لم أثق بزوجتي يومًا

لمحة نيوز

لم أثق بزوجتي يومًا.
ولهذا كنت أرسل كل مدخراتي إلى والدتي...
لكن في اليوم الذي عدت فيه إلى مدينتي لاسترداد أموالي، دمّرت جملة واحدة حياتي بالكامل.
وفي إحدى الليالي، وبعد خلاف بسيط بيننا، قالت لي زينب جملة ما زلت أتذكرها حتى اليوم بكل تفاصيلها...
جملة واحدة فقط.
قالت لي زينب تلك الليلة
ليس ما يؤلمني أنك لا تريد فتح حساب مشترك معي يا أحمد... ما يؤلمني أنك تنظر إليّ وكأنني غريبة عنك وكأنني غير موثوق بها
وضعت الملعقة جانبًا.
وقلت بضيق
لا تبدئي من جديد.
هزّت رأسها بهدوء وقالت
أنا لا أبدأ شيئًا... أنا فقط بدأت أفهم.
كان صوتها هادئًا.
وذلك ما جعل الأمر أسوأ.
فعندما كانت تغضب أو ترفع صوتها، كنت أجد دائمًا ما أجادل به.
أما عندما تتحدث بهذا الهدوء...
فكانت تتركني مكشوفًا أمام الحقيقة.
قلت
أنا فقط أتخذ احتياطاتي.
نظرت إليّ طويلًا.
ثم قالت
لا، أنت لا تتعامل معي بحذر يا أحمد.
وتابعت بعد لحظة
أنت لا تثق بي. والمشكلة أنني لم أفعل شيئًا يدفعك إلى ذلك.
شعرت بموجة غضب تجتاحني.
لأنها كانت محقة.
ولأنني لم أكن أريد الاعتراف بذلك.
فقلت بحدة
إذًا أصبحت أنا المخطئ لأنني أحافظ على مالي؟
خفضت زينب نظرها إلى الدفتر الذي كان أمامها.
ثم أغلقته ببطء.
وقالت
لا يا أحمد.
ثم رفعت عينيها نحوي وأضافت
المؤلم حقًا أنك ما زلت تقول مالي... حتى عندما نتحدث عن حياتنا.
بقيت كلماتها معلقة بيننا.
ثقيلة.
وصامتة.
ولم نتشاجر بعد ذلك.
لكننا نمنا تلك الليلة وظهورنا متقابلة.
كنت مستيقظًا.
وكانت هي أيضًا مستيقظة.
كنت أعرف ذلك...
من صوت أنفاسها في الظلام.
في اليوم التالي، أرسلت إلى والدتي مبلغًا إضافيًا من المال.
ليس لأنني كنت مضطرًا إلى ذلك.
بل بدافع العناد.
وكأن كل حوالة جديدة كانت وسيلتي لإقناع نفسي بأنني لست ساذجًا.
لم يمر وقت طويل حتى وصلني ردها
أحسنت يا بني. أموالك في أمان هنا. والمرأة لا ينبغي أن تعرف كل شيء.
قرأت الرسالة وأنا في طريقي إلى العمل.
وشعرت براحة مؤقتة.


راحة ظننتها أمانًا.
لكنني أدركت لاحقًا أنها لم تكن سوى خوف اعتدت التعايش معه حتى ظننته أمرًا طبيعيًا.
ومرت السنوات.
وتوقفت زينب عن فتح ذلك الموضوع نهائيًا.
أما أنا، فاعتبرت ذلك انتصارًا.
وكم كنت مخطئًا.
فالمرأة التي تتوقف عن طلب الثقة لا تكون دائمًا قد اقتنعت بما تفعله.
أحيانًا تكون قد بدأت تودعك بصمت.
واصلنا العيش تحت سقف واحد.
نتناول الطعام معًا.
نتقاسم المصروفات.
نزور الأسواق في عطلة نهاية الأسبوع.
ونحضر المناسبات العائلية وأعياد الميلاد.
بدا كل شيء طبيعيًا من الخارج.
لكن شيئًا ما كان قد انطفأ بيننا.
لم تعد زينب تريني دفتر حساباتها.
ولم تعد تتحدث عن شراء منزل.
ولم تعد تسألني كم ادخرت من المال.
أما أنا...
ففسرت صمتها على أنه راحة.
ولم أدرك أنه كان شيئًا آخر تمامًا.
إلى أن جاء أحد أيام شهر نوفمبر.
كنا قد انتهينا للتو من معاينة شقة معروضة للبيع في بغداد.
كانت شقة قديمة نسبيًا، بأرضيات جميلة، ومطبخ صغير، وشرفة واسعة بما يكفي لتضع فيها زينب جميع نباتاتها التي تحبها.
لم تكن فاخرة.
لكنها كانت مليئة بالضوء.
توقفت زينب أمام المبنى، ثم التفتت نحوي وقالت
أعجبتني.
نظرت إليها ثم قلت
سعرها مرتفع.
فأجابت بهدوء
لن يكون كذلك إذا دفعنا دفعة أولى مناسبة.
في تلك اللحظة شعرت بانقباض حاد في صدري.
ثلاثمائة ألف دولار.
سري الكبير.
مصدر شعوري بالأمان.
والشيء الذي كنت أظنه طوق النجاة إذا انهارت حياتي يومًا.
نظرت إليّ زينب وقالت
هل لديك مدخرات يا أحمد؟
التزمت الصمت.
صمتًا أطول مما ينبغي.
وكان ذلك كافيًا.
فقد فهمت قبل أن أنطق بأي كلمة.
قلت أخيرًا
نعم... لدي مدخرات.
امتلأت عيناها بأمل حذر.
وسألت
كم تبلغ؟
ابتلعت ريقي بصعوبة.
ثم قلت
قرابة ثلاثمائة ألف دولار.
وضعت يدها على فمها من شدة الصدمة.
لم تبتسم.
ولم تفرح.
بل قالت بصوت خافت
ثلاثمائة ألف دولار؟
أومأت برأسي.
وقلت
كنت أدخرها طوال هذه السنوات.
سألتني
وأين هي؟
وهنا...
بدأ كل شيء ينهار.
لأن الكذبة
قد تعيش سنوات طويلة.
لكنها قد تموت بسبب سؤال واحد بسيط.
سؤال لا يحتاج أكثر من إجابة صادقة.
فنظرت إليها وقلت
عند أمي.
لم ترمش زينب حتى.
حدقت في وجهي وقالت
أرسلت ثلاثمائة ألف دولار إلى والدتك؟
قلت بسرعة
ليس دفعة واحدة.
فقالت بمرارة
رائع... إذًا هذا يجعل الأمر طبيعيًا تمامًا.
لسعتني سخريتها.
فقلت
كانت أموالًا محفوظة في مكان آمن.
سألتني فورًا
آمنة ممن؟
ثم أضافت
مني أنا؟
لم أجب.
فتراجعت خطوة إلى الخلف وقالت
قل لي الحقيقة يا أحمد... منذ متى وأنت ترسل لها المال؟
أجبت
منذ ما قبل زواجنا.
سألت
واستمررت طوال سنوات زواجنا؟
قلت
نعم.
غطت وجهها بكلتا يديها.
وعندما أنزلتهما لم تكن تبكي.
وذلك كان أكثر ما أخافني.
قالت بصوت منخفض
كنت أسدد الفواتير وأنا أعتقد أننا بالكاد نستطيع تدبير أمورنا.
ثم تابعت
حرمت نفسي من أشياء كثيرة.
كنت أحسب كل دينار.
وبعت سيارتي ذات يوم حتى أسدد دينًا يخص المنزل.
وأنت كنت ترى كل ذلك أمامك... ولم تقل شيئًا.
قلت محاولًا الدفاع عن نفسي
كنت أفعل ذلك من أجل مستقبلنا أيضًا.
هزت رأسها وقالت
لا.
ثم نظرت إليّ مباشرة.
كنت تفعله من أجل خوفك.
أردت أن أجادلها.
أن أشرح لها.
أن أبرر ما فعلته.
لكن الكلمات لم تأتِ.
كل ما خطر في ذهني كان كلام أمي.
وللمرة الأولى بدا ذلك الكلام قبيحًا في أذني.
أخذت زينب نفسًا عميقًا.
ثم قالت
اذهب وأحضر أموالك.
نظرت إليها باستغراب.
ماذا؟
قالت
اذهب إلى البصرة.
أعد المال إلى هنا.
إن كان موجودًا فعلًا.
وإن كان كاملًا كما تقول.
وإن كان حقًا من أجل مستقبلنا.
ثم أضافت
عندها فقط سنتحدث بشأن شراء المنزل.
قلت
وماذا لو لم أذهب هذا الأسبوع؟
نظرت إليّ نظرة لم يكن فيها غضب.
بل إرهاق عميق.
وقالت
عندها لا تتحدث أبدًا عن مستقبلنا مرة أخرى.
في صباح اليوم التالي، أخذت إجازة من عملي.
وانطلقت بسيارتي نحو البصرة.
وكان هناك شعور ثقيل يستقر في صدري طوال الطريق.
وعند كل كيلومتر كنت أفكر في زينب.
في دفترها الصغير.
في نباتاتها
التي كانت تعتني بها كل صباح.
وفي كل مرة دفعت ثمن دواء أو إصلاح أو حاجات المنزل من مالها الخاص...
بينما كانت مدخراتي تسافر إلى والدتي عامًا بعد عام، وكأنها جنود مخلصة تخدم خوفي وعدم ثقتي.
لطالما أثارت العودة إلى البصرة شيئًا غريبًا داخلي.
الطرق الطويلة.
الأحياء القديمة.
رائحة البيوت التي تحمل ذكريات الطفولة.
وذلك الشعور الممزوج بين الحنين والرهبة.
وصلت بعد الظهر بقليل.
كانت والدتي لا تزال تعيش في المنزل نفسه.
وفي الشارع نفسه.
لكن المنزل لم يعد كما أتذكره.
واجهة جديدة بالكامل.
بوابة حديدية حديثة.
أرضيات جديدة.
وطابق إضافي ما زال العمل فيه مستمرًا.
وأحواض زهور كبيرة تزين المدخل.
ونوافذ حديثة لم تكن موجودة من قبل.
للحظة واحدة فقط...
شعرت بالفخر.
ثم أعقب ذلك شعور بارد من القلق.
خرجت أمي لاستقبالي.
كانت ترتدي مئزرًا نظيفًا وقد وضعت شيئًا من الزينة على وجهها.
ابتسمت وقالت
أحمد! لماذا لم تخبرني أنك قادم؟
كانت رائحتها تحمل ذكريات الطفولة.
لكن شيئًا ما في داخلي لم يشعر بالراحة.
فقلت
أريد أن أتحدث معك يا أمي.
تغيرت ابتسامتها قليلًا.
ثم قالت
ادخل أولًا. لقد أعددت الغداء.
دخلت إلى المنزل.
وكانت الصدمة أكبر.
أثاث جديد.
وشاشة تلفاز ضخمة.
وأجهزة منزلية حديثة.
كل شيء بدا مختلفًا.
كان أخي الأصغر سامر يجلس إلى المائدة مع زوجته وطفليه.
وما إن رآني حتى نهض مبتسمًا.
وقال
انظروا من جاء أخيرًا.
ابتسمت له بصعوبة.
بينما كانت عيناي تتجولان في أرجاء المنزل.
كل شيء حولي كان يثير سؤالًا واحدًا.
من أين جاءت كل هذه الأموال؟
كل قطعة أثاث.
كل تجديد.
كل تفصيلة جديدة في المنزل.
بدت وكأنها شُيدت من سنوات تعبي وجهدي.
جلسنا إلى المائدة.
كان الجميع يأكل ويتحدث.
أما أنا فكنت أحرك الطعام في طبقي دون أن أتذوقه.
كانت أمي تتحدث عن الجيران.
وعن الأسعار.
وعن أخبار العائلة.
لكنني لم أسمع معظم ما كانت تقوله.
لأن فكرة واحدة كانت تدور في رأسي بلا توقف.
ثلاثمائة ألف دولار.

ثلاثمائة ألف دولار.
ثلاثمائة ألف دولار.
وبعد أن خرج سامر مع أطفاله إلى الحديقة الخلفية...
وضعت هاتفي على الطاولة.
ونظرت إلى أمي مباشرة.
ثم قلت
يا أمي... أريد استعادة أموالي.
ساد الصمت فورًا.
توقفت أمي عن سكب الماء في الكأس.
ثم نظرت إليّ وقالت
أي
 

تم نسخ الرابط