أخبرني الطبيب بأن أمامي سبعة أيام فقط لأعيش، لكن زوجي لا يعلم أن وقته أقل من وقتي

لمحة نيوز

مرتبًا السرير مفروش، والخزانة مغلقة، والستائر نصف مسدلة. لكن قرب النافذة المطلة على الحديقة كانت هناك هزّازة خشبية قديمة ورثتها ليلى عن والدها دون إرنيستو.
وكانت الهزّازة تعطي ظهرها للباب، وجالسةً عليها هيئة امرأة، شعرها الطويل منسدل، وترتدي قميص نوم عرفه برونو فورًا واحدًا من قمصان ليلى المفضلة.
تنمّلت أصابع يده، وكاد الهاتف يسقط منها.
همس 
ليلى
لم تتحرك الهيئة، لكن الهزّازة أخذت تتمايل ببطء، وهي تصدر صريرًا متكررًا 
كريك كروك كريك
وانساب العرق البارد على ظهره. كان عقله، الذي توهّم قبل دقائق أنه لا يُقهر، يبحث الآن بيأس عن تفسيرٍ منطقي. ربما هناك من اقتحم البيت. ربما كانت لورينا تمزح معه مزحة مروعة. وربما كانت ليلى قد ماتت فعلًا، وهذا شبحها.
إن الشعور بالذنب الذي دفنه تحت طبقات الطمع والتبرير كان قد بدأ يخرج الآن مثل وحشٍ من القاع.
ومع ذلك، اختلط فضوله بخوفه، ودفعاه إلى التقدم. اقترب خطوةً بعد خطوة حتى وقف على بُعد سنتيمترات من الهزّازة. ثم مدّ يده المرتجفة، وأمسك ظهرها، وأدارها نحوه.
أطلق صرخةً وسقط إلى الخلف على الأرض.
لم تكن ليلى.
ولم يكن شبحًا.
بل كان تمثال عرضٍ بلاستيكيًّا من تلك التماثيل التي تُستخدم لعرض الملابس، أُلبس قميص نوم ليلى ووُضعت عليه باروكة طويلة.
كان وجهه الأملس خاليًا من الملامح، لكن على صدره ورقة مثبتة بكلمات كُتبت بقلمٍ أحمر 
الثروة لن ترافقك إلى القبر، لكن ذنوبك قد تقتلك. لقد انتهى وقتك يا برونو.
اخترقت العبارة صدره كخنجر.
لقد كان هناك من يعرف ما فعل.
وهناك من يلعب على أوتار خوفه.
وفي نوبة غضب، انتزع الورقة، وكوّرها، وألقاها. وفي تلك اللحظة، اهتز هاتفه. كانت رسالةً من البنك.
فتحها برجاءٍ يائس في أن يجد إشعارًا ماليًا.
لكن ما قرأه كان أن بطاقته الرئيسية قد رُفضت بسبب عدم السداد، وأن جميع حساباته جُمّدت بسبب نشاطٍ مشبوه وتقريرٍ عن احتيال. حاول فتح التطبيق البنكي، فرفضه النظام. جرّب بطاقةً أخرى، فكانت النتيجة ذاتها.
فسقط برونو جالسًا على الأرض إلى جانب التمثال، تحيط به الظلال.
كانت حفلة نصره قد تحولت إلى كابوس.
وفي الخارج، بدأ الرعد يهدر في السماء.
كانت العاصفة تقترب.
وعند الفجر، تسلل خيط من الضوء من بين الستائر غير المحكمة في الصالة، وسقط مباشرةً على وجه برونو، الذي كان قد غلبه النوم على الأريكة وسط الأطباق المتسخة والكؤوس المقلوبة.
نهض بتثاقل، وكان جسده كله يؤلمه، ورأسه ينبض بألمٍ يجمع بين آثار الشراب والغضب والرعب. بحث عن هاتفه، فوجد البطارية على وشك النفاد، لا تحمل إلا خمسة في المئة، ومن غير أي رسائل جديدة، سوى تذكيرات بالفواتير المتأخرة وإنذارات من شركة الهاتف.
رفع رأسه ونظر حوله.
كانت الصالة، التي أراد لها الليلة الماضية أن تكون مسرح نصره، تبدو الآن كسفينة غارقة زهور ذابلة، بقايا طعام، مناديل مجعدة، وكؤوس لزجة.
ضغط برونو على أسنانه.
لم يعد يملك رفاهية الانهيار.
فهذا هو اليوم السابع منذ التشخيص.
وإذا ماتت ليلى اليوم، فسيستطيع أن يستخدم شهادة الوفاة ليطالب بفكّ تجميد الحسابات بوصفه الأرمل، وسيحصل كذلك على تأمينٍ
على الحياة كان يعرف أن قيمته تبلغ مئات الآلاف من الدولارات.
وكان هذا الأمل هو الوقود الوحيد الذي حرّكه.
وكانت القيادة إلى المستشفى عذابًا. فزحام العاصمة كان أثقل من المعتاد، وبرونو يضغط المنبه كلما تأخر أمامه أحدهم لحظةً واحدة. شتم سائقي الدراجات، وتجاوز من حيث لا ينبغي، وكاد يجتاز إشارةً حمراء.
وفي أثناء ذلك، كان يتدرّب في ذهنه على بكاءٍ مقنع، لليوم الذي سيسمع فيه خبر موت زوجته. تخيل نفسه يعانق الجثمان، ويسقط على الأرض، وينتحب أمام الممرضات والطبيب، ويكسب تعاطف الجميع.
وحين وصل أخيرًا إلى المستشفى، أوقف سيارته كيفما اتفق، وصعد بالمصعد إلى طابق الغرف الفاخرة. وكانت خطواته ترنّ في الممر الهادئ، حتى وقف أمام باب الغرفة 303.
كان الباب مواربًا.
دفعه ببطء، فتوقف قلبه لوهلة.
كانت الغرفة نظيفة تمامًا، وخالية.
السرير مشدود الملاءات بدقة، ولا أجهزة، ولا حقائب، ولا ملابس، ولا زهور.
بدت كأن أحدًا لم يسكنها قط.
دخل برونو، ونظر في الحمام، ورفع ستارة الدش، وفتح الخزانة المدمجة.
لا شيء.
ومرت في الممر ممرضة أكبر سنًا، فنظرت إليه من الباب بنظرةٍ تجمع بين الإرهاق والازدراء.
خرج إليها بسرعة، وسألها بصوتٍ يرتجف لكن يملؤه القلق الحقيقي هذه المرة 
معذرةً زوجتي ليلى، أين هي؟ هل نقلتموها إلى العناية المركزة؟
نظرت إليه بعينين قاسيتين، ثم قالت ببرود 
السيدة ليلى غادرت عند الفجر. وقد تكفلت العائلة بجميع الإجراءات. لم تعد منومة هنا.
ثم انصرفت تاركةً إياه في مكانه.
سمع برونو عبارة غادرت، وترجمها في ذهنه فورًا إلى ماتت.
فظن أن أحد أقاربها أو كارمن قد أتيا لأخذ الجثمان تمهيدًا لدفنه.
ورسمت ابتسامة بطيئة نفسها على وجهه.
تمتم لنفسه 
أخيرًا انتهى الأمر.
ثم اندفع خارج المستشفى، وقد اقتنع أن الطريق إلى الثروة صار سالكًا من جديد.
وفي طريق عودته إلى القصر، لم يكن يفكر إلا في شيء واحد العثور على بقية الثروة المادية التي أخفتها ليلى.
وتذكر تفصيلًا استوقفه قبل أيام أصيصًا كبيرًا فيه نبتة مونستيرا يانعة على الشرفة الجانبية، قريبًا جدًا من غرفة خدمة كارمن. وكانت كارمن دائمًا تبدي حرصًا غريبًا تجاه تلك النبتة، حتى إنها كانت تعاتب برونو إذا اقترب منها.
قالت له مرة 
إنها نبتة باهظة الثمن وشديدة الحساسية.
أما الآن، فتحول ذلك المشهد في رأسه إلى شكّ.
صار مقتنعًا بأن تحت تلك التربة سبائك ذهب، أو رزم دولارات، أو وثائق ملكية.
دخل من الباب الجانبي، وأخذ مجرفة صغيرة، وبدأ يحفر بجنون، يقتلع الجذور ويلقي التراب في كل اتجاه. وكان العرق يغمر قميصه. وبعد دقائق، اصطدمت المجرفة بشيء صلب.
حبس برونو أنفاسه، وأزاح التراب بيديه.
فظهرت علبة معدنية متوسطة الحجم، ثقيلة، مغلقة بقفل.
وبمزيج من اللهفة واليأس، رفع الصندوق ووضعه على الأرض، ثم بحث عمّا يكسر به القفل. وجد حجرًا كبيرًا في الحديقة، وأخذ يضرب به المعدن مرارًا حتى انكسر.
فتح الغطاء بعنف، متوقعًا بريق الذهب.
لكن لم يظهر أي بريق.
بل وجد أمامه كومة من الأظرف مختلفة الألوان والأحجام.
التقط واحدًا منها وفتحه.
فإذا به خطاب من شركة استثمار احتيالية تطالبه
بعشرات آلاف الدولارات بسبب عملية نصبٍ وقع فيها قبل عامين.
وكان برونو يظن أن تلك الديون قد دُفنت كما دُفنت أخطاؤه الأخرى.
فتح ظرفًا آخر.
فإذا به كشف حساب بطاقة ائتمان باسمه، وقد بلغت حدّها الأقصى وتأخر سدادها أشهرًا.
ثم ظرفًا آخر إنذار بالحجز على سيارة رياضية كان قد اشتراها من غير أن يخبر ليلى.
وأخذ يفتش بجنون متزايد.
كانت كل الرسائل في الصندوق تذكيراتٍ بديون، وتهديداتٍ بالتحصيل، وإنذاراتٍ قانونية.
وفي أسفل العلبة، وجد ظرفًا أبيض مختلفًا، يحمل خط يد ليلى الذي يعرفه جيدًا. فتحه بيدين ترتجفان خوفًا لا حماسًا، وقرأ 
برونو، طوال هذا الوقت كنتُ أسدّ الفجوات التي كنتَ تفتحها بمال والدي. لكن قبل سبعة أيام، حين تمنيت موتي، توقفتُ عن الدفع نيابةً عنك. استمتع الآن بحصاد ما زرعته.
انزلقت الورقة من بين يديه.
وجلس على أرض الشرفة بين التراب والجذور المقتَلعة.
وفهم في تلك اللحظة، دفعةً واحدة، أنه ليس أرملًا مليونيرًا.
بل مدينٌ مفلس.
فبينما كان يخطط لموتها، كانت ليلى هي التي تحافظ على تماسك حياته ونزواته. وما إن كشف نفسه على حقيقته، حتى تركته يواجه وحده الانهيار.
وفجأةً، جاءه هدير عدة محركات من الشارع، وانتزعه من صدمته.
كانت دراجات نارية كثيرة، وقد توقفت كلها أمام المنزل.
وبدأت على الفور الطرقات العنيفة على البوابة.
ركض برونو إلى النافذة المطلة على الواجهة، وانحنى ليرى ما يحدث.
رأى نحو عشرة رجالٍ غلاظ يقيمون ضجيجًا عند البوابة الحديدية. بعضهم يرتدي سترات تحمل شعارات مؤسسات تمويلٍ غير رسمية، وبعضهم يمسك ملفاتٍ بلاستيكية، وآخرون يحملون عصيًّا خشبية.
كانوا يضربون البوابة بقبضاتهم وأقدامهم، ويصرخون باسمه، ويطالبونه بالخروج.
وفي ذعرٍ شديد، أقفل برونو كل الأبواب بالمفاتيح، مع أنه كان يعلم أن تلك الأقفال لن تصمد طويلًا إن قرر أولئك الرجال اقتحام المكان.
وصعد إلى الطابق الثاني، وخرج إلى الشرفة المطلة على الشارع، محاولًا فرض هيبته من فوق.
صاح 
إذا واصلتم تدمير منزلي فسأتصل بالشرطة! أنا مالك هذه العقار! سأدفع لكم جميعًا فور الإفراج عن إرث زوجتي. لقد ماتت للتو. هل سمعتم؟ أنا وريثها الوحيد!
وسرت همهمة بين الرجال. فما إن سمعوا كلمة الإرث حتى تبادل بعضهم النظرات وهدؤوا قليلًا. لعلّ في الأفق أملًا في استعادة أموالهم.
وفي تلك اللحظة، ظهرت في الشارع سيارة سيدان سوداء أخرى، أحدث وأكثر أناقة من سيارة برونو، وتوقفت أمام البيت. فتراجع المحصّلون وتركوا لها المجال.
ونزل من المقعد الخلفي رجل في منتصف العمر، يرتدي نظارةً وبدلةً سوداء أنيقة، يرافقه مساعدان يحملان حقائب.
تعرف إليه برونو على الفور.
كان الأستاذ هيريرا، المحامي الموثوق لدون إرنيستو، والرئيس السابق لكارمن في مكتب المحاماة.
ولم يكن قد رآه يومًا مبتسمًا، ولم يكن هذا اليوم استثناءً.
وقف هيريرا أمام البوابة، ورفع نظره نحو الشرفة، ثم نادى برونو باسمه.
وكان صوته، رغم أنه لم يكن صراخًا، واضحًا تمامًا 
جئتُ لأبلغك بأمرٍ في غاية الأهمية يتعلق بالوضع القانوني لهذا المنزل وبقية أملاك العائلة.
وظن برونو أن النجدة جاءت أخيرًا لتنصفه.

فنزل مسرعًا درجات السلم، وخرج إلى الحديقة الداخلية. كانت البوابة لا تزال تفصل بينه وبين المحامي، لكنه بدأ يشعر بشيءٍ من الأمان.
قال بلهفة 
أستاذ، الحمد لله أنك هنا. زوجتي ماتت، وأنت تعلم أنني زوجها، إذن فهذا البيت لي. أرجوك أخبر هؤلاء البلطجية أن ينصرفوا.
فتح هيريرا إحدى الحقائب، وأخرج منها ملفًا أحمر، ورفعه عاليًا، ثم بدأ يقرأ بصوتٍ واضح.
كان ذلك هو عقد ما قبل الزواج الذي وقّعه برونو قبل ثلاث سنوات، قبل الزفاف، وهي الوثيقة التي اعتبرها في حينه مجرد إجراء شكلي لا قيمة له.
وقرأ هيريرا الفقرة الأساسية 
إذا ثبتت الخيانة الزوجية أو ثبتت محاولة متعمدة للإضرار بحياة أحد الزوجين، فإن الطرف المذنب يفقد كل حق له في الأموال المشتركة وفي الميراث، وتعود الأصول إلى العائلة الأصلية أو إلى مؤسسة خيرية.
شعر برونو بأن العالم ينهار تحت قدميه.
وصاح 
هذا هراء! لا تملكون دليلًا على شيء. ليلى ماتت بسبب مرضٍ نادر. كانت مريضة أصلًا. وأنا من اعتنى بها طوال الوقت.
تنهد المحامي بهدوء، وأخرج وثيقةً أخرى.
كان تقريرًا مخبريًا جنائيًا.
وأوضح أن الفحوص أثبتت وجود آثار زرنيخ في شعر ليلى وأظافرها بكميات تتوافق مع تسميمٍ تدريجي، وأن هناك أيضًا تسجيلًا من كاميرات المراقبة يظهر برونو وهو يتعامل مع مادةٍ ما ثم يسكبها في شراب زوجته.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد يُنظر إلى برونو بوصفه وريثًا.
بل بوصفه مشتبهًا به في محاولة قتل.
وكان المحصّلون يستمعون والدهشة تتسع في عيونهم. وحين فهموا أن برونو لن يحصل على فلسٍ واحد من ذلك الإرث، اشتعل غضبهم من جديد، وعادوا يضربون البوابة، بل بدأ بعضهم يتسلقها.
تراجع برونو إلى الخلف وهو يبحث عن ملاذٍ داخل البيت، لكن صفارات الشرطة شقت الفوضى فجأة.
وصلت ثلاث سيارات شرطة بسرعة، وأغلقت الشارع.
نزل الضباط منها، وبدأوا يصرخون آمرين الجميع بالابتعاد عن البوابة.
هرب بعض الدائنين على دراجاتهم، وبقي بعضهم رافعًا يديه.
وشعر برونو براحةٍ عابرة.
تخيّل أن الشرطة ستحميه على الأقل من ذلك الغوغاء.
لكن ذلك الارتياح لم يعش طويلًا.
فتح أحد الضباط البوابة قليلًا، ودخل إلى الحديقة ومعه عنصران آخران. وتوجهوا مباشرةً إلى برونو، وقرأوا عليه حقوقه، ثم وضعوا الأصفاد في معصميه.
وقف برونو مذهولًا، بالكاد قادرًا على الاحتجاج.
وبينما كانوا يقتادونه إلى الخارج، فُتح باب السيارة السوداء التي أقلّت المحامي هيريرا.
ومن داخلها نزلت شخصية لم يكن برونو يتوقع أن يراها واقفةً مرةً أخرى.
كانت ليلى.
كانت ترتدي فستانًا طويلًا بألوانٍ هادئة، وحجابًا يتمايل مع النسيم. وكان وجهها ينبض بالحياة، وقد عاد إلى خديها شيء من الورْد. لم تكن فيها أي علامة للموت.
وبجوارها، كانت كارمن تسير بثوبٍ أنيق رسمي، لا أثر فيه لصورة البستانية البسيطة التي عرفها الجميع.
سقط برونو على ركبتيه على بلاط الحديقة، لا لأن الضباط أجبرُوه، بل لأن ساقيه خانتاه.
تمتم بعينين جاحظتين 
أأنتِ حية؟
اقتربت ليلى حتى وقفت في الجانب الآخر من البوابة، يفصل بينهما الحديد، كما لو أنهما ينتميان إلى عالمين مختلفين.
نظرت إليه بسكينةٍ كانت
أشد إيلامًا من أي صراخ. وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة خالية من الرحمة.
قالت بصوتٍ هادئ قاطع 
أنا لستُ ميتة يا برونو. الذي مات اليوم
تم نسخ الرابط