بعد 8 سنوات في السجن عاد لبيت جدته… لكن ما وجده في الداخل صدم القرية كلها!
انقبض صدر ميغيل.
لم تقل صوفيا ذلك وهي تبكي، ولا بنبرة درامية. قالتها كما لو كانت تصف حالة الطقس، بتلك الطريقة الجافة التي يتحدث بها الأطفال حين يعتادون على الهجران مبكرًا أكثر مما ينبغي.
جال ميغيل بنظره في المطبخ. كانت الصفيحة الحديدية القديمة ما تزال معلقة في المكان الذي كانت جدته تضعها فيه. وكانت الطاولة الخشبية لها ساق مكسورة، مسندة ببضع طوب. وفي الزاوية دلو مملوء بماء المطر، وبجوار كرسي الهزّاز الخاص بدونيا إسبيرانزا كانت شمعة نصف محترقة موضوعة أمام صورة داخل إطار.
اقترب.
كانت صورة حديثة لجدته.
وفي إحدى زواياها شريط أسود.
شعر ميغيل بأن ساقيه تضعفان.
قال بصوت مرتجف:
"لا… لا…"
أمسك الإطار بيدين ترتجفان. كانت دونيا إسبيرانزا تبتسم كما كانت دائمًا، بوشاحها الداكن وعينيها الطيبتين اللتين لم تحكما عليه أبدًا، حتى في اليوم الذي اقتيد فيه مكبّل اليدين من القرية.
سأل بصوت مكسور:
"من وضع هذا؟"
خفضت صوفيا رأسها.
قالت:
"أهل القرية… عندما ماتت."
وقف ميغيل ساكنًا.
طوال ثماني سنوات في السجن، عاش متشبثًا بفكرة واحدة فقط: أن يخرج ويعود إلى جدته. أن يخبرها أنه لم يكن الوحش الذي وصفه الجميع به. أن يقول لها إن الشجار في الحانة خرج عن السيطرة، نعم، لكنه لم يكن يريد قتل أحد. أنه دفع ثمن ذلك كل يوم وكأن جلده يُنتزع عنه. وأنه فكّر فيها في كل عيد ميلاد، وفي كل ليلة ممطرة، وفي كل فجر رآه من خلف قضبان صدئة.
والآن… تلك المرأة التي انتظرته دائمًا لم تعد موجودة.
همس:
"متى؟"
أجابت صوفيا:
"قبل ثلاثة أشهر. مرضت. كانت تسعل كثيرًا. دونيا مرسيدس اتصلت بسيارة إسعاف، لكنها لم تعد."
أغمض ميغيل عينيه.
ثلاثة أشهر.
لقد أمضى آخر تسعين يومًا يعدّ الأسابيع المتبقية لخروجه، متخيّلًا
جلس على كرسي المطبخ. انزلقت الحقيبة من كتفه وسقطت على الأرض. كانت صوفيا تراقبه بصمت، تعانق دميتها كما لو أنها تعرف اللحظة الدقيقة التي ينكسر فيها الكبار.
قالت بعد قليل:
"كانت تتحدث عنك."
رفع ميغيل نظره.
"عني؟"
أومأت صوفيا.
قالت:
"كانت تقول إن قلبك مرتبك، لكنه طيب. وأنك ستعود يومًا."
شعر بشيء ساخن يخترق صدره.
سأل:
"كيف تعرفين كل هذا؟"
نظرت صوفيا نحو الغرفة التي كانت العجوز تنام فيها.
قالت:
"لأنني كنت هنا عندما ماتت."
ساد صمت كثيف.
في الخارج عبرت دجاجة الفناء بين الأعشاب، وحرّكت الريح ألواح السقف المفكوكة. مسح ميغيل وجهه بيده وأجبر نفسه على التنفس.
قال بهدوء:
"أريدك أن تخبريني بكل شيء من البداية. كيف وصلتِ إلى هنا؟"
تأخرت صوفيا قليلًا قبل أن تتكلم.
قالت:
"هربت… منذ وقت طويل. ربما سنة."
"من بيتك؟"
"نعم."
"وأمك لم تبحث عنك؟"
هزت الطفلة كتفيها.
قالت:
"أحيانًا كانت تأتي تبحث عني وهي ثملة. وأحيانًا كانت تنساني. صديقها قال إنه إذا وجدني سيحبسني مع الكلاب حتى أتعلم."
شدّ ميغيل فكه.
"ثم جئتِ إلى هنا؟"
أومأت صوفيا.
"كنت أنام قرب متجر دون تونيو خلف بعض الصناديق. في يوم أمطرت كثيرًا، فرأتني دونيا إسبيرانزا. أدخلتني إلى البيت. أعطتني حساءً. وبّختني لأنني كنت وحدي. ثم سمحت لي بالبقاء تلك الليلة… ثم ليلة أخرى… وبعد ذلك لم أغادر."
ابتلع ميغيل ريقه. كان هذا تمامًا ما كانت جدته ستفعله. التوبيخ أولًا. الطعام بعده. والحب دون ضجيج.
سأل:
"ألم يأت أحد من الخدمات الاجتماعية؟ أو الشرطة؟ أو أحد المعلمين؟"
هزت صوفيا رأسها.
قالت:
"كانت دونيا إسبيرانزا تقول إنه إذا أبلغوا سيأخذونني
قطّب ميغيل جبينه.
"أي أوراق؟"
أشارت صوفيا بذقنها إلى صندوق خشبي قديم قرب سرير العجوز.
قالت:
"كانت تضع كل شيء هناك. وقالت إنه إذا عدت يومًا أعطيك المفتاح."
شعر ميغيل برجفة.
"هل كانت جدتي تعرف أنني سأعود؟"
قالت صوفيا:
"كانت تقول نعم. وأنك دائمًا تتأخر… لكنك تفي."
رغم الألم، مرت ابتسامة حزينة على شفتيه. كان هذا يشبهها تمامًا.
أدخلت صوفيا يدها في جيب فستانها وأخرجت مفتاحًا صغيرًا مربوطًا بخيط أحمر.
قالت:
"احتفظت به معي منذ ماتت… حتى لا يجده أحد."
أخذه ميغيل. كان خفيفًا ودافئًا بعد أن ظل ملاصقًا لجسد الطفلة. اقترب من الصندوق وجثا على ركبتيه. انفتح القفل بصوت خشن.
في الداخل كانت هناك أغطية قديمة، وصندوق معدني، وعدة أوراق، وظرف أصفر مكتوب عليه اسمه بخط دونيا إسبيرانزا المرتجف.
"ميغيلّيتو".
توقف لحظة قبل أن يفتحه. كانت يداه ترتجفان أكثر مما ارتجفتا يوم خروجه من السجن.
كانت الرسالة قصيرة:
"إذا كنت تقرأ هذه الرسالة يا بني، فهذا يعني أن الله أعادك أخيرًا. لم أنتظرك نائمة، بل كنت أنتظرك بالدعاء. سامحني لأنني أترك لك هذا العبء الكبير، لكنني لم أجد أحدًا أثق به غيرك. الطفلة التي تعيش هنا اسمها صوفيا. ليست مذنبة في شيء. أمها اسمها فيرونيكا كروز، ابنة ابن عمك إيلاريو. نعم، الدم يتشابك في هذه الدنيا: صوفيا من عائلتنا، حتى لو لم يعرف أحد في القرية أو لم يرد أن يتحمل مسؤوليتها. إيلاريو لم يعترف بها أبدًا، ووالدتها غرقت في الشراب. بدأت إجراءات لأجعل لك وصاية مؤقتة عليها إذا خرجت وأثبتت أنك تعمل بصدق. الأوراق عند المحامي برنال في مركز البلدة. لا تترك الطفلة وحدها. ولا تدع الغضب
شعر ميغيل بأنه يختنق.
قرأ مرة أخرى الجزء المتعلق بالقرابة.
كانت صوفيا ابنة فيرونيكا… ابنة عمه إيلاريو. دم من العائلة. دم متروك. دم احتضنته دونيا إسبيرانزا بينما كان هو يقضي سنواته في زنزانة.
كان في الظرف ورقة أخرى أصغر.
"وهناك حقيقة أخرى لأن الوقت قد حان: الرجل الذي مات في الحانة قبل ثماني سنوات، إيفاريستو سالغادو، لم يسقط بسبب ضربتك وحدها. ابن عمك إيلاريو أنهى الأمر بزجاجة عندما كان الرجل على الأرض. أنت صمتَّ لتحميه، وهو لم يتكلم أبدًا. علمت الحقيقة لاحقًا لكنني لم أستطع إثباتها. قبل أن يموت جاءني إيلاريو مخمورًا وباكيًا واعترف بكل شيء. التسجيل في الصندوق المعدني. افعل به ما يمليه عليك ضميرك."
تجمد ميغيل.
بدا أن الغرفة تضيق حوله.
ذلك السر المدفون ثماني سنوات في صدر جدته انفجر أمامه كطلقة.
تذكر ليلة الحانة: الضجيج، الكؤوس المكسورة، إيفاريستو وهو يهين جدته، إيلاريو فاقد السيطرة، الضربة الأولى، السقوط، الدم. كان قد تحمل الذنب كله لأنه كان معروفًا بالشجار، ولأن لإيلاريو زوجة وأطفالًا، ولأنه ظن أن الصمت تضحية. ثم جاء الخوف، والمحامون السيئون، والشهود المأجورون، والحكم.
ثماني سنوات.
ثماني سنوات ليحمي جبانًا.
فتح الصندوق المعدني. كان فيه جهاز تسجيل صغير ملفوف في منديل، وشهادة وفاة جدته، وبعض الإيصالات، ووثيقة رسمية مطوية. فتحها.
كانت طلب وصاية مؤقتة باسمه على الطفلة صوفيا كروز، موقعة من دونيا إسبيرانزا ومن محامٍ في البلدة. كان ينقصها التصديق النهائي بشرط أن يخرج من السجن ويقدّم نفسه خلال ستة أشهر.
كانت صوفيا تراقبه من الباب.
قالت:
"ماذا تقول؟"
رفع ميغيل نظره. كانت الطفلة بوجه متسخ وقدمين حافيتين ونظرة
ابتلع ريقه.
قال:
"تقول إن جدتي أرادت أن أعتني بك."
شدّت صوفيا دميتها بقوة.