سخروا من فتاة حفرت قبرها في الثلج… لكنهم طرقوا بابها باكين حين ضربت العاصفة

لمحة نيوز

قطعة القماش المشمّع الوحيدة التي كانت تملكها، وثبّتها بالحجارة عند الأطراف.
ثم جاءت المرحلة الأهم السقف الحيّ.
راحت إلارا تجوب البراري أيامًا، تقطع كتلًا من العشب بمِجرفتها. ولم تكن تقطع أي عشب، بل العشب المحلي العميق الجذور الذي كان ينبت في الأراضي المرتفعة، حيث تتشابك الجذور في شبكة كثيفة تستطيع حمل وزنها من غير أن تنهار. كان سُمك كل قطعة ثلاث بوصات، وعرضها اثنتي عشرة بوصة، وطولها ثماني عشرة بوصة، وكان وزن القطعة الواحدة يقارب أربعين رطلاً إذا كانت رطبة.
حملت أكثر من مئتي قطعة، ورفعتها ورتّبتها فوق سقف الجذوع في ثلاث طبقات الأولى بالعشب إلى الأسفل للإحكام، والثانية بالعشب إلى الأعلى كي يتجذّر من جديد، والثالثة مرة أخرى بالعشب إلى الأسفل، فصنعت شطيرة من تراب حيّ ستتحول مع الوقت إلى غطاء أخضر واحد، لا ينفذ منه الماء ولا الريح، وقادر على إبقاء الحرارة في الداخل مستقرة مهما حدث في الخارج.
بلغت سماكة السقف ما يقرب من قدمين، ووزنه أكثر من طنين، لكن جذوع الحور المرنة القوية حملته من غير أن تئن.
أما الواجهة الأمامية، فقد استخدمت فيها إلارا جذوع الحور الأغلظ التي استطاعت العثور عليها، بقطر ست بوصات، غرستها عموديًا كأنها أوتاد حصن. وملأت الفراغات بين الجذوع بخليط اخترعته بنفسها طين من الجدول، وعشب جاف مفروم، وروث بيسون يابس وجدته في البراري. وكان هذا الخليط، حين يجف، يصير صلبًا كالأسمنت، فيسد كل شق وكل ثغرة يمكن للريح أن تنفذ منها.
وفي وسط الواجهة صنعت بابًا من ألواح مهملة كانت قد وجدتها مجروفة مع السيل على ضفة الجدول بعد عاصفة ربيعية. كان بابًا منخفضًا لا يزيد ارتفاعه على خمسة أقدام، يُجبر من يدخل أن ينحني، لكنه كان سميكًا، متينًا، ومختوم الحواف بطبقة أخرى من الطين.
أما المدخنة فكانت أكبر تحدٍّ واجهها.
لم تستطع إلارا شراء طوب أو حديد أو أنابيب معدنية، فارتجلت بما تملكه. بنت موضع النار بحجارة من النهر اختارتها بعناية لقدرتها على مقاومة الحرارة، وربطتها بطين ممزوج بالرمل. أما أنبوب خروج الدخان، فصنعته من صفائح كيروسين قديمة
كان السيد كارفر قد منحها لها حين رأى إصرارها، فسطحتها ولفّتها وأغلقتها بالطين. وكان الأنبوب يصعد بمحاذاة الجدار الترابي بزاوية خمس وأربعين درجة، ثم يخرج من السقف في الزاوية الخلفية بعيدًا عن الباب حتى لا يعود الدخان إلى الداخل مع الريح.
لم يكن الأمر مثاليًا. كان الدخان يتسرّب من بعض الشقوق في الأيام الأولى، لكن إلارا كانت تسدّها بصبر مرة بعد مرة، حتى أصبحت النار تتنفّس بنظافة، وصار الدفء يبقى في الداخل.
بلغت التكلفة الإجمالية لبيتها بضعة دولارات فقط ثمن القماش المشمّع، والمسامير التي ثبّتت بها الجذوع، ومصباح الكيروسين، وكيس الملح الذي حفظت به اللحم الذي كانت تصطاده. أما كل شيء آخر، فقد استخرجته من الأرض، ومن الجدول، ومن عرقها.
وفي الوقت الذي كانت إلارا تبني فيه مأواها، كان بقية المستوطنين في ميلّرتون يبنون بيوتهم، وكانت تبدو بالمقارنة أعمالاً باهرة من مظاهر الحضارة.
فقد شيّد القبطان أوزبورن بيتًا من طابقين بخشب جُلب بالقطارات من مينيسوتا، فيه نوافذ من زجاج حقيقي، وشرفة واسعة، وموقد من حديد مصبوب بلغت كلفته مئةً وخمسين دولارًا. وكان بيته مفخرة البلدة، مرتفعًا معتدًّا، يُرى من كل تلّ.
أما آل بيترسن فبنوا بيتًا أكثر تواضعًا، لكنه متين كذلك، بجدران من جذوع مصقولة جيدًا وسقف من ألواح خشبية. وكانت فيه ستائر على النوافذ، ومدخنة من طوب مستورد تسحب الدخان سحبًا ممتازًا.
أما آل ليندستروم، بثروتهم المتوارثة، فقد كان لهم بيت يبدو كأنه خارج من السويد مطليّ بالأحمر، ذي إطارات بيضاء، وحظيرة أكبر من معظم بيوت البلدة.
وكان الجميع ينظرون إلى مغارة إلارا ويهزون رؤوسهم شفقة.
يا لها من مسكينة! تعمل كالحمار لتبني قبرها بيديها.
ليتها تعود إلى رشدها قبل فوات الأوان.
لكن إلارا لم تكن تصغي، أو لعلها كانت تسمع ولكنها تعلّمت شيئًا لا تعلّمه إلا أقسى أشكال الفقر أن رأي الآخرين لا يمنحك الدفء في الشتاء، وأن الخجل لا يقتلك، لكن البرد يفعل.
وبحلول سبتمبر، كان بيتها تحت الأرض قد اكتمل.
كان عمقه أربعة أمتار، وعرضه ثلاثة أمتار، وارتفاعه مترين ونصف
في أعلى نقطة. لم يكن كبيرًا، ولا جميلًا، لكنه كان صلبًا، جافًا، وصامتًا على نحو غريب.
في الداخل، لم يكن لدى إلارا إلا الضروري سرير بدائي من أغصان الصفصاف وفراش رقيق، وطاولة صغيرة من لوح خشبي قائم على صندوقين، وصحنان من الصفيح، وقدر، وسكين، وشوكة، وملعقة، وكتبها الثلاثة. وفي الزاوية الخلفية، بعيدًا عن النار، حفرت حفرة صغيرة لتخزين البطاطا واللفت، وعلّقت من السقف لحم أيل مجففًا ملفوفًا بالقماش، كانت قد اصطادته بفخّ مستعار.
وفي أول ليلة نامت فيها داخله، والباب مغلق، والمصباح مضاء، جلست إلارا على سريرها وبكت. لم تبكِ من الحزن، بل من راحة عميقة إلى حدّ أنها آلمتها في الصدر. لأول مرة منذ وفاة أبيها، صار فوق رأسها سقف يخصّها وحدها، مكان لا يستطيع أحد أن يطردها منه بيت.
وفي الخارج كانت ريح البراري تهبّ وتهبّ، أما في الداخل فلم يكن يُسمع إلا حفيف النار اللطيف في موقد الحجارة.
جاء أول برد في أكتوبر، أبكر مما هو متوقّع. وفي صباح من تلك الأيام، استيقظ مستوطنو ميلّرتون فوجدوا الصقيع على الأعشاب، وطبقة رقيقة من الجليد على دلاء الماء. وكان لون السماء قد صار رماديًا شاحبًا، كأنها بطن سمكة نافقة، وكانت الريح تهبّ بحدّة تجرح الجلد.
وفي البيوت الخشبية بدأت العائلات تشعل مواقدها لأول مرة في الموسم، فاكتشفت بقلقٍ متزايد أن الاحتفاظ بالدفء أصعب بكثير مما كانت تظن.
فالقبطان أوزبورن، على الرغم من بيته الكبير ونوافذه الزجاجية، اكتشف أن كل تيار هواء يتسلّل من الشقوق بين الألواح. لقد بنى سريعًا في الصيف من غير أن يحكم سدّ الوصلات، واثقًا من أن الخشب سيتمدد مع الرطوبة. لكن في داكوتا، حيث الهواء جاف كالعظم، كان الخشب ينكمش، تاركًا فراغات تصفرّ منها الريح باستمرار.
وكان موقده يلتهم الحطب بلا انقطاع، فيدفئ هواءً يهرب بالسرعة نفسها التي يدخل بها. علّقت زوجته مارغريت بطانيات على النوافذ، ودسّت خرَقًا في شقوق الأرضية، لكن شيئًا لم ينفع تمامًا. وفي الليل كانت الحرارة داخل البيت لا تكاد تبلغ عشر درجات، وكان الجميع ينامون بمعاطفهم.
أما في بيت آل بيترسن،
فكانت المشكلة مختلفة. كانت مدخنتهم المصنوعة من الطوب تسحب الهواء الساخن أكثر مما ينبغي، فتبتلعه السماء مباشرة. وكان الواعظ يحرق ثلاث دفعات من الحطب في اليوم كله ليحافظ على دفء محتمل، واحتياطيّ الحطب الذي ظنّه كافيًا للشتاء كله بدأ ينقص بسرعة مخيفة.
وفي مزرعة آل ليندستروم، اكتشف أندرس الشاب أن بيته السويدي الجميل، المصمم لشتاءات اسكندنافيا الرطبة، غير مهيّأ لرياح السهول العظمى الجافة القاسية. فالدفء كان يرتفع إلى الطابق العلوي، تاركًا الطابق الأرضي متجمدًا، وكانت النوافذ تتغطى من الداخل بطبقة صقيع، ثم تذوب لتترك قطرات تتجمّد في برك صغيرة على الأرض الخشبية.
لكن في مغارة إلارا برينان كان شيء غريب يحدث.
كانت الحرارة الداخلية، التي كانت في سبتمبر باردة منعشة، قد صارت الآن دافئة. ليست ساخنة، بل دفئًا ثابتًا، محتضنًا، لا يتغيّر بين النهار والليل. وكانت إلارا توقد نارًا صغيرة في موقدها الحجري صباحًا ومساءً، تحرق فيها أغصانًا يابسة تجمعها من غابة الجدول، لكن حاجتها لم تكن كبيرة. فحزمة واحدة من الحطب في اليوم كانت تكفي، وحتى إذا تركت النار تخمد، لم تكن الحرارة الداخلية تتغير إلا قليلاً جدًا.
لقد كانت الأرض تلك الأطنان من التراب التي تحيط بها من كل جانب تعمل كأنها بطارية هائلة للحرارة. كانت قد امتصت حرارة الشمس طوال الصيف، وها هي في أكتوبر تردها ببطء، فتحافظ على حرارة داخلية تتراوح بين اثنتي عشرة وخمس عشرة درجة، مهما جرى في الخارج.
لم تكن إلارا تعرف قوانين الفيزياء بألفاظها، لكنها كانت تعرف الإحساس. كان الأمر كأن الأرض نفسها تحتضنها.
وفي مساء من أواخر أكتوبر، ركب توماس كارفر إلى أرض إلارا حاملاً كيس دقيق كانت قد اشترته من متجره. وكان رجلاً عمليًا، وعلى الرغم من شكّه في عقل الفتاة، فقد كان معجبًا بشجاعتها. وحين وصل إلى مدخل المغارة، اندهش إذ رأى الدخان يخرج صافيًا من الأنبوب الصفيحي في السقف، ورأى إلارا جالسة في الخارج تخيط بطانيتها الوحيدة بإبرة وخيط، من غير معطف، مكتفية بشال خفيف على كتفيها.
قال وهو يهبط من فوق حصانه
آنسة
برينان، الجو بارد في الخارج. ألا
تم نسخ الرابط