رحله جويه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز


بتمنى إنكم تشوفوني بعينكم مش بعين الفلوس والمظاهر. اللي حصل لشريف ده كان حمايتكم إنتوا كمان، لأنه لو كمل في السكة دي كان جرجركوا معاه.
أبويا مسح دموعه وهز رأسه عندك حق.. عندك حق يا سيادة العميد.
الكلمة طلعت منه بعفوية وفخر حقيقي لأول مرة.
ثاني يوم الصبح، كنت واقفة في صالة كبار الزوار بمطار القاهرة، لابسة بدلي العسكرية كاملة وعلشانها رتبة العميد بتلمع تحت الإضاءة. وفد عسكري كامل كان واقف في استقبالي ومصاحبني لحد باب الطيارة المتجهة لفرنسا.
وأنا داخلة من الممر، كابتن الطيارة وطاقم الضيافة وقفوا كلهم طابور وضربوا تعظيم سلام. المضيفة قربت مني بابتسامة واسعة وبمنتهى الاحترام قالت أهلاً بحضرتك يا فندم.. مقعد سيادتك جاهز في الكابينة الخاصة بالفيرست كلاس، جناح رقم 1A.
ابتسمت وافتكرت كرسي 34E والقهوة المدلوقة، وبصيت من شباك الطيارة على السحاب وأنا متأكدة من حاجة واحدة..
إن اللي بيصنع قيمتك ومكانتك هو تعبك وشرفك وشغلك، مش تذكرة بفلوس فانية، والي يقعد ورا بكرامته وذكائه، مسيره الأيام تدور ويقعد في أول صف.. والكل واقف له انتباه.
قعدت في الكرسي 1A، الطيارة بدأت تتحرك على الممر تمهيداً للإقلاع، وسندت راسي على الكرسي وأنا بحس بالهدوء لأول مرة من تلات شهور.
سافرت فرنسا، وفضلت هناك أسبوع كامل في المؤتمر الدولي للأمن السيبراني. كنت بلقي كلمة مصر قدام وفود من كل دول العالم، وبشرح إزاي قدرنا نطور منظومة حماية رقمية تقفل الباب في وش أي محاولة اختراق، وخصوصاً الواقعة الأخيرة اللي اتسجلت في التقارير الدولية كنجاح باهر لسرعة البديهة والتعامل الأمني. التصفيق اللي ملى القاعة ونظرات الانبهار من خبراء العالم كانت هي التقدير الحقيقي اللي يستاهله السهر والتعب.
لما رجعت مصر،

الأمور بدأت تاخد مجرى هادي ومستقر.
رضوى أختي، بعد ما الصدمة الأولى راحت، بدأت تفوق لنفسها. نزلت من برجها العالي وبدأت تشتغل موظفة علاقات عامة في شركة تسويق صغيرة. المرتب مش كبير، وما يجيش تمن شنطة من الشنط اللي كانت بتشتريها زمان، بس لأول مرة في حياتها بقت تفهم قيمة القرش اللي بييجي من عرق الجبين. مبقتش تتنطط على حد، ولما كانت بتيجي تزور أمي وأبويا في بيتهم، كانت بتقعد ساكتة وبكل أدب.
في يوم، كنت معزومة عندهم على الغدا.. كان أول تجمع عائلي من يوم الحادثة.
دخلت البيت بملابس مدنية بسيطة، أول ما رضوى شافتني، وقفت بسرعة وجت عليا. ماكنش في عينيها الغل ولا الغيرة بتاعة زمان، كان فيه نظرة انكسار مخلوطة باحترام حقيقي.
حمد الله على سلامتك من السفر يا إلهام، قالتها بصوت واطي.
الله يسلمك يا رضوى، إزيك وإزاي شغلك؟
دموعها رقرقت في عينيها وقالت الحمد لله.. الشغل مخليني أحس إني بني آدمة تانية. أنا كنت عايشة في وهم يا إلهام.. شريف كان مالي عيني بالفلوس والمظاهر، وكنت فاكرة إن دي كل حاجة في الدنيا. أنا أسفة على كل لحظة تعالي اتعاملت بيها معاكي.. أنا بجد فخورة إنك أختي.
أمي قربت مننا وأخدتنا إحنا الاتنين وهي بتعيط، وأبويا كان قاعد بيبص لنا والابتسامة راجعة لوشه من تاني. في اللحظة دي، حسيت إن القضية دي ما حمتش بلد بس، دي حمت عيلتي كمان من نفسهم وطهرتهم من مرض المظاهر الكدابة.
قعدنا كلنا على السفرة، وأبويا قعدني على رأس الترابيزة، في المكان اللي كان دايماً بيقعد فيه شر
يف. بصيت لصحن الأكل وافتكرت إن الحياة دي غريبة جداً.. بتلف وتدور عشان تحط كل واحد في مكانه الصح.
تليفوني رن، كان إشعار من قيادة العمليات. قمت من على السفرة واستأذنتهم عشان ورايا مأمورية شغل جديدة.

وأنا خارجة من الباب، التفت وبصيت لهم وقلت بابتسامة يلا، أشوفكم على خير.. الطيارة الجاية بتاعتي مابتستناش.
خرجت وركبت عربيتي، وأنا عارفة ومطمنة إن خلاص.. القصة دي اتقفلت للاخر، والست اللي كانوا فاكرينها بتاعت الكمبيوتر، بقت هي الدرع اللي بيحمي ضهرهم.. وهم وراها في أمان.
مرت سنة كاملة على أحداث الطيارة.
في السنة دي، الأمور استقرت تماماً وكل واحد عرف مقامه وحجمه الطبيعي. شريف بقاله سنة كاملة بيقضي عقوبته، والملف بتاعه اتقفل ومبقاش حد يجيب سيرته في العيلة، كأنه كان كابوس وصحينا منه. رضوى أختي نجحت في شغلها الجديد واتركت وبقت مديرة قسم، والقرش اللي بتجيبه من عرقها غير شخصيتها ونظرتها للحياة؛ ملامحها بقت أهدى، وبطلت تهتم بالمنظرة والماركات، ولما بنتقابل مبقاش يفارق لسانها كلمة يا سيادة العميد بكل فخر واحترام ومحبة حقيقية.
وفي يوم جمعة، جالي اتصال على تليفوني المؤمن من مكتب وزير الدفاع.
سيادة العميد إلهام.. صدر قرار جمهوري بترقية سيادتك لرتبة لواء وتعيينك مديراً لإدارة الحرب الإلكترونية بأكملها، تقديراً لجهودك وتميزك في حماية الأمن القومي. حفل التقليد غداً بوزارة الدفاع.
الخبر نزل عليا بفرحة وفخر ميتوصفوش، السهر والتعب السنين دي كلها وتفضيل شغلي على حياتي الشخصية كان تمنه الغالي هو اللحظة دي. رتبة لواء مش مجرد ترقية، دي مسؤولية أضخم وثقة غالية من قيادة البلد.
أول حاجة عملتها، كلمت أبويا وأمي وقلت لهم على الخبر. أبويا صوته مخنوق بالدموع من الفرحة وقال أنا وأمك ورضوى هنكون أول الحاضرين يا سيادة اللواء.. ده أعظم يوم في عمري.
ثاني يوم الصبح، في قاعة الاحتفالات الكبرى بوزارة الدفاع، كنت واقفة برستيجي وهيبتي ببدلتي العسكرية، وأبويا وأمي ورضوى قاعدين في الصفوف
الأولى وعينيهم مش مفارقاها الدموع والفخر. تقدمت للمنصة، وتم تقليدي النسر والنجمتين.. رتبة اللواء.
القاعة كلها صقفت، وبصيت على عيلتي، شفت أبويا وهو واقف بيصقف ومرفوع الرأس وسط قادة الجيش، شفت أمي وهي بتدعيلي بقلبها، ورضوى اللي كانت بتصورني وفرحتها واصلة للسما.
بعد الحفلة، اتجمعنا كلنا في صالة الاستقبال. أبويا قرب مني، ووقف قدامي بكل هيبة وضمني بقوة وقال مبروك يا سيادة اللواء.. مبروك يا بنتي اللي شرفت اسمي وخليتيني أمشي وسط الناس رافع راسي.
رضوى جت وهي بتضحك ألف مبروك يا سيادة اللواء.. أنا من هنا ورايح هكتب على باب شقتي هنا تقيم أخت سيادة اللواء إلهام!
ضحكنا كلنا من قلبنا
، وحسيت إن الدائرة اكتملت. البنت اللي قعدوها ورا في الطيارة وجنب الحمام، وبصوا لها بنظرة استصغار، بقت هي صاحبة أعلى رتبة وأكبر هيبة في العيلة، وبقى اسمها لوحده حصن وأمان ليهم.
ودعتهم وركبت عربيتي الرسمية ومعايا الحراسة عشان أستلم مهام منصبي الجديد في قيادة الحرب الإلكترونية. وأنا في الطريق، بصيت للنسر والنجمتين على كتفي بابتسامة وثقة، وأنا عارفة إن الرحلة كانت صعبة، بس نهايتها بتثبت حاجة واحدة إن الحق دايماً بيبان، وإن الشغل والشرف هما اللي بيقعدوا البني آدم في أول صف.. والباقي كله كراسي بتطير مع الهوا.
بعد سنتين من الترقية، بقيت قاعدة في مكتبي الجديد في مبنى إدارة الحرب الإلكترونية. المكتب كان واسع، وشاشات المتابعة والتحليل الأمني محاوطة المكان، وصوت الأجهزة وهي شغال بتأمين شبكات البلد مبيفصلش. كنت براجع تقرير أمني دوري لما المساعد بتاعي دخل وضرب تعظيم سلام يا فندم، الوفد العسكري الألماني وصل وقاعد في قاعة الاجتماعات الكبرى في انتظار سيادتك لبدء توقيع بروتوكول التعاون المشترك.

وقفت، عدلت البدلة العسكرية،
 

تم نسخ الرابط