خرجت تطالب بحقّها… وبعد 14 سنة ظهر “الدليل” تحت الإسمنت!
في إيزتابالابا مارسآذار 1997. كان الحر قد بدأ يثقل على الجدران الرمادية في سانتا مارتا أكاتيتلا عندما أغلقت غوادالوبي هيريرا باب بيتها بحذر. كان الوقت قد تجاوز التاسعة صباحا بقليل. ولم تكن تعلم أنها لن تعبره مرة أخرى. وعلى امتداد عقدين صارت غوادالوبي هيريرا مارتينيث اسما مألوفا في تلك المستعمرة.
امرأة قليلة الكلام رسمية المظهر تمشي باكرا وحقيبتها البيج الفاتح على كتفها نحو بيوت ليست بيتها تنظف الأرضيات وتطبخ وترعى أطفالا ليسوا أبناءها. وفي الخامسة والأربعين كانت ما تزال تملك القوة لطي الملاءات المبللة أو حمل الدلاء من الخزان إلى الطابق الثاني لكن ما لم تعد تحتمله هو قلة الاحترام.
في ذلك الاثنين خرجت غوادالوبي مرتدية بلوزة بلون خمري بأزرار كوتها بعناية في الليلة السابقة وبنطالا بيج فاتحا كانت ترتديه حين تريد أن تبدو أكثر رسمية قليلا. لم يكن يوما عاديا. فمنذ أسابيع وهي تدور في رأسها فكرة مواجهة امرأة تعرفها جيدا.
فرجينيا دي لا توري ربة عملها السابقة. كانت فرجينيا قد شغلتها سبع سنوات. لم تكن لطيفة لكنها كانت تدفع في موعدها حتى الأشهر الأخيرة. وعندما قررت غوادالوبي ترك العمل بسبب التعب ومشكلة في ركبتها طلبت منها السيدة بضعة أيام لتصفية مستحقاتها. ثم اختفت دون تفسير وانتقلت من منزلها دون أن تدفع ما عليها.
خلال الأسابيع التالية حاولت غوادالوبي التواصل معها عبر أرقام قديمة. سألت الجيران بل طلبت من عاملة سابقة عنوانها الجديد. لا شيء. كان شعورها بأنها مهملة ينخرها. لم يكن الأمر مالا فحسب بل كرامة. وفي ذلك الصباح قالت لابنتها الكبرى ميريام إنها ستذهب أخيرا للبحث عنها.
تمتمت وهي تضبط حزام حقيبتها لن أترك الأمر يمر بعد اليوم. عرضت ميريام أن ترافقها لكن غوادالوبي رفضت. قالت بنبرة هادئة لكنها حازمة هذا شأني. لم تحمل بطاقة هوية ولم تحمل هاتفا فقط بعض العملات وورقة مكتوبة بخط اليد فيها العنوان الذي حصلت عليه من إحدى الجارات شارع كلافيليناس في لوماس دي ساراغوسا.
ومعها حقيبتها المعتادة تلك نفسها التي كانت تضع فيها أدوات التنظيف ودفتر ملاحظاتها ومسبحة خشبية صغيرة. مرت الساعات. في البداية ظنت ميريام أن أمها ربما ذهبت إلى عنوان آخر أو توقفت لتتحدث مع إحدى المعارف. لم يكن معتادا أن تغيب كل هذا الوقت لكن غوادالوبي كانت تفاجئهم أحيانا.
غير أن الصمت بدأ يثقل مع حلول المساء السادسة ثم الثامنة ثم التاسعة ولم تعد. عاد إدواردو ابنها ذو التاسعة عشرة مبكرا من ورشة إصلاح السيارات تلك الليلة. ما إن دخل حتى سأل وأمي هزت
سرعان ما بدأت الاتصالات بدونا إلفيرا وبالكمادة ليتيسيا وبالسيدة روزا التي كانت غوادالوبي تتقاسم معها الأعمال أحيانا. لا أحد يعرف شيئا لا أحد رآها. حاولوا الاتصال بالرقم القديم للسيدة فرجينيا. لم تجب. بل ذهبوا إلى آخر منزل عملت فيه غوادالوبي لكن الواجهة كانت خالية والزجاج متسخا ولافتة للإيجار مائلة على البوابة الحديدية.
كان الوقت قد تأخر. عادت ميريام إلى البيت وفي داخلها شعور لن يفارقها أن شيئا لا يستقيم وأن أمها لم تضل الطريق ولم تنسهم. كان هناك ما حدث بالفعل. وفي تلك الليلة نامت روسيو الصغرى ذات الأربعة عشر عاما وهي تعانق ملابس أمها. كانت المرة الأولى التي لا تنام فيها غوادالوبي في البيت دون أن تخبرهم.
في اليوم التالي ذهبت ميريام إلى النيابة العامة في إيزتابالابا. كانت تحمل صورة لأمها ونسخة من بطاقة الناخب ووصفا مكتوبا بخط اليد لما كانت ترتديه. الموظف الذي استقبلها سيرخيو كورنيخو بالكاد رفع عينيه. سألها إن كانت أمها مرتبطة بأحد.
قالت ميريام لا. سألها إن كانوا تشاجروا. قالت لا. سألها إن كانت تشرب الكحول. كتمت ميريام غضبها. قال الموظف وهو يملأ الاستمارة على عجل قد تكون غادرت بإرادتها. ثم أضاف انتظروا اثنتين وسبعين ساعة. إن لم تظهر ننظر في فتح ملف.
طوال ثلاثة أيام جابت الأسرة شوارع سانتا مارتا. توقفت ميريام عن عملها. طلب إدواردو إذنا في الورشة. لصقوا منشورات على الأعمدة وسألوا في المستشفيات ومحطات الحافلات وجالوا سوق إغناسيو ساراغوسا ومنطقة مترو أكاتيتلا. لا شيء. لم ير أحد غوادالوبي في ذلك الاثنين. لا كاميرات ولا شاهد ولا أثر.
كان عنوان فرجينيا الذي لديهم مبهما شارع طويل ببيوت متشابهة. طرقوا أبوابا كثيرة. بعض الجيران تذكروا شاحنة بيضاء كانت تقف هناك منذ أسابيع لكنهم لم يعرفوا من يسكن بالتحديد. آخرون قالوا إن عائلة كانت قد رحلت دون اسم أو رقم أو لوحات. كان الأمر أشبه بمطاردة دخان. وفي نهاية المطاف قبل البلاغ يوم الجمعة من الأسبوع نفسه.
ومع ذلك لم تكن هناك عملية بحث رسمية ولا فرق ميدانية ولا تفتيش. أودع الملف في خانة غياب محتمل بإرادة شخصية تحت الرمز 61497. وفي السجلات لم تعد غوادالوبي هيريرا أما مفقودة صارت بالغة ربما لا تريد أن تعثر عليها. لكن في بيتها لم يكن هذا خيارا يوما.
على مدى أسابيع كانت ميريام تحتفظ بدفتر تسجل فيه كل شيء الأماكن التي زاروها الأسماء ردود الجيران. بدأ إدواردو يمشي ليلا في مناطق قليلة العابرين. توقفت روسيو عن الكلام في المدرسة. ولم
ولم يتخيل أحد أن الأمر كان بطريقة ما قريبا من الحقيقة حرفيا تقريبا. بعد اليوم الرابع توقفت ميريام عن البحث عن أمها في الشوارع. وبدأت تبحث عنها في عيون الناس. كل امرأة تسير وظهرها للناس كل خطوة مسرعة كل ظل على الرصيف المقابل كان يبدو احتمالا سرابا آخر.
لم تعد غوادالوبي موجودة لكنها لم تكن قد رحلت. بقيت المائدة في بيت شارع سيدروس بأطباقها كما هي. وبقي خزانة غوادالوبي تحمل رائحتها وتنوراتها مطوية بعناية وعلب مرهم الأوكالبتوس على الرف. ميريام التي كانت دوما الابنة المسؤولة التي تحفظ نظام البيت حين تعمل أمها خارجه تحملت مهمة جديدة ألا تسمح لذاكرة غوادالوبي أن تنطفئ.
كانت هي من رتبت نسخ المنشورات وهي من أصرت على طلب العون من مجموعات نسائية حتى في زمن لم تكن فيه هذه الشبكات قد تشكلت فعليا. ففي 1997 لم تكن حالات الاختفاء تتصدر الصحف ولم تكن هناك شبكات اجتماعية ولا تنبيهات فورية.
وحين تكون الضحية عاملة منزل بلا نفوذ ولا اسم كبير كانت العدالة تذوب ببساطة بين الاستمارات والأعذار. أما إدواردو فبدأ يبتعد أكثر عن الورشة. أحيانا يبيت خارج البيت. وأحيانا يعود فجرا بوجه قاس وقميص متسخ ورائحة سهر. تعلق بشائعة سمعها في سوق شعبيأن بعض النساء قد يختفين وتتداول مزاعم عن جهات إجرامية تنقلهن إلى مناطق بعيدة
. أراد الذهاب إلى تيخوانا.
أقنعته ميريام بالبقاء. كانت تقول وماذا لو كانت ما تزال هنا قريبا ماذا لو كانت محتجزة في مكان ما أما روسيو فلم تتكلم. حشرت كل الأسئلة في صدرها وصارت ترسم دائما الشيء نفسه هيئة من الخلف ترتدي بلوزة أرجوانية تدخل شارعا بلا مخرج. مرت الشهور. ذكر الملف مرة واحدة في إذاعة محلية بفضل جارة ألحت على صحفي ثم انتهى كل شيء عند ذلك.
أما فرجينيا دي لا توري ربة العمل السابقة فلم يعثر عليها قط. لم تكن هناك سجلات واضحة لعنوانها الجديد. ولم يبد أن أحدا في الدائرة مهتم بتتبع الخيط. كان أغلب الجيران يظنون أن غوادالوبي تعبت فحسب وربما ذهبت مع أحدهم. كانت تلك العبارات تجرح كالسكاكين.
كانت إلفيرا روميرو الجارة الأقرب تكرر جملة لم تنسها روسيو أبدا نساء مثل أمك لا يختفين رغبة. إنما تبتلعهن الظلم. رافقت إلفيرا ميريام إلى المستشفيات معا راجعتا حالات مجهولي الهوية في المستشفيات دون أن تعثرا على أثر يطابقها. لم يطابق أي منها. وفي 1999 جدد عقد إيجار البيت الذي كانت غوادالوبي قد عملت فيه آخر مرة.
حاولت ميريام الحصول
كانت ميريام قد بلغت الخامسة والعشرين. تركت وظائف عديدة لتعتني بروسيو وبإدواردو الذي كان يصارع نوبات غضب صامت. وفي إحدى ليالي الصمت الثقيل دخلت ميريام غرفة أمها وفتحت دفترها الشخصي.
كان دفترا بغلاف صلب مهترئ تكتب فيه غوادالوبي قوائم المشتريات والمهام ومواعيد العمل. وفي الصفحة الأخيرة لم تكن سوى جملة واحدة الكرامة لا تطلب بل تنتزع. لم تعد أسرة هيريرا تحتفل بأعياد الميلاد ولا بليالي البوسادا ولا بالمناسبات الوطنية.
صار يوم 3 مارسآذار وحده يعلم كل عام شموع ودموع وصمت. وفي وسط المذبح البسيط كانت ميريام تضع دائما بلوزة بلون خمري ليست البلوزة الحقيقية بل واحدة مشابهة اشترتها من السوق الشعبي كرمز كطريقة لتقول أنت هنا.
لسنوات بقيت غوادالوبي ظلا لا وزن له خارج البيت لكن داخل البيت كانت غيابا يملأ كل شيء. لم يكن أحد يتخذ قرارا دون أن يفكر وماذا لو عادت أين ستنام ماذا سنقول لها مر عقد كامل. شاخ البيت وتقشرت الجدران. أنشأ إدواردو أسرة صغيرة لكنه لم يبتعد تماما. درست روسيو التمريض. وظلت ميريام على وعدها لم تتوقف عن البحث. وكان عام 2011 على وشك أن يبدأ بروتينه المعتاد من الاستسلام لكن ذلك العام سيغير كل شيء إلى الأبد.
لم يكن الأمر بحثا بل حملة تنظيف ومع ذلك انتهى إلى اكتشاف. لسنوات كان هناك أرض في زاوية شارع بيرولس مع ممر بلا اسم يبعد ستة شوارع فقط عن بيت آل هيريرا تستخدم مكبا عشوائيا. أرض غير منتظمة منسية من الدائرة تتكدس فيها فرش قديمة وأثاث مكسور وزجاجات وأكياس سوداء وأنقاض.
في ينايركانون الثاني 2011 وبعد شكاوى متكررة من الجيران بسبب انتشار الفئران أرسلت دائرة إيزتابالابا فريقا من العمال لتنظيف المكان. كانت المهمة بسيطة إزالة القمامة وتسوية الأرض تمهيدا لاستخدام محتمل. وكان من بين العمال أوسكار تيليز 38 عاما وراميرو كاستانييدا 41 عاما.
كانا عاملين معتادين على العمل بين الأنقاض والمناطق المتدهورة. في ذلك اليوم لاحظا شيئا غريبا وهما يحاولان تحريك لوح إسمنتي متشقق موضوع بطريقة غير طبيعية في وسط الأرض. لم يكن جزءا من رصيف ولا من بناء قديم بدا كأنه وضع بلا سبب. قال راميرو وهو يتفحص الحواف من يضع لوحا كهذا وحده
كان اللوح يقارب مترا مربعا