رحله جويه حكايات صافي هاني
وبصيت على النسر والنجمتين اللي على كتفي في المراية. النظرة اللي في عيني النهاردة كانت نظرة حد واثق من كل خطوة بيخطوها، حد مبقاش مستني تقييم أو نظرة رضا من حد، لأن الشغل فرض احترامه على الكل.
دخلت قاعة الاجتماعات، والوفد الأجنبي كله وقف انتباه تحية ليا. قعدت على رأس الترابيزة، وبدأنا مناقشة بنود الاتفاقية بمنتهى الحسم والمهنية. وأنا بتكلم وبعرض رؤيتنا الأمنية، لمحت من شباك القاعة الطيارات وهي طالعة ونازلة في المطار المدني القريب مننا.. وافتكرت في لحظة سريعة كأنها شريط سينما، الطيارة القديمة، تذكرة السياحية، وكوباية القهوة المدلوقة. ابتسمت في سري وكملت كلامي.
بعد ما خلصنا وتوقيع العقود انتهى، رجعت مكتبي عشان أريح شوية قبل ما أروح. تليفوني الشخصي رن، كانت رضوى.
إزيك يا سيادة اللواء؟ صوتها كان فيه بهجة حقيقية وطاقة مكنتش موجودة زمان.
الحمد لله يا رضوى، إنتي عاملة إيه؟ وشغلك أخباروه إيه؟
كل تمام يا حبيبتي، أنا مكلمة بابا وماما وعازماهم عندي في شقتي الجديدة النهاردة على العشا، وكنت بتمناكي تبقي معانا لو وقتك يسمح.. أنا عاملة لك المكرونة بالبشاميل اللي بتحبيها من إيد ماماتك.
شقتك الجديدة؟ سألتها بابتسامة.
آه، الحمد لله.. نقلت شقة أكبر شوية وفي حتة أحسن، وكل ده من تعبي ومكافئتي الأخيرة في الشغل. مفيش أحسن من لقمة العيش اللي بتيجي بالذمة يا إلهام، الواحد بينام وضميره مرتاح.
حسيت بنبرة فخر في صوتها، فخر حقيقي باللي بتنجزه بنفسها مش باللي كان بيصرفه عليها جوزها من فلوس حرام.
حاضر يا رضوى، هخلص المأمورية اللي في إيدي وأعدي عليكم فوراً.
قفل معاها وأنا حاسة برضا تام. العيلة اللي كانت على شفا الانهيار بسبب الطمع والمظاهر الكدابة، اتأدبت، واتربت من جديد على قيم حقيقية. شريف لسه بيقضي عقوبته، ورضوى بقت ست عاملة ومحترمة وليها كيان، وأبويا وأمي بقوا عايشين فخورين ببنتهم اللواء اللي اسماها بيزلزل الأرض.
نزلت وركبت عربيتي، وطوال الطريق كنت ببص على شوارع القاهرة والناس اللي ماشية في أمان، وبقول لنفسي إن ال 34E مكنش مجرد كرسي في آخر الطيارة.. ده كان نقطة التحول اللي رفعتني لأول الصفوف في الدنيا كلها.
وصلت لبيت رضوى الجديد، ركنت العربية الرسمية ونزلت ومعايا الحراسة اللي أصرت تأمنّي لحد باب العمارة. أول ما طلعت وفتحتلي، شميت ريحة الأكل البيتي اللي بيفكرني
أبويا أول ما شافني واقفة على الباب بملابسي العسكرية، وقف على رجليه وفرد ظهره، وعينيه لمعت بالفخر أهلاً يا سيادة اللواء.. نور تِ بيتك يا بنتي.
أمي جرت عليا ، ورضوى كانت لابس مريلة المطبخ ووشها عرقان بس ضحكتها كانت مالية وشها، وأول حاجة عملتها إنها خدت مني الكاب العسكري والجاكتة وعلقيتهم في أحسن حتة في الصالة كأنهم قطعتين ديكور غاليين.
قعدنا كلنا على السفرة، ورضوى حطت الصواني وهي بتقول دوقي بقى يا إلهام، المكرونة دي أنا اللي عاجنة ميتها ومسوية لحمتها بنفسي، وماما أشرفت على البشاميل.
أكلنا وضحكنا، ولأول مرة من سنين طويلة، الحوار على السفرة ماكنش عن الماركات، ولا العربيات الزيرو، ولا مين سافر فين ومين اشترى إيه. الكلام كان عن نجاح رضوى في صفقة التسويق الأخيرة لشركتها، وعن صحة بابا وماما، وعن هيبتي وسط وفود العالم. أبويا بصلنا وإيده بترتعش من التأثر وقال أنا النهاردة أقدر أموت وأنا مطمن.. سيبت ورايا ستات بجد، بيعرفوا يشيلوا مسؤولية وبيجيبوا اللقمة بشرفهم وتعبهم.
رضوى بصتلي وقالت بكل نضج عارفة يا إلهام؟ زمان كنت فاكرة إن
طبطبت على إيدها وقلت لها كلنا بنغلط يا رضوى، بس المهم إننا بنتعلم. وإنتي ثبتّي إنك أصيلة ووقفتي على رجليكي من تاني.
بعد العشا، وقفت في البلكونة وبصيت على الهوا النظيف، وأبويا جه وقف جنبي وسند على السور مسافرة تاني قريب يا بنتي؟
عندي مأمورية في بورسعيد الصبح يا بابا، تأمين وتطوير شبكات السيطرة في المحور.
أبويا ابتسم ودعالي تروحي وترجعي بالسلامة يا فخر عيلتنا.
لبست جاكتتي وكابي، ورضوى وبابا وماما وقفوا يودعوني لحد الباب. وأنا نازلة على السلم، سمعت الجيران وهم بيهمسوا لبعض بكل احترام دي سيادة اللواء إلهام.. أخت رضوى اللي ساكنة في الدور الثالث.
ركبت عربيتي وطلعت في طريق بورسعيد، والليل كان ساكت والبلد نايمة في أمان. بصيت في المراية وسألت نفسي يا ترى لو كان الوقت رجع بيا تاني، ورضوى حدفتلي تذكرة الكرسي 34E.. كنت هقبلها؟
وابتسمت.. طبعاً كنت هقبلها، لإن الكرسي ده هو اللي قعدني في أول صف في قلوب عيلتي،