خرجت تطالب بحقّها… وبعد 14 سنة ظهر “الدليل” تحت الإسمنت!
المحتويات
وحوله آثار رطوبة. وبجهد رفعاه معا. ما رأياه تحت اللوح لم يكن مجرد تراب كان طينا أحمر مع ماء راكد ورائحة انغلاق حفرة. وداخل تلك الحفرة مضغوطين تحت ثقل الإسمنت ظهرت قطعتان أنهكهما الزمن.
حقيبة بيج فاتح يمكن تمييزها من النظرة الأولى ممزقة ملطخة مغطاة بطين يابس ورطوبة وإلى جوارها بلوزة نسائية بلون خمري بأزرار منفلتة وبشقوق وألياف ضعفت بفعل السنين. ومع ذلك ظل اللون رغم الاتساخ والبهتان حاضرا. أبلغ أوسكار مشرفه. وسرعان ما حضرت دورية وطوق المكان واستدعي ممثل النيابة.
لساعات عاين الخبراء الحفرة. لم تكن هناك بقايا عظمية ظاهرة فقط القطعتان. كان الطين قد حفظ جزءا من القماش لكن لم تظهر إشارات أخرى واضحة. وكانت الجارة دونيا إلفيرا هي التي مرت ورأت المشهد فسألت بصوت عال أليس هذا ما يخص غوادالوبي ارتد السؤال في الهواء كصدى قديم.
رد أحد العناصر بأنه لا توجد مؤشرات على بقايا بشرية لكن شخصا آخرامرأة كانت قد رأت المنشورات في التسعيناتتذكرت لون الملابس المذكور. تم الاتصال بميريام في عصر اليوم نفسه. قالوا لها إنهم ربما وجدوا مقتنيات قد تطابق وصف اختفاء والدتها. ولم يقولوا أكثر.
عندما وصلت إلى المكان لم تحتج إلى أي شرح. مشت بين الطين اليابس والغبار. اقتربت من السياج وما إن رأت الحقيبة البيج حتى أوقفها البكاء في مكانها. همست إنها حقيبتها. ثم تناولت البلوزة بحذر كأن أمها ما تزال حية كأن رائحتها ما تزال فيها. تعرفت عليها من خياطة صغيرة باليد ومن رقعة في الكم الأيسر كانت قد أصلحتها بنفسها قبل سنوات.
الزمن لا يمحو بعض التفاصيل فقط يخفيها. أعادت النيابة فتح الملف. عين خبير جديد وبدأت حفريات سطحية بحثا عن أي آثار مادية أو مؤشرات يمكن الاستناد إليها.. لم يظهر شيء. كانت الأرض قد ردمت مرات عديدة. والرطوبة بدلت طبقات التراب. وبدا أن اللوح وضع عمدا لإغلاق الحفرة.
وعند مراجعة سجلات الدائرة لم يوجد أي تسجيل لأعمال إنشائية في تلك النقطة. لم يستطع أحد تفسير من وضع اللوح ولماذا. لم يكن جزءا من أي بنية سابقة. استدعيت أسرة هيريرا للإدلاء بإفادتها من جديد. وقدمت ميريام صورا قديمة تظهر والدتها وهي ترتدي البلوزة نفسها وتحمل الحقيبة نفسها.
أعيد تصنيف الملف بوصفه اختفاء في ظروف غامضة وبمصدر غير معروف لكن غياب الجثمان أو الشهود كان يمنع أي تقدم حقيقي. عاد اسم فرجينيا دي لا توري إلى الواجهة في التحقيق لكن أثرها ظل معدوما. لم تظهر مرة أخرى في سجلات الإيجارات. لم يعثر على رقم وطني في
كأن البلاد ابتلعتها. لأسابيع دارت القصة همسا بين الجيران. بعضهم تذكر أن فرجينيا كانت حادة الطباع. آخرون تمتموا أنها كانت تعرف أناسا ذوي نفوذ لكن أحدا لم يجزم. وحدها دونيا إلفيرا قالت بصوت مسموع ما كان كثيرون يفكرون فيه هذا لم يوضع وحده.
أسكت صوت غوادالوبي وطمست آثارها كما لو أنها شيء يمكن تجاهله.. ومع الوقت غطيت المنطقة من جديد. بيع المكان بثمن منخفض وبنيت فوقه مستودع لمواد معاد تدويرها. لم يعرف المالكون الجدد ما كان هناك من قبل. احتفظت ميريام بالبلوزة والحقيبة في صندوق مبطن بقماش أبيض.
لم تستطع دفنهما ولم تستطع تركهما. احتفظت بهما بوصفهما الدليلين الوحيدين على أن أمها وجدت يوما وأنها ناضلت ولم تغادر بإرادتها. لأن في المكسيك أحيانا لا يبقى سوى ذلك قطعة قماش ويقين صامت وغضب من عدم المعرفة. لم يكن هناك جثمان ولا متهمون ولا حقيقة. كان هناك صندوق فقط.
بعد العثور في الأرض الخالية دخلت أسرة هيريرا مرحلة جديدة مواجهة حقيقة بلا شكل بلا أدلة كافية لإغلاق الحداد لكن بعناصر قوية إلى حد يجعل إنكارها لاإنسانيا. أرسلت البلوزة والحقيبة إلى المختبر.
وأفاد التقرير بأن الألياف متوافقة مع مواد صنعت وسوقت بين عامي 1994 و. لم تظهر آثار دم مرئية ولم يكن هناك حمض نووي صالح للاستخدام. كان الطين والزمن وثقل الإسمنت قد أفسد أي أثر بيولوجي. وأبدت النيابة في إيزتابالاباتحت إدارة مختلفةاستعدادا أكبر لإعادة فتح القضية رسميا.
لكن بعد أسابيع من الإجراءات كانت الخلاصة هي نفسها بلا جثمان لا جريمة مؤكدة. بلا شهود لا متهمين. بلا أدلة لا قضية. وجاء في المحضر الختامي العناصر المعثور عليها لا تتيح إثبات الوفاة قانونيا بصورة يقينية للسيدة غوادالوبي هيريرا مارتينيث. سيبقى الملف مفتوحا رهن ظهور مؤشرات جديدة.
وقعت ميريام الوثيقة دون أن تنظر إلى أحد. كانت قد تعلمت عبر السنين أن أعمق ألم لا يصرخ بل يصمت ويواصل العيش. أما روسيو وقد كانت في الثامنة والعشرين فلم ترد حضور تلك الجلسة. ما كان يوجعها ليس غياب العدالة بل تخيل أن آثار أمها ومقتنياتها ظلت محجوبة تحت لوح إسمنتي على بعد دقائق من البيت لأكثر من عقد بينما هن يبحثن عنها في كل المدينة.
قالت يوما كنا ننتظرها وكانت هناك بجانبنا بلا صوت بلا اسم مثل كثيرات. وأما إدواردو فصار ينظر بريبة إلى كل وجه في الشارع. لم يتجاوز قط فكرة أن من فعل ذلك قد يكون ما يزال حيا يمشي ويشتري خبزا في
وبشأن فرجينيا دي لا توري لم تستطع النيابة العثور إلا على شهادة ميلاد مؤرخة عام 1945. لا سجل بعدها. ذكر أحدهم أنها ربما انتقلت إلى بويبلا وقال آخرون إن لها أختا في ليون لكن لم يثبت شيء. لم تستدع ولم تحقق معها بجدية.
في 2012 ضم فريق من أسر المفقودات ملف غوادالوبي إلى معرض فوتوغرافي بعنوان غيابات تؤلم. علقت صورتهاصورة قديمة من الثمانينيات تظهرها جالسة أمام موقدإلى جانب صور عاملات أخريات اختفين في التسعينات. حضرت ميريام الافتتاح. حملت البلوزة مطوية في حقيبة قماش بيضاء.
أبقتها على حجرها طوال الحفل. لم تدل بتصريح ولم ترد مقابلات. قالت فقط أمي خرجت يوما لتطالب بما لها ولم تعد. هذا وحده يقول كل ما يجب أن يقال عن هذا البلد.
واليوم فوق الأرض التي ظهر فيها اللوح يوجد مستودع بسقف من صفائح معدنية وجدران من طوب أسمنتي مطلي بالجير. في الداخل تتكدس قوارير كبيرة وأكياس وخردة. لا أحد من العمال يعرف ما تحت الإسمنت. لا أحد يسأل لا أحد يتذكر.
وفي بيت شارع سيدروس ما تزال ميريام تعيش. تبقي غرفة أمها كما كانت. وعلى الحائط قرب المذبح الصغير توجد ورقة مغلفة بالبلاستيك كتب فيها غوادالوبي هيريرا مارتينيث أم عاملة مختفية منذ 1997.
وفي كل يوم 3 مارسآذار لا يطبخ في ذلك البيت. لا تشغل التلفاز لا يكنس بل يترك مكان فارغ على المائدة وتشعل شمعة أمام البلوزة الخمرية لا تكريما ولا مواساة بل احتجاجا صامتا طريقة للقول إنها لم ترحل.
لقد اختفت لأن النهايات في المكسيك لا تغلق دائما لكن الذكريات لا تمحى كذلك. استمرت الأيام لكنها لم تعد طبيعية. في سانتا مارتا أكاتيتلا حيث ضجيج الأسواق ومكبرات الصوت يهيمن على الصباحات صار بيت آل هيريرا مساحة معلقة. قلت الزيارات. وتوقف الجيران عن السؤال.
تعلمت الأسرة التعايش مع ما لم يقل. عادت ميريام إلى عملها كمساعدة تربوية لكنها لم تعد كما كانت. لم تعد تضحك مع الأطفال كما قبل. كثيرا ما كانت عيناها تتيهان خصوصا حين يذكر أحد اسم غوادالوبي. كانت أمها قدوتها وبوصلتها. والآن صارت مسؤوليتها الأكبر ألا ينسوها.
كلما استطاعت نظمت سهرات صغيرة في البيت تدعو فيها نساء الحي للتحدث عما حدث. صاروا يستخدمون الكلمة التي لم يكن أحد يريد قولها قبلا اختفاء. ومن دون أن تكون ناشطة صارت ميريام مرجعا غير رسمي. كانت قد عاشت ما تخشاه كثيرات وهذا منحها قوة رغم أنها كانت تتفتت من الداخل.
في إحدى أمسيات عام 2013 وبينما كانت ميريام تنظف رفا قديما
أحيانا أسأل نفسي هل تكفي هذه الحياة لامرأة واحدة نحن اللواتي نخدم الآخرين لنا تعب أيضا. هناك أشياء تنكسر دون أن تصدر صوتا.
احتفظت ميريام بالدفتر كما لو كان وصية لأن كل سطر فيه كان يؤكد شيئا طالما شعرت به أن أمها لم تكن تريد أن تختفي ولم تكن تريد أن تستسلم لكنها أيضا لم تعد تريد أن تبقى غير مرئية.
أما إدواردو فلم يكن يتحدث عن الموضوع. اكتفى بإصلاح المحركات وبيع قطع الغيار لكنه كان بين حين وآخر يعود ليلا إلى مكان المستودع الذي بني فوق الأرض التي وجدت فيها الحقيبة والبلوزة. يقف هناك صامتا كأنه ينتظر شقا في الإسمنت شيئا يسمح له بالدخول والحفر بيديه ليثبت ما يفترضه الجميع ولا يجرؤ أحد على قوله بصوت عال.
وفي مرة قال لميريام وماذا لو لم تكن السيدة فرجينيا ماذا لو كان شخصا آخر ماذا لو كان أحدا من هنا أحدا كان يعرف أن أمي ستذهب لتحصيل مستحقاتها ذلك اليوم لم تعرف ميريام بماذا تجيب. كانت الاحتمالات لا تنتهي والنظام لم يهتم يوما باستبعاد أي احتمال.
ذلك الشك ذلك الكسر الداخلي كان الأكثر إيلاما. أما روسيووقد أصبحت ممرضةفحافظت على مسافة عاطفية. كانت تساعد في البيت وتعتني بأختها حين تمرض ميريام أو تنهار أعصابها لكنها لا تفتح باب الماضي حتى جاء يوم دون إنذار وقدمت ملفا أصفر قصاصات ملاحظات رسومات ونصوص كتبتها بنفسها. سمته ما تركته أمي.
كان فيه كل ما خبأته روسيو منذ كانت في الرابعة عشرة نسخ من الملصقات صور قديمة إشارات صغيرة إلى نساء أخريات اختفين في التسعينات. كان ذلك طريقتها لتقول أنا أيضا أتذكر. وجمع ذلك الفعل الثلاثة الذين بقوا بعد غياب غوادالوبيلا كما كانوا قبلا لن يكونوا كذلك أبدالكن بما يكفي ليتقاسموا الألم لأن هذا وحده لم ينتزع منهم.
بعد سنوات من العثور على المقتنيات عاودت النيابة الاتصال بميريام. أرادوا أن يعرفوا إن كانت ترغب في توقيع محضر افتراض وفاة. قالت لا. ما دام لا يوجد جثمان وما دامت الحقيقة لم تقل كما حدثت فأمها ستظل مفقودة لا ميتة لا منسية بل غير مرئية فحسب. قد رفع اللوح لكن ثقله بقي.
وهكذا في مستعمرة تشبه كثيرات غيرها شرق مدينة مكسيكو بين شوارع بلا أسماء وأسلاك كهرباء متشابكة بقي بيت ينتظر. لم يعد انتظارا بسذاجة الأمل الأولى
متابعة القراءة