك وهي تعمل.
قطبت حاجبي.
وقلت
تعمل لصالح من؟
رفعت ذقنها قليلًا وقالت
لصالح العائلة.
فقلت بحدة
وأنا ألست من العائلة؟
أجابت
بالطبع أنت من العائلة يا أحمد.
صرخت
إذًا لماذا لا يوجد شيء واحد باسمي؟
ردت دون تردد
لأنك تعيش في بغداد.
لديك وظيفة مستقرة.
ولديك زوجة.
ثم أضافت
أما سامر فقد بقي هنا.
شعرت بحرارة الغضب تشتعل في وجهي.
وقلت
يا أمي... كنت أرسل لك المال لتحتفظي به من أجلي.
عبست قليلًا.
ثم قالت
لكننا لم نوقع أي اتفاق.
كانت تلك الجملة أشبه بطعنة.
ليست طعنة قانونية...
بل طعنة أم لابنها.
حدقت فيها وقلت
ماذا؟
قالت
لم نوقع أي ورقة يا أحمد.
أنت كنت ترسل المال لأنك أردت مساعدتنا.
هززت رأسي بعنف.
وقلت
لا.
كنتِ تقولين لي دائمًا إن أموالي في أمان عندك.
فأجابت بلا أي شعور بالذنب
وكانت في أمان.
ثم أضافت
على الأقل لم تصل إليها يد زينب.
وقفت في مكاني أحدق إليها.
دون أن أقول شيئًا.
وفي تلك اللحظة رأيت الحقيقة كاملة لأول مرة.
ذلك المنطق المشوه الذي عاشت به أمي طوال تلك السنوات.
لم يكن مهمًا أنها أنفقت المال.
ولم يكن مهمًا أن أخي سامر يعيش اليوم من مدخراتي.
ولم يكن مهمًا أن زواجي بدأ ينهار بسبب انعدام الثقة.
كل ذلك لم يكن يعني لها شيئًا.
أما الانتصار الحقيقي في نظرها...
فكان أن زينب لم تقترب من تلك الأموال.
همست بصوت مرتجف
لقد سرقتِني.
وضعت يدها على صدرها وكأنني وجهت إليها إهانة لا تُغتفر.
وقالت بحدة
إياك أن تكلمني بهذه الطريقة.
نظرت إليها وقلت
لقد أخذتِ مني ثلاثمائة ألف دولار.
ارتفع صوتها فورًا
أنا أمك.
أنا من أنجبتك وربيتك.
فأجبتها دون تردد
وأنا أعطيتك مستقبلي كله.
تصلبت ملامح وجهها.
ثم قالت ببرود
لا تكن جاحدًا.
عندها انفجرت ضاحكًا.
لم تكن ضحكة طبيعية.
كانت ضحكة مكسورة وقبيحة خرجت رغماً عني.
ثم قلت
جاحد؟
وأشرت إلى الأوراق المنتشرة فوق السرير.
أتقصدين أن أكون ممتنًا لهذا؟
قالت
كل ما تره هنا سيصبح لك يومًا ما.
حدقت فيها غير مصدّق.
ثم سألت
متى؟
عندما يقرر
أم عندما ترحلين عن الدنيا؟
صمتت.
أما أنا فتابعت بصوت يزداد مرارة
أم عندما تتركني زينب نهائيًا بعدما تكتشف أن المرأة التي كنت أثق بها أكثر من زوجتي طوال هذه السنوات...
توقفت للحظة.
ثم قلت
لم تكن زوجتي أصلًا.
بل كنتِ أنتِ.
صفعتني أمي.
لم تكن صفعة قوية.
لكنها كانت كافية.
بقيت واقفًا في مكاني دون أن أتحرك.
لم أعد طفلًا منذ سنوات طويلة.
ومع ذلك...
لثانية واحدة فقط شعرت وكأنني عدت ذلك الصبي الصغير الذي كان يجلس أمام أمه ويستمع إلى قصص النساء الخائنات والطامعات.
الصبي الذي صدق كل كلمة.
دون أن يدرك أن الشخص الذي كان يعلمه الخوف من الجميع...
كان يبني في الوقت نفسه الطريق الذي سيقوده إلى خسارة كل شيء.
ثم قالت أمي الجملة التي حطمت ما تبقى بداخلي
زينب كانت الشخص الوحيد الذي لم يكن يريد مالك يا أحمد.
ساد الصمت.
صمت ثقيل ومخيف.
ورأيت الندم يمر في عينيها فور خروج الكلمات من فمها.
لكن الأوان كان قد فات.
لأن تلك الجملة فتحت بابًا ظل مغلقًا داخلي لسنوات.
فجأة بدأت أرى كل شيء بوضوح.
زينب لم تطلب مني يومًا سيارة فاخرة.
ولم تطلب مجوهرات.
ولم تسألني عن راتبي لتسيطر عليه.
ولم تحاول الوصول إلى أموالي.
كل ما طلبته كان حسابًا مشتركًا.
ومنزلًا نبنيه معًا.
وخطة لمستقبل يجمعنا.
كانت تطلب الثقة فقط.
أما أنا...
فخوفًا من أن تسلبني أموالي يومًا ما...
منحتها كلها للشخص الذي علمني أن أخاف منذ البداية.
خرجت من الغرفة دون أن أنطق بكلمة واحدة.
كنت أحمل الملف بين يدي.
وأشعر وكأن كل ورقة بداخله تضيف وزنًا جديدًا فوق صدري.
لحِق بي سامر إلى الحديقة قبل أن أصل إلى سيارتي.
وقال
لا تتصرف بتهور يا أحمد.
ثم أضاف
البيت لأمي أيضًا.
التفت إليه ونظرت في عينيه مباشرة.
وسألته
هل كنت تعلم؟
تردد للحظة.
ثم قال
أمي أخبرتني أنك موافق.
شعرت بشيء يشتعل داخلي.
وقلت
موافق على ماذا؟
على أن تُسجل ممتلكات اشتُريت من مالي باسمك؟
هز كتفيه بلا اكتراث.
وقال
أنت تعمل في وظيفة جيدة.
ودخلك
في تلك اللحظة...
أردت أن ألكمه.
أردت أن أفرغ فيه كل الغضب الذي تراكم داخلي خلال السنوات الماضية.
لكنني لم أفعل.
ربما لأنني فهمت الحقيقة أخيرًا.
في هذه العائلة...
لم أكن الابن الذي ظننته يومًا.
كنت مجرد مصدر للمال.
مجرد حساب مصرفي يمشي على قدمين.
أمسكت الملف بقوة.
ثم اتجهت نحو الباب.
أسرعت أمي خلفي حتى وصلت إلى المدخل.
وقالت بقلق
إلى أين ستذهب؟
نظرت إليها.
ثم أجبت
سأحاول معرفة ما الذي يمكنني استعادته.
تغير وجهها فورًا.
وقالت بحدة
لن ترفع دعوى على أمك.
توقفت عند الباب.
ولأول مرة في حياتي...
لم أشعر أنني أقف أمام أمي.
بل أمام الشخص الذي أخذ مني أكثر مما أخذ أي غريب يمكن أن أقابله في حياتي.
توقفت لحظة.
ثم نظرت إليها وقلت
لا.
لن أقاضي أمي.
سأقاضي المرأة التي استغلت كونها أمي لتسلبني كل شيء.
أدركت من ملامحها أن كلامي أصابها.
لكنه لم يكن كافيًا.
غادرت المنزل واتجهت إلى وسط المدينة.
كنت بحاجة إلى مكان أستطيع فيه إجراء مكالمة بهدوء.
أخرجت هاتفي.
واتصلت بزينب.
رن الهاتف عدة مرات قبل أن تجيب.
وكان أول ما قالته
هل استعدت المال؟
فتحت فمي لأتكلم.
لكن الكلمات لم تخرج.
ساد الصمت.
ثوانٍ قليلة فقط.
لكنها كانت كافية.
فقد فهمت الحقيقة قبل أن أنطق بها.
قالت بصوت خافت
أحمد...
أغمضت عيني.
ثم قلت
لم يعد موجودًا.
ساد صمت طويل بيننا.
ثم سألت
لا شيء؟
أجبت
أنفقته.
على المنزل.
وعلى سامر.
وعلى أراضٍ وعقارات.
كل شيء مسجل باسمها أو باسمه.
سمعت زينب تزفر ببطء.
ثم قالت
أنا آسفة.
وعندها...
انهرت.
لأنها لم تقل
لقد حذرتك.
ولم تقل
هذا ما تستحقه.
ولم تشمت بي.
كل ما قالته كان
أنا آسفة.
المرأة التي عاملتها لسنوات وكأنها تهديد...
كانت لا تزال تملك من الرحمة ما لا أستحقه.
شعرت بغصة تخنقني.
وقلت
سامحيني يا زينب.
ردت بعد لحظة
لا أستطيع أن أفعل ذلك عبر الهاتف.
قلت بسرعة
سأصلح كل شيء.
فأجابت بهدوء
لا تفعل ذلك من أجلي.
ثم أضافت
افعله لأنك أخيرًا فهمت من الشخص الذي علّمك أن تعيش خائفًا
أغلقت زينب المكالمة.
وبقيت واقفًا في مكاني.
في ساحة المدينة.
حولي كان الناس يواصلون حياتهم بشكل طبيعي.
أطفال يركضون ويضحكون.
باعة ينادون على بضاعتهم.
أحاديث تتداخل من كل اتجاه.
وسيارات تمر دون أن تكترث بما حدث لي.
كل شيء كان يتحرك.
إلا أنا.
كنت أشعر وكأن الزمن توقف فجأة.
وفي صباح