أخبرني الطبيب بأن أمامي سبعة أيام فقط لأعيش، لكن زوجي لا يعلم أن وقته أقل من وقتي

لمحة نيوز

أن نرتب كل شيء تحسبًا لأي طارئ يتعلق بإجراءات المستشفى والبنك.
ألقى كاتب العدل التحية بمهنية، ووضع على الطاولة رزمة أوراق، وقال 
لقد شرح لي السيد برونو الوضع. وربما من المناسب أن توقّعي على توكيلٍ يسمح له بإدارة شؤونك الطبية والإدارية ما دمتِ في هذه الحالة الضعيفة.
تناولت ليلى الوثيقة بيدٍ متظاهرةٍ بالارتجاف. وعلى الرغم من أن رأسها ظلّ يدور قليلًا، فإنها استطاعت أن تقرأ العنوان بوضوح. لم يكن ذلك توكيلًا طبيًا مؤقتًا، بل تنازلًا كاملًا ونهائيًا عن جميع ممتلكاتها وودائعها وأصولها لصالح برونو.
لقد كان سرقةً قانونية تتخفى في ثوب العناية.
انحنى برونو فوقها بلهفة، وأمسك يدها، ووضع القلم بين أصابعها.
وقال من بين أسنانه 
وقّعي الآن، أرجوك. هذا لمصلحتك. البنك لن يعرقل شيئًا إذا وقعت حالة طارئة.
قرّبت ليلى القلم من الورقة، وتركت رأسه يلامس المربع المخصص لتوقيعها.
وفي اللحظة المناسبة تمامًا، أرخَتْ كل عضلات جسدها دفعةً واحدة.
انفلت القلم من يدها، وسقط على الأرض متدحرجًا، وأمالت رأسها إلى الجانب وأغمضت عينيها، كما لو أنها فقدت وعيها فجأة.
صرخ برونو 
ليلى!
ثم راح يهزها بعنف، وقد بدا أكثر اضطرابًا على ضياع التوقيع منه على حالتها الصحية. أما كاتب العدل فنهض شاحب الوجه، لا يدري ماذا يفعل.
وكانت كارمن تقف في ركن الغرفة، فاندفعت إلى الممر تستنجد. وفي لحظات دخل الدكتور أندريس ومعه عدة ممرضات، وأبعدوا برونو، الذي كان يعيقهم أكثر مما يساعد.
وفي خضم الفوضى، أُخرج من الغرفة.
وبينما امتلأت الغرفة بالأوامر والحركة، كانت ليلى، وعيناها مغمضتان، تخفي ابتسامة انتصار.
لقد ربحت يومًا آخر.
في صباح اليوم التالي، استيقظ قصر ليلى على جوٍّ مشحون بالتوتر. فعلى الرغم من غياب صاحبته، كان الهواء ذاته يرتجف بالغضب.
عاد برونو إلى المنزل وملامحه متحطمة. كان إحباطه لفشله في انتزاع التوقيع يمتزج بخوفه من أن يفلت كل شيء من يده.
وعندما عبر الصالة، لمح من وراء الواجهة الزجاجية في الخلف ظلّ كارمن وهي تكنس بهدوء في الفناء الخلفي. ومجرد رؤيتها أثار فيه الغيظ. تذكّر كيف تجرأت في المستشفى على دفعه حين حاول أن يعنّف ليلى. وكانت تلك الإهانة قد جرحت كبرياءه.
فتح الباب الزجاجي بعنف وصاح 
كارمن!
توقفت عن الكنس، واستدارت إليه بهدوء، من غير أثر خوفٍ على وجهها. كانت عيناها السوداوان الثاقبتان تتأملانه في سكينة.
اقترب منها مشيرًا بإصبعه إلى وجهها 
أنتِ مطرودة من هذه اللحظة. اجمعي أمتعتك واختفي من هذا البيت. لا أحتاج إلى خادمة وقحة تتدخل فيما لا يعنيها.
لكن رد فعل كارمن لم يكن كما توقع.
فبدلًا من أن تتوسل أو تبكي، أطلقت ضحكة قصيرة يابسة أربكته. ثم وضعت المكنسة مستندةً إلى أصيص، وخطت نحوه حتى وقفت على بعد مترٍ واحد تقريبًا.
وحين تكلمت، كان صوتها ناعمًا، لكنه حازم، صوت امرأةٍ اعتادت أن تسمع وأن يُصغى إليها 
أنت لا تستطيع طردي يا سيد برونو. أنا لم أوقّع عقدي معك، بل مع دون إرنيستو، والد ليلى، عن طريق المؤسسة العائلية. وطالما أن ليلى
على قيد الحياة، أو طالما بقيت المؤسسة قائمة، فلا سلطة لك على طردي من هذه الملكية.
وقف برونو مشدوهًا. لم يخطر بباله يومًا أن البستانية تعرف كيف تتحدث عن العقود والمؤسسات.
قال محاولًا استعادة هيبته 
أنا زوج ليلى، والمالك المستقبلي لكل شيء. كلمتي في هذا البيت هي القانون.
ابتسمت كارمن ابتسامةً تحمل ظلّ تهكمٍ لم يفهمه. وفي داخلها، كانت تعلم أن برونو لا يدري أمام من يقف.
فكارمن، واسمها الكامل كارمن سالغادو، كانت قبل عشر سنوات واحدةً من أشهر المحاميات الجنائيات في العاصمة. وهناك تعرّفت إلى دون إرنيستو، والد ليلى، حين كان لا يزال حيًّا. وكانا صديقين منذ أيام الجامعة، وكان بينهما من الثقة والوفاء ما يكفي لتبادل أعظم المهام.
ولمّا شعر دون إرنيستو أن كثيرين يقتربون من ابنته طمعًا، طلب من كارمن أن تنسحب بهدوء من ساحات القضاء، وأن تقبل مهمةً غريبة أن تعيش في البيت في هيئة عاملة منزلية وبستانية، تراقب ليلى عن قرب، وتحميها من كل آفة تحاول افتراسها.
وفي تلك الأمسية، في الحديقة، نظرت كارمن إلى برونو ببرودة قاضية، ثم قالت بنبرة تحمل أكثر من معنى 
مهمتي هنا هي أن أتأكد من أن زهور هذا البيت لا تذبل قبل أوانها، وألّا يخرّب الحديقةَ أيُّ حشرةٍ مفسدة.
رمقها برونو بنظرةٍ قاتلة، وأطلق زفرة غاضبة، ثم عاد إلى الداخل وصفق الباب الزجاجي خلفه بعنف.
ولم يكن يدرك أنه بمحاولته إذلالها، إنما فعّل الخطوة التالية من خطتها.
فما إن اختفى عن أنظارها، حتى أخرجت كارمن من جيب مئزرها هاتفًا حديثًا، مختلفًا تمامًا عن الصورة المتواضعة التي كانت توحي بها ثيابها.
اتصلت برقمٍ معيّن، وطلبت التحدث إلى مدير فرعٍ مصرفي، أحد زملائها القدامى، الذي أصبح الآن مسؤولًا في البنك الذي تحتفظ فيه ليلى بمعظم أصولها السائلة. وبأسلوبٍ قانوني مباشر، طلبت منه أن يجمّد مؤقتًا كل المعلومات والحركات المتعلقة بحسابات ليلى، بحجة إجراء تدقيقٍ جنائي بسبب احتمال وجود نزاعٍ على الإرث.
كما أوصته، في الوقت نفسه، أن يترك هذا الخبر يتسرّب همسًا بين الموظفين.
وكانت تعلم أن لبرونو صديقًا يعمل هناك.
ولم يتأخر الخبر في الوصول إليه.
وفي ذلك المساء نفسه، تلقى برونو اتصالًا متوترًا من مصدره في البنك. سمع عن تدقيقات، وتجميد حسابات، وأطرافٍ ثالثة متدخلة. وفورًا تلاشى اللون من وجهه. شعر أنه يُحاصَر، كحيوانٍ تُغلق أمامه كل مخارج النجاة.
ولم يخطر بباله أن المرأة التي حاول منذ قليل أن يطردها هي نفسها التي كانت تدير الفخّ من وراء الستار.
وبعد خمسة أيام من التشخيص، نظر برونو إلى نفسه في مرآة الغرفة الرئيسية، فرأى رجلًا منتصرًا. كان قد ارتدى قميصًا من تصميم فاخر كلفه مئات الدولارات، وصفف شعره إلى الخلف بطبقة سخية من الجِل حتى بدا لامعًا ملتصقًا. وكان يبتسم في رضا.
فبحسب تقدير الطبيب، لم يبقَ أمام ليلى سوى يومين، وربما أقل إن حالفه الحظ. وكان ذلك الإحساس بأنه على وشك أن يصبح أرملًا ثريًّا يملأه بنشوةٍ لا يستطيع إخفاءها.
ولهذا قرر أن يحتفل مسبقًا، فنظم عشاء عملٍ لم يكن في حقيقته إلا حفلة
نصر.
نزل الدرج الرئيسي بخطوات بطيئة متعالية، كملكٍ يهبط من عرشه.
وكانت الصالة وغرفة الطعام قد تحولتا إلى قاعة ولائم أنيقة طاولات مستديرة مغطاة بمفارش بيضاء، ووسطيات من الزهور الطازجة، وشموع، وكؤوس فاخرة. وكان طاقم الخدمة يضع اللمسات الأخيرة على الأطباق والكؤوس، بينما كان عبق الطعام الشهي يملأ المكان.
ولم يبخل برونو في الإنفاق.
بل استنزف ما بقي من حدود الائتمان في إحدى البطاقات الإضافية التي كانت ليلى قد منحتها له.
وبدأ الضيوف يصلون واحدًا تلو الآخر.
ولم يكن فيهم صديق مقرب لليلى، ولا قريب حقيقي لها.
كانوا جميعًا من معارف برونو رجالًا ونساءً من أصحاب الأعمال المشبوهة، ورجل أعمال يعمل في التعدين غير القانوني، وسمسار أراضٍ متنازع عليها، ومرابون يختلطون بالحضور بابتسامات حادّة.
وكانت لورينا بينهم أيضًا.
لكنها هذه المرة لم تدخل بوصفها عشيقةً خفية، بل بوصفها رفيقة برونو الرسمية.
كانت ليلى، الغائبة، كأنها لم تعد موجودة في نظر أحد.
ارتدت لورينا فستانًا لامعًا ضيقًا، وأخذت مكانها إلى جانب برونو عند المدخل، تستقبل الضيوف معه كما لو أنها السيدة الشرعية للبيت.
وكانوا يضحكون، ويتبادلون الأنخاب، ويتحدثون عن فرصٍ ذهبية، وعن أرباحٍ مضاعفة. ولم يسأل أحد عن صحة ليلى. بالنسبة إليهم لم تكن سوى سلّمٍ هم على وشك أن يصعدوا آخر درجاته ثم ينسوه.
وفي المقابل، كان شيء مختلف تمامًا يحدث في غرفة ليلى الفاخرة بالمستشفى.
جلست ليلى على حافة السرير، ودهشت حين اكتشفت أنها تستطيع أن تبقى مستقيمة من غير أن يدور بها العالم. كان تنفسها، وإن بقي مثقلًا قليلًا، أكثر استقرارًا بكثير.
فمنذ أربعة أيام، كانت كارمن تأتيها بطعامٍ صحي وذلك المزيج من ماء جوز الهند والوصفات الطبيعية. وكان مفعول السم يضعف في جسدها تدريجيًا. ولم تكن قد شُفيت تمامًا، لكن ذلك كان كافيًا لتصفو أفكارها ويستعيد جسدها شيئًا من القوة.
وبحزم، نزعت الإبرة من ذراعها، وضغطت على موضعها بقطنة حتى توقف النزف. ثم خرجت كارمن من حمام الغرفة الداخلي وهي تحمل حقيبة كبيرة، وساعدتها على خلع ثوب المريضة.
ارتدت ليلى فستانًا طويلًا أنيقًا، وغطّت شعرها بحجابٍ لا تشوبه شائبة. وحين نظرت إلى نفسها في المرآة، بالكاد عرفت ذاتها.
لم تعد تلك المريضة التي تنتظر الموت على الحافة.
بل صارت امرأةً عادت من حافة الهاوية لتقاتل.
وكان الدكتور أندريس، بعد أن اكتشف حقيقة التسميم، قد سمح لها بدافع تأنيب الضمير أن تغادر من غير أن يمنعها.
وفي تلك الليلة، خرجت ليلى من المستشفى عبر بابٍ جانبي، مستندةً إلى ذراع كارمن، وتحت حماية الظلام.
وفي القصر، كانت المأدبة قد بلغت ذروتها. كان الضيوف يتحدثون ويضحكون، والملاعق تطنّ على الخزف الفاخر، والكؤوس ترتفع وتهبط في أنخابٍ متتالية.
وقف برونو أمام الجميع، وفي يده كأس نبيذ. وطرق عليها بملعقة طرقات خفيفة ليجذب الانتباه، فبدأت القاعة تسكت شيئًا فشيئًا.
قال بصوتٍ جهوري 
أصدقائي، شكرًا لحضوركم. نحن على أعتاب عصرٍ جديد. وقريبًا جدًا، ستتحول بعض الأصول العقارية التي أوشكت أن تنتقل
إلى اسمي إلى إمبراطورية حقيقية. لديّ أراضٍ يمكن تحويلها إلى مجمعات سياحية فاخرة، وفرص لا تتكرر. من يركب هذا القطار الآن سيجني الملايين.
كان الحاضرون ينظرون إليه مأخوذين، وكثير منهم قد بدأ بالفعل يحلم بتضاعف أمواله.
ولتعزيز خطابه، أشار برونو إلى لورينا. فاتجهت إلى الطاولة التي وُضع عليها حاسوب محمول متصل بجهاز عرض، وشغّلته. ثم انخفضت الشاشة البيضاء من السقف.
ابتسم برونو، مستعدًا لعرض الرسوم البيانية والتوقعات.
لكن الذي ظهر على الشاشة لم يكن عرض أعماله.
بل صورة بالأبيض والأسود للمطبخ، ملتقطة من زاوية مرتفعة.
وكان فيها برونو، مرتديًا ملابس النوم، واقفًا بجوار المغسلة. وبين يديه كيس صغير يحتوي على مسحوق أبيض. فتحه بحذر، وأفرغ مقدارًا منه في كوبٍ من الشراب، ثم أخذ يحرّكه بملعقة صغيرة.
وكان وجهه المجمّد أمام عدسة الكاميرا خاليًا من أي مظهرٍ للمودة، لا يظهر فيه سوى برودةٍ مرعبة.
وسقط الصمت على القاعة كغطاءٍ ثقيل.
لم يعد أحد يتنفس.
وانزلقت إحدى الكؤوس من يد أحد الضيوف، وتهشّمت على الأرض.
ظلّ برونو لثوانٍ متجمّدًا مثل الصورة المعروضة. ثم استفاق، واندفع نحو الحاسوب، وراح يضرب لوحة المفاتيح، ويحاول إيقاف التشغيل. لكن لا شيء كان يستجيب.
واستمر الفيديو في التقدّم، عارضًا لقطاتٍ أخرى يظهر فيها برونو وهو يعبث بمشروب ليلى، مرةً بعد مرة، بالهدوء القاتل نفسه.
وبدأ الضيوف يتهامسون في ذهول واشمئزاز. نهض بعضهم من أماكنهم، وحملوا حقائبهم ومحافظهم، واتجهوا نحو المخرج. لم يكونوا أبرياء، بل كانوا أنفسهم من أهل الصفقات القذرة، لكن التورط في جريمة محاولة قتل كان أكثر مما يحتملون.
وأطلق برونو ضحكةً عصبية وقال متلعثمًا 
هذا ملفق! هناك من يريد تشويه سمعتي. إنه عمل مُفبرك. شخص ما اخترق النظام أو منافس يحاول تدميري. هذا الفيديو مزيف.
لكن أحدًا لم يعد يصغي إليه.
فقد امتلأ الجو بريبةٍ مقززة.
ثم، فجأةً، انطفأ كل شيء.
غرق البيت في ظلامٍ كامل.
تعالت صرخات بعض النساء، وتعثر أحدهم بكرسي، وسقط طبق على الأرض.
أخرج برونو هاتفه وأشعل المصباح. وحين نظر من النوافذ، رأى أن أعمدة الإنارة في الشارع والمنازل المجاورة لا تزال مضاءة.
الظلام كان يخص قصره وحده.
لم يكن انقطاعًا عامًا.
بل تخريبًا مقصودًا.
وانطلقت من فمه شتيمة موجَّهة إلى كارمن، إذ كان يظن أنها الوحيدة التي تعرف كيف تتعامل مع لوحة الكهرباء الخارجية. وقرر أن يذهب لتفقد المصاهر في الجزء الخلفي.
لكن قبل أن يصل إلى الباب، سمع صوتًا جمّد الدم في عروقه.
من الطابق العلوي، عند الممر المؤدي إلى غرفة النوم الرئيسية، جاءت خطوات.
طَق طَق طَق
كان صدى كعبٍ عالٍ يطرق الرخام بإيقاع يعرفه جيدًا.
إنه صوت الحذاء المفضل لدى ليلى حين كانت تسير في البيت قبل أن تمرض.
توقف برونو في مكانه، وقلبه يخفق بجنون.
وصاح محاولًا أن يبدو متسلطًا 
من هناك؟
لكن صوته خرج مهتزًا.
ثم توقفت الخطوات أمام باب غرفة النوم الرئيسية.
سكون.
رفع مصباح الهاتف بيده وصعد الدرج. وكان كلّ درجٍ يثقل عليه كما لو أنه يرفع رصاصًا. وعند
البسطة، كانت إضاءة الهاتف تلقي ظلالًا طويلة على الأثاث.
كان باب الغرفة مواربًا.
دفعه ببطء.
في الداخل بدا كل شيء
تم نسخ الرابط