رحله جويه حكايات صافي هاني
والشنطة وقعت من إيده. العساكر كلبشوه في ثانية وهو بيصرخ يا إلهام! أنا جوز أختك! اتكلمي! قولي لهم حاجة!
رضوى وقفت بتصوت وتمسك في العساكر إنتوا بتعملوا إيه؟ شريف معملش حاجة! إلهام، إنتي اتجننتي؟ إزاي تعملي في جوزي كده عشان حتة كرسي ورا؟
بصيت لها وقلت بمنتهى الهدوء جوزك خاين يا رضوى، أو على أقل تقدير غبي لدرجة إنه هرب ملفات تودي حبل المشنقة، والغباء في الأمن القومي مفيش فيه سماح. الكرسي اللي ورا ده حماني من قرفه، بس هو خلاص ملوش مكان يقعد فيه غير ورا الشمس.
أبويا وقف وهو مرعوب ومش قادر ينطق، وبصلي كأنه أول مرة في حياته يشوفني.. أول مرة يفهم إن بنته اللي كان بيقعدها جنب الحمام هي اللي بتتحكم في أمن البلد دي كلها.
خرج شريف مجرور وسط العساكر، ورضوى وقعت على الأرض منهارة من الصدمة، والشركة الكبيرة اللي كانوا بيتنططوا بيها علينا اتقفلت بالشمع الأحمر قبل ما الطيارة ركابها ينزلوا.
التفتّ ومشيت برستيجي، وبصيت لكابتن الطيارة وقلت له شكراً يا كابتن على حسن الضيافة، والمرة الجاية.. ابقوا خدوا بالكم من حجوزات الكراسي.
نزلت من الطيارة وسيبتهم ورايا في حالة ذهول تام. رضوى كانت لسه على أرض الصالة بتصرخ وتلطم، وأبويا واقف ساند على الكرسي مبرق، مش مستوعب إن بنته بتاعت الكمبيوتر هي اللي لسه جارة جوز بنته التاني من قفاه على المخابرات الحربية.
ركبت عربية الجيب العسكرية اللي كانت مستنياني على أرض الممر، وطلعت مباشرة على مقر القيادة عشان أتابع التحقيق.
بعد ساعتين بالظبط، وأنا قاعدة في مكتبي بشرب قهوة نضيفة المرة دي ومن غير ما تدلق عليا، الباب خبط ودخل المساعد بتاعي سيادة العميد، والد حضرتك ووالدتك وأختك برة في
ابتسمت ببرود وقلت له خليهم يدخلوا.
الباب اتفتح ودخلوا تلاتتهم، بس المرة دي مفيش بقى مناخير في السما ولا فساتين شيك ولا منظرة. وشوشهم كانت مخطوفة، ورضوى عينيها ورمت من العياط. أبويا دخل بخطوات مرعوشة، ولأول مرة في حياتي أشوفه بيكلمني بنبرة فيها رجاء وخوف إلهام يا بنتي.. إحنا أسفين. إحنا ما كناش نعرف إنك بالمركز ده.. شريف غبي ومستهتر، بس أكيد ما يقصدش يخون البلد. عشان خاطر أختك والفضايح، ارجوكِ حلي الموضوع ودياً.
رضوى جريت عليا ومسكت إيدي وهي بتعيط بوس إيدك يا إلهام.. شريف لو جرى له حاجة أنا هتموت، وشركته وكل فلوسنا هتضيع. أنا أسفة على اللي قلته في الطيارة، وعلى الكرسي، وعلى كل حاجة.. إحنا لحمك ودمك!
شلت إيدها من عليا بمنتهى الهدوء، وقفت ورا مكتبي وبصيت لهم كلهم لحمي ودمي؟ إنتوا ما افتكرتوش اللحم والدم ده وأنا قاعدة وسطكم كأني نكرة، بتتحككوا فيا بالإهانة وتضحكوا، وسايبين جوز الست يتمنظر بفلوسه ويقولي مرتب الحكومة! إنتوا جايبين واسطة لمين؟ جوزك يا رضوى مش بس غبي، ده طلع غرقان لشوشته.
فتحت الفايل اللي قدامي على المكتب وقلت التحقيق الأولي أثبت إن شريف كان بيبع ملفات بنية تحتية لاتصالات دفاعية لشركات برة مصر تحت غطاء مقاولات خاصة، والملف اللي فتحه على شبكة الطيارة كان تسليم شحنة بيانات جديدة، وبسبب غبائه السيرفر الخارجي اخترق الطيارة وكان هيوقعنا كلنا في البحر.
أبويا حط إيده على قلبه وقعد على أقرب كرسي وهو مش قادر يتنفس يا نهار أسود.. يعني شريف بيشتغل ضد البلد؟
شريف كان فاكر نفسه أذكى من السيستم، رديت عليه وأنا بصلهم بكل حسم، ودلوقتي أجهزته كلها اتمسكت، حساباته
رضوى صرخت يعني إيه؟ هتحبسي جوزي وتخربي بيتي يا إلهام؟
بصيت لها وعيني في عينها أنا مابخربش بيوت يا رضوى، أنا بحمي بلد. القانون هياخد مجراه، والواسطة اللي بتدوري عليها ماتت من قبل ما تتولد في المكتب ده.
شاورت للمساعد يدخل يا عسكري، خد الجماعة وصلهم لأقرب بوابة برة المقر العسكري.. والزيارة دي ما تتكررش تاني.
أمي اللي ما نطقتش ولا كلمة من الصدمة، لفت وبصتلي وهي خارجة ودموعها نازلة، كأنها ندمانة على كل لحظة صغرتني فيها عشان ترضي أختي وجوزها.
خرجوا تلاتتهم يجروا أذيال الخيبة، والطيارة اللي كانت طالعة عشان يحتفلوا بعيد جوازهم الأربعين، بقت هي الطيارة اللي كتبت نهاية عزهم المزيف.
أما أنا، فقعدت في مكتبي، عدلت جاكتتي البديلة، وكملت قهوتي وأنا عارفة إن من اليوم ده.. ماحدش في العيلة دي هيجرؤ يرفع عينه فيا، ولا يفكر مجرد تفكير، يقعدني ورا.
مرت تلات شهور على واقعة الطيارة.
في ال 90 يوم دول، الحياة اتت واتقلبت راساً على عقب. القضية اتقفلت بأسرع ما يمكن لأن الأدلة الرقمية اللي سحبتها من اللابتوب بتاع شريف كانت حرز حاسم مفيش فيه ثغرة واحدة. المحكمة العسكرية حكمت عليه بالسجن المشدد 15 سنة بتهمة التخابر غير العمدي وتسريب وثائق أمن قومي تضر بمصالح البلاد، مع مصادرة كل أمواله وأملاك شركته شريف للأنظمة الجوية.
رضوى أختي اتقلب حالها 180 درجة. الفيلا اللي في التجمع اتسحبت لأنها كانت باسم الشركة، والعربيات
أما أبويا وأمي، فالعزلة والكسرة بانوا عليهم. الجيران والمعارف في النادي لما عرفوا بالفضائح وقصة شريف، بطلوا يتعاملوا معاهم، وبقت نظرات الشفقة والهمس تلاحقهم في كل مكان.
في يوم جمعة، كنت قاعدة في بيتي بجهز حاجتي عشان عندي مؤتمر أمني برة مصر الصبح. الباب خبط. فتحت لقيت أبويا واقف، لوحده.
كان باين عليه إنه كبر عشر سنين في الكام شهر دول. ظهره محني، ونظرة الكبرياء والتعالي اللي كانت في عينيه دايماً اختفت تماماً. وقف على الباب ومرديش يدخل غير لما شاور تله ب إيدي.
إزيك يا إلهام يا بنتي؟ قالها بصوت واطي ومبحوح.
الحمد لله يا بابا. اتفضل.
قعد على طرف الكرسي، وفضل يبص في الأرض شوية، وبعدين رفع عينه ليا وقال أنا جاي أقولك كلمتين يا بنتي قبل ما تمشي.. أنا مش جاي أطلب واسطة لشريف، إحنا عرفنا خلاص إنه يستاهل كل اللي جرى له، وإنتي حميتي عِرضنا وبلدنا من مصيبة. أنا جاي أعتذر لك إنتي.
سكتت وسيبته يكمل.
دمعة نزلت من عينه وهو بيقول أنا وأمك غلطنا في حقك كتير. كنا دايماً بنشوف رضوى وجوزها هما الواجهة، هما الفلوس والمنظرة، ونسينا إن الذهب الحقيقي كان قاعد وسطنا في صمت. إحنا اللي قعدناكي ورا يا إلهام في حياتنا قبل ما هي تقعدك في الطيارة.. سامحينا يا بنتي.
بصيت لأبويا، وحسيت بمزيج من الشفقة والعدل. الوجع اللي عيشوهوني سنين اتمحى في لحظة، بس الدرس كان لازم يكمل للاخر.
وقفت، وقربت منه وحطيت إيدي على كتفه المسامح ربنا يا بابا. أنا عمري ما