أخبرني الطبيب بأن أمامي سبعة أيام فقط لأعيش، لكن زوجي لا يعلم أن وقته أقل من وقتي
هو دورك كزوج، ودورك كرجلٍ ثري، ومستقبلك كله. سبعة أيام منحتني لأموت، أتذكر؟ حسنًا، تلك الأيام السبعة انقلبت عليك اليوم مع الفوائد.
رافق الضباط ليلى وكارمن والأستاذ هيريرا إلى داخل المنزل. كانوا بحاجة إلى إعادة بناء سريعة للوقائع، وإلى العثور على ما تبقى من السم، وتوثيق مسرح الأحداث.
وفي الصالة، جلست ليلى على مقعدٍ كان يخص دون إرنيستو، وكان يجلس عليه دائمًا حين يتخذ قراراته المهمة. والآن لم ترث الابنة المقعد فحسب، بل ورثت السلطة أيضًا.
وقفت كارمن إلى جوارها، تحمل ملفًا مليئًا بالوثائق.
أما برونو، المقيد بالأصفاد، فقد أجلسوه على الأريكة قبالتهما، وعن جانبيه شرطيان.
ومن الطابق العلوي جاءت أصوات صراخٍ وضجيج. فقد كان بعض العناصر يفتشون الغرف. وبعد لحظات، نزلت ضابطة وهي تمسك بذراع امرأةٍ تحاول الإفلات.
كانت لورينا.
كانت قد حاولت الاختباء داخل خزانة، لكنهم وجدوها منكمشة بين المعاطف. وكان مكياجها قد سال من كثرة البكاء، وشعرها مبعثرًا، وثيابها مجعدة. لم يبقَ شيء من صورة العشيقة المتعالية التي ظهرت في الحفل.
أجلسوها إلى جانب برونو.
وما إن وجدته إلى جوارها، حتى انفجرت فيه
كل شيء بسببك! لقد قلتَ إن زوجتك تكاد تكون ميتة، وإن كل شيء قانوني. أنا لم أكن أعرف شيئًا عن السموم!
نظر إليها برونو بغضبٍ ويأس
بل أنتِ من استعجلتني لكي أتخلص من ليلى! أنتِ وديونكِ ونزواتكِ! لولاكِ، لما كنتُ أبدًا
وأخذ الشجار يحتدم بينهما، وتطايرت الشتائم والاتهامات، وانكشفت أمام الشرطة وأمام ليلى تفاصيل قذرة أكثر فأكثر، بينما كانت هي تراقبهما بمزيجٍ من الاشمئزاز والحزن.
فصاح المفتش المسؤول فيهما أن يصمتا.
فعاد الصمت يهبط على المكان.
عندئذٍ نهضت كارمن، ووضعت على الطاولة ظرفًا بلاستيكيًا شفافًا بداخله قنينة صغيرة.
وكان ذلك ما تبقى من السم الذي عُثر عليه في درج سيارة برونو.
ثم تكلمت بثبات امرأةٍ قضت عمرها في قاعات المحاكم.
شرحت خطوةً بخطوة كيف اشترى برونو الزرنيخ من السوق السوداء، وكيف كان يعطيه لليلى على مدى شهور بجرعات صغيرة، وكيف زوّر التواقيع في مستنداتٍ مصرفية، وكيف حاول، حين أحس باقترابه من هدفه، أن ينتزع تنازلًا كاملًا عن أملاكها عن طريق توكيلٍ موثّق.
وكانت كل كلمة تنطق بها مسمارًا آخر في نعش برونو.
ثم نظر المفتش إلى ليلى، وسألها إن كانت تريد أن تقول شيئًا قبل أن يقتادوا المتهمين.
أومأت برأسها، وانحنت قليلًا إلى الأمام.
التقت عيناها بعيني برونو، الذي، رغم مذلته، لم يستطع أن يشيح ببصره عنها.
لم تعد تلك المرأة المستسلمة التي توهّم أنه يسيطر عليها.
بل غدت شخصًا بلغ أقصى الخوف،
قالت
برونو، لماذا؟ لقد قبلتُك حين لم يكن عندك شيء. منحتك بيتًا، ومنحتك فرصةً لتبني عملًا، ومنحتك ثقة. كنت أظن أننا فريق واحد. أما أنت، فمنحتني السم والأكاذيب. ماذا كان ينقصك؟ ماذا فعلتُ بك حتى ظننت أن الحل الوحيد هو أن تقتلني؟
ولم يستطع برونو أن يضبط نفسه.
فانزلق من على الأريكة إلى الأرض، راكعًا عند قدميها تقريبًا، ويداه المقيّدتان أمامه. وأسند جبهته كأنه يريد أن يلامس قدميها، وأخذ يبكي. وهذه المرة لم يكن بكاؤه تمثيلًا، بل رعبًا خالصًا.
شهق قائلًا
لقد أخطأت يا ليلى. أعمَتني الطمع. وكانت لورينا تضغط عليّ. خرج كل شيء عن السيطرة. أقسم لكِ أقسم بالله أنني ما زلت أحبكِ. أرجوك، اسحبي الشكوى. امنحيني فرصةً أخرى. سأفعل أي شيء.
سحبت ليلى قدميها من غير عنف، كمن يبتعد عن شيءٍ لم يعد يخصه.
ثم انحنت قليلًا نحوه، بالقدر الذي يجعل كلماتها تصل إليه بوضوح، وإن كان الصمت في الصالة قد جعل الجميع يسمعونها
أتتذكر ما همستَ به في أذني في المستشفى؟ قلتَ أخيرًا ستموتين في سبعة أيام، وبعدها كل شيء سيكون لي. وأنا الآن أردها لك. أخيرًا ستتعفن في السجن سنواتٍ طويلة، وبعد ذلك سيبقى هذا البيت وكل ما فيه لي أو لمن أختاره أنا. أما أنت، فلن يبقى لك إلا زيّ السجن الذي سيلبسونك إياه. سبعة أيام منحتني لأستعد لموتي، وسبعة أيام كانت كافية لأعدّ لك موتك وأنت حي.
ثم اعتدلت، ونظرت إلى المفتش.
وكانت إشارةً بسيطة برأسها كافية.
فأمسك الضباط ببرونو من ذراعيه ورفعوه من الأرض. كما أوقفوا لورينا التي كانت تبكي.
ثم اقتادوهما نحو الباب.
وكان برونو يصرخ باسم ليلى مرةً بعد مرة، لكنها لم تجبه.
أُغلق الباب.
ولأول مرة منذ زمنٍ طويل، عمّ البيت صمتٌ لا يثقل الصدور.
بل يحررها.
ولم يتأخر الأمر حتى صار حديث الناس.
ففي الأسابيع التالية، تناقلت وسائل الإعلام دون توقف قصة الوريثة التي دسّ لها زوجها السم، والفيديو المرعب الذي عُرض في الحفل، والعشيقة الشريكة، والبستانية التي تبيّن أنها محامية لامعة.
وانحاز الرأي العام بقوة إلى ليلى، وندد ببرونو ولورينا بغضب، واحتفى بأن العدالة جاءت قبل فوات الأوان.
وبفضل العمل المحكم الذي قامت به كارمن سالغادو، وهو اسمها الحقيقي الذي عاد يتردد باحترامٍ في الأوساط القانونية، تقدمت القضية بسرعة. وقدّمت النيابة العامة عدة تهم الشروع في القتل، والاحتيال، وتزوير المستندات.
وفي المحكمة، عُرضت تسجيلات كاميرات المراقبة مرةً بعد مرة، حتى لم يبقَ أمام القاضي أي مجالٍ للشك.
فحُكم على برونو بالسجن المؤبد.
وحُكم على لورينا بالسجن عشر سنوات بوصفها
وفي اليوم الذي تلا فيه القاضي الحكم، شعرت ليلى أخيرًا أن بابًا قد أُغلق إلى الأبد خلف أشباح ماضيها.
وبعد شهرٍ واحد، لم يعد قصر ليلى يشبه ما كان عليه من قبل.
فطوال ثلاثين يومًا، دخل إليه العمال والدهانون والمزيّنون وخرجوا منه بلا توقف. لم تكن تريد أن يبقى فيه ركنٌ واحد مشبعًا بذكرى برونو. فأمرت بطلاء الجدران بألوانٍ فاتحة دافئة، وتخلصت من الأثاث الذي كان هو قد اختاره، واستبدلت الستائر والمصابيح والسجاد.
أما غرفة النوم الرئيسية، فقد أعيد تنظيمها بالكامل. نُقل السرير إلى موضعٍ آخر، وجُددت الخزائن، ونُقلت هزّازة الأب إلى الحديقة.
وجُمعت ثياب برونو وصوره وكل ما يخصه، ثم أُحرقت في الفناء الخلفي داخل نارٍ كبيرة مضبوطة.
وقفت ليلى تراقب اللهب وهو يلتهم القمصان، والساعات، والأوراق. وحين لم يبقَ سوى الرماد، جمعته وأبعدته عن البيت، كما لو أنها تبعثر بقايا ماضٍ لم يعد يملك سلطةً عليها.
وهكذا تحوّل القصر، الذي كان من قبل سجنًا مطليًا بالذهب، إلى بيتٍ مشرقٍ هادئ.
وفي ذلك الصباح، كانت الحديقة الخلفية في أبهى حالاتها.
جلست ليلى على مقعدٍ من الروطان الصناعي تحت عريشة تغطيها زهور الجهنمية.
وكان أمامها العشب يمتد كأنه بساطٌ أخضر، تحفّه شجيرات الورد والياسمين والأوركيد، التي أعادت كارمن ترتيبها بكل محبة. وكانت الطيور تغرّد في أغصان شجرة مانجو قديمة.
وجلست كارمن، التي باتت ترتدي الآن ملابس مريحة أنيقة، على الكرسي المقابل، وفي يدها فنجان شاي يتصاعد منه البخار. وعلى الطاولة بينهما فنجان آخر وصحن من الموز المقلي الطازج.
ولم يكن في ذلك المشهد أي أثرٍ للتفاضل الطبقي.
لم تعودا سيدةً وخادمة.
بل امرأتين اجتازتا حربًا معًا، وصارتا حليفتين.
وبعد رشفة من الشاي، أخرجت كارمن ملفًا، ودفعته نحو ليلى. وفي داخله كان التقرير المالي للشهر. كانت جميع حسابات ليلى الآن نظيفة، معاد تنظيمها، ومحميّة. كما كان يتضمن مشروعًا مفصلًا لتأسيس مؤسسةٍ للمساعدة القانونية.
قالت كارمن
هذه هي الصيغة النهائية للمؤسسة. إذا كنتِ لا تزالين موافقة، فسنسجّلها هذا الأسبوع. أريد أن أكرّس ما بقي من حياتي المهنية لمساعدة النساء اللاتي يعشن ما عشتِه أنتِ زيجات متلاعبة، وعنفًا صامتًا، وعمليات احتيال عاطفي. لا أريد أن تضطر واحدة منهن إلى خوض هذا وحدها.
ابتسمت ليلى.
فمنذ وجودها في المستشفى، كانت قد وعدت كارمن بأنها لن تضطر إلى العودة للعمل تحت الشمس إن لم ترغب. لكن كارمن، التي لم تكن تعرف السكون، حوّلت ذلك الوعد إلى فرصةٍ لخدمة مزيد من الناس.
قالت ليلى
أنا سأوفّر المال
هزت كارمن رأسها بتواضع، وقالت إنها لم تفعل إلا ما تقتضيه الثقة التي منحها إياها دون إرنيستو، وإنه لولا شجاعة ليلى نفسها لما نجحت أي خطة.
فضحكتا الاثنتان، لأنهما كانتا تعرفان أن الروايتين صحيحتان معًا.
ثم صار الحديث أخف.
وتحدثت ليلى عن رغبتها في ألّا تكون مجرد وريثة بعد اليوم، بل أن تتعلم بنفسها كيف تدير الأعمال التي بناها والدها. لن تعود لتفوض أحدًا تفويضًا أعمى، مهما أحبته. لقد أرادت أن تفهم العقود، والميزانيات، والاستثمارات.
فعرضت كارمن أن تعلمها بهدوء كل ما تعرفه عن القانون والمال.
وقالت مازحة
لن يخدعكِ بعد الآن رجلٌ يمتلك كلامًا معسولًا ويدين فارغتين.
فضحكت ليلى، ووعدت بأنها في المرة المقبلة، إذا جاءها أحد يتحدث عن فرص استثمارية، فإن أول ما ستفعله هو الاتصال بكارمن.
وهبّت نسمة خفيفة حرّكت أوراق النباتات، ورفعت طرف حجاب ليلى. فأغمضت عينيها للحظة، مستمتعةً بالهواء على وجهها.
وللمرة الأولى منذ زمنٍ طويل، لم يعد التنفس يؤلمها، لا في صدرها ولا في روحها.
رنّ جرس عند المدخل.
ومن الحديقة، رأت ليلى عامل التوصيل من شركة الشحن يسلّم طردًا عند الباب. نهضت وسارت نحوه بخطواتٍ خفيفة، كأن ثقل تلك الأيام السبعة المرعبة قد زال عن كتفيها تمامًا.
تسلّمت الطرد.
وكان يحتوي على بذورٍ ونباتاتٍ صغيرة طلبتها لتملأ حديقتها مزيدًا من الحياة.
ولما استدارت، نظرت إلى البيت.
لم تعد تراه سجنًا.
بل حصنًا يخصها، وملاذًا لن يسمح بعد اليوم لأحدٍ أن يقرّر فيه عنها.
وعلى الشرفة الجانبية، كانت الأصيص الكبيرة التي استخرج منها برونو خرابَه المالي، تحتضن الآن نبتةً جديدة نابضة، غرستها يدا ليلى بنفسها.
ووعدت نفسها أن تعتني بتلك الحديقة كما ستعتني بحياتها تقصّ الأغصان المريضة في الوقت المناسب، وتقتلع الأعشاب الضارة، وتفسح المجال فقط لما هو صادق وصحي.
عادت إلى كارمن، ورفعت فنجان الشاي في نخبٍ صغير.
قالت
نخب الحياة.
فأجابتها كارمن
نخب الحياة الجديدة.
ثم اصطدمت الفناجين برفق، وهما مستعدتان لبدء مستقبلٍ يمتد أمامهما بآلاف الأيام، مملوءٍ بالأمل.
وإذا كانت هذه القصة قد دفعتك إلى التفكير، فلا تتركها تمرّ كأنها مجرد قصة أخرى. اشترك في القناة، وفعّل الجرس، واترك إعجابك، حتى نواصل رواية مثل هذه القصص المشحونة.
والآن أسألك
ما الذي تعلمته من الذي جرى لليلى؟
أخبرني في التعليقات، فأنا أود أن أقرأ رأيك.
وإذا سبق لك أن رأيت
فلعل تجربتك تساعد شخصًا آخر على أن يفتح عينيه.