خرجت تطالب بحقّها… وبعد 14 سنة ظهر “الدليل” تحت الإسمنت!
المحتويات
تستحق أن تروى. حتى لو لم يعد العالم يسمع فإن صمت بيت واحد قد يمتد لعدة شوارع.
وأحيانا يكفي لحي كامل وأحيانا يغطي بلدا.
في السنوات التي تلت العثور على الحقيبة والبلوزة تحولت قصة غوادالوبي إلى همس ثابت داخل سانتا مارتا أكاتيتلا. لم تكن على صفحات الجرائد ولم تصبح خبرا وطنيا لكن من عرفها أو تبادل معها كلمة ذات يوم لم ينسها.
بدأت دونيا إلفيرا روميرو تشعل شمعة إضافية كل يوم 3 مارسآذار عند باب بيتها. لم تذكر أسماء ولم ترفع لافتات فقط تضع الشمعة على حجر وبجوارها زهرة ورقية. كان بعض أطفال الحي يرونها ويسألون هل هذه للسيدة التي ضاعت فتهز رأسها بالإيجاب.
وتكرر ذلك الفعل. بيت واحد ثم بيتان ثم ثلاثة. بعضهم يفعلها في اليوم نفسه وبعضهم حين يشعر أن الوقت حان. في حي اعتاد انقطاع الماء ومسيرات بلا صدى وحكايات لا يجمعها أحد وجدت الذاكرة طريقها أيضا.
واصلت ميريام عملها ورعايتها للبيت. وفي وقت فراغها بدأت تكتب أسماء نساء أخريات اختفين في المنطقة. صنعت قائمة بخط اليد. لم يكن ذلك نشاطا منظما بل ضرورة. رفضا لأن يكون ما حدث لأمها مجرد حالة أخرى. تلك الجملةالتي كانت تقال من السلطات ومن الجيران ومن المعارف الذين لم يعودوا يعرفون ماذا يقولونصارت الشرارة داخلها.
مجرد حالة أخرى لم يعد هناك ما يمكن فعله ربما بدأت حياة جديدة.
كم من النساء المكسيكيات سمعن هذه العبارات. وميريام أيضا. لكنها اختارت ألا تقع في فخها.
في ليلة من ليالي عام 2015 جاءت روسيو بخبر مطبوع من عملها في عيادة. امرأة مسنة بلا اسم ولا أوراق عثر عليها تائهة في شمال البلاد وبعض ملامحها تشبه ملامح غوادالوبي. ترددت ميريام ورفض إدواردو لكنهم مع ذلك تواصلوا مع سلطات تلك الولاية وأرسلوا الصور وطلبوا فحصا وراثيا. وصل الرد بعد ثلاثة أسابيع ليست هي.
كانت تلك آخر مرة فكروا فيها بجدية أنها قد تكون حية. بعد ذلك تغير التركيز. لم يعد الهدف العثور على غوادالوبي بل منع أن تختفي نساء أخريات مثلها دون أثر.
بدأت ميريام تلقي كلمات قصيرة في المدرسة الإعدادية القريبة. كانت تقول للطالبات إن عليهن توثيق تحركاتهن ومشاركة المعلومات والثقة بشخص واحد على الأقل. لم تكن دروسا بل تحذيرات خرجت من الألم. لم تتقاض شيئا مقابل ذلك لكنها كانت تفعلها كما لو كانت تفي بوعد.
وفي تلك الجلسات كانت تكرر دائما الحكاية نفسها أمي خرجت لتحصيل ما لها. كانت ترتدي بلوزة خمرية. ولم تعد.
أما إدواردو فاختار الصمت. غضبه صار روتينا. وكان يكفيه
نظر الرجل إليه باستغراب لماذا إنها أرض صلبة لا أكثر. أجاب إدواردو لا شيء. ثم انصرف.
ظل ذلك المكان سرا يتداوله الناس دون تصريح. بعضهم سماه أرض السيدة. وآخرون تجنبوا المرور منه لا خوفا بل احتراما لأنهم كانوا يعرفونولو لم يقولواأن شيئا خطيرا قد وقع هناك.
أما روسيو ومن موقعها كممرضة فقد بدأت تلاحظ أنماطا أمهات لا يعدن إلى مواعيد المتابعة نساء يتوقفن فجأة عن الظهور. تعلمت أن تقرأ الصمت في عيون المراجعات وفي أكثر من مرة قالتها بلا مواربة إن اختفى أحد لا تنتظروا. ابحثوا. طالبوا. لا تسكتوا.
ثلاثة إخوة ثلاثة مسارات وجرح واحد.
لم تحل قضية غوادالوبي هيريرا أبدا. لم يستجوب أحد بجدية. لم تصدر أي مذكرة توقيف. ربة العمل السابقةالتي كانت آخر وجهة معروفةلم تظهر في أي سجل رسمي بعد عام 1997 كأن البلاد فيها شقوق يمكن لبعض الناس أن يسقطوا فيها دون أثر.
في المكسيك عائلات تقضي عمرها كله تردد السؤال نفسه أين أمي لماذا لا أحد يبحث ماذا لو كانت ما تزال حية
أسرة هيريرا لم تعد تسأل. لم تعد تبحث بالطريقة الأولى لكنها واصلت الحكي. وما دامت تحكي فلن تكون غوادالوبي مجرد رقم. ستكون قصة وذاكرة وتحذيرا لمن يظن أن ذلك لا يحدث إلا للآخرين.
إن النسيان شكل من أشكال العنف لكن التذكر أيضا مؤلم.
وبعد قرابة عقدين على اليوم الذي خرجت فيه غوادالوبي ببلوزتها الخمرية وحقيبتها الفاتحة ظل ثقل اختفائها موجودا في البيت موزعا على أشياء وروتين وإيماءات لا إرادية. لم يكن ذلك ذكرى بقدر ما كان حضورا بلا وجه اسما يقال رغم الصمت الرسمي.
كانت ميريام وقد تجاوزت الأربعين قد تعلمت أن تتحرك داخل ذلك الألم. لم تعد تبكي كل يوم ولم تعد تفتش عن إجابات في كل زاوية لكنها لم تتوقف عن حماية التفاصيل البلوزة محفوظة بورق رقيق المذبح البسيط بشمعة بيضاء دفتر أمها بخواطر قصيرة كأنها بطاقات من ماض لا يريد أحد إغلاقه.
وفي أحد تلك الأيام وبينما ترتب أوراقا قديمة وجدت رسالة لم ترسل قط. كانت موجهة إلى فرجينيا. خطها ضيق وحبرها أزرق
أنت تعرفين ما فعلت أو ما سمحت أن يحدث. لا أدري إن كنت أنت من فعل أم كان أحد حولك لكن الصمت أيضا عنف. أنا لا أحتاج عدالة أحتاج أن تقوليها. أن تقوليها على الأقل.
لم تعرف ميريام هل كتبت أمها تلك الرسالة فعلا
إدواردو من جهته بدأ يعاني مشكلات صحية ضغطا مرتفعا وصداعا متكررا. كان قد كف عن الحديث عن الموضوع لكنه ظل يمر أحيانا قرب المكان. لم يعد يقف طويلا فقط يمر بدراجته ينظر نحو المستودع ثم يمضي.
مرة سأله صديق في الورشة لماذا تفعل ذلك لم يجب فورا ثم قال فقط هناك شيء لي هناك. وكان صادقا. جزء منه دفن مع تلك الحقيبة الممزقة.
حاولت روسيو إقناعهم بعلاج نفسي أسري. رفضت ميريام. ورآه إدواردو تضييعا للوقت. ذهبت روسيو وحدها.
في إحدى الجلسات سألتها الأخصائية ماذا تشعرين حين تفكرين بأمك قالت روسيو ظلم لكن أيضا فخر لأن أمي تجرأت على شيء كثيرات لا يفعلنه أن تطالب.
عندها فهمت أن حكاية غوادالوبي ليست مأساة فقط بل إرثا وتحذيرا.
وفي تلك السنوات ظهرت شائعات بعيدة امرأة مختفية في فيراكروز بملامح مشابهة مقالة قديمة عن شبكات استغلال في بويبلا ومن قال إنه رأى امرأة تشبه غوادالوبي في مطبخ خيري في إيدالغو. كانت كل إشارة تفتح نافذة أمل قصيرة ثم تنغلق. لكن ميريام تعلمت أن تصفي ألا تسمح لكل إشارة أن تهزها من الداخل. صنعت قلبا محميالا بلا إحساس بل متحصنالأنها كانت تعرف أن أمها لن تعود لكنها كانت تعرف أيضا أن النسيان ليس خيارا.
في 2016 دعيت ميريام إلى لقاء غير رسمي لأسر المفقودين. لم تكن تريد الذهاب. كانت ترى أن الكلمات لا تغير شيئا. لكن روسيو أصرت فذهبت.
في قاعة صغيرة بكراس بلاستيكية وقهوة سريعة سمعت ميريام قصصا مطابقة لقصتها أمهات وأخوات وزوجات كلهن يشتركن في شيء واحدامرأة خرجت ولم تعد.
لأول مرة لم تشعر ميريام بأنها وحدها. لم تلق خطابا ولم تطلب شيئا فقط عرضت صورة أمها نفس الصورة التي استخدمتها على الملصقات عام 1997 غوادالوبي واقفة أمام حائط ترتدي مريولا ويداها متشابكتان وتبتسم ابتسامة خفيفة.
بعد الاجتماع اقتربت منها امرأة وقالت أمك أيضا كانت عاملة منزل صحيح أومأت ميريام. فقالت المرأة هن يسندن البلد ولا أحد يبحث عنهن حين يختفين. بقيت تلك العبارة في ذهن ميريام أسابيع لأنها لخصت كل ما عاشوه.
غوادالوبي لم تكن استثناء كانت رمزا. وميريام بدأت تفهم ذلك بوضوح أكبر.
في البيت لم يكن الإخوة يتحدثون كل يوم لكنهم كانوا يعرفون أن كل ما يفعلونهكل قرار
أحيانا تكفي قصة امرأة واحدة لتشرح ما تعجز عنه آلاف القصص.
وفي المدرسة الإعدادية الفنية التي كانت ميريام تساعد فيها وقع أمر أعاد بعثرته كل شيء داخلها طالبة عمرها أربعة عشر عاما توقفت عن الحضور بلا تفسير. اسمها إيتسل فارغاس. كانت تعيش مع جدتها في منطقة أعلى من الحي. لم يكن هناك بلاغ ولم يكن أحد يعرف شيئا.
مر الأمر بلا ضجيج لكن ميريام لم يحتمل ذلك الصمت. تحدثت مع المديرة وبعض المعلمين وبدأت تسأل ومن حيث لا تريد عادت إلى تلك المنطقة القديمة من العجز حيث كانت في 1997.
عادت لتلصق منشورات. عادت لتسير في الشوارع. عادت لتشعر بتلك الغثيان الصامت الذي يصاحب الخوف. وبعد أربعة أيام عثر على إيتسل. كانت قد ذهبت مع رجل أكبر سنا. كانت حية لكن القصة أيقظت شيئا في ميريام لم يعد يمكن دفنه.
قالت في نفسها لا أستطيع أن أبقى أتفرج على تكرار الأمر.
ومن هنا قررت فعل شيء صغير لكنه حاسم. بالتعاون مع روسيو بدأت تجمع شهادات عاملات منازل في سانتا مارتا. لم يكن عملا رسميا مجرد تسجيلات صوتية بموافقة وأحاديث ونصوص قصيرة.
كثيرات تحدثن عن أجور غير مدفوعة وعن ربات عمل يختفين دون دفع وعن ساعات قاسية وإهانات يومية. وبين كل تلك الأصوات كانت قصة غوادالوبي تعود مرارا كصدى لا ينتهي. بعضهن تذكرن أنهن عملن معها وبعضهن رأين ملصقاتها وبعضهن اكتفين بقول حتى أنا خفت يوما أن أخرج لأطالب بحقي.
وهكذا ولدبلا اسم رسمي وبلا تمويل وبلا منصاتأرشيف شفهي غير رسمي لعاملات المنازل. كانت ميريام تسميه دفتر اللواتي لا يستسلمن. وكانت روسيو ترتبه في دفتر أزرق بأسماء وتواريخ وحكايات. أما إدواردو ورغم أنه لم يشارك كان يراقب باحترام.
كان يرى في أختيه شيئا لا ينطفئ. ورغم أنه لم يوافق على أساليبهما كان يعرف أنه لولا ذلك لكانت غوادالوبي ستتحول إلى غبار.
في 2017 علمت مجموعة نسوية صغيرة شرق المدينة بالقصة. دعت ميريام إلى فعالية مجتمعية. لم ترغب في الحديث أمام الناس لكنها وافقت على إحضار الصورة ونسخة من البلوزةبعد أن بهت لونهاكمعنى رمزي.
كانت أمسية بسيطة بلا خطابات طويلة ولا كاميرات لكن شيئا تغير. اقتربت منها شابة في العشرين تقريبا وقالت أمي أيضا اختفت. لم يبحث عنها أحد لكن قصتك تعطيني قوة لأكمل. لم تجب ميريام كثيرا فقط أومأت.
لم تعد تبكي من الداخل كلما سمعت مثل هذه الجمل لكنها كانت تخزنها لأنها تعرف إذا كانت
متابعة القراءة