رماني حامل على الطريق السريع… وده كان آخره في حياتي
الدكتورة بصّتلي نظرة…
نظرة حد شايل خبر تقيل،
ومش عارف يرميه إزاي من غير ما يكسّر اللي قدامه.
قالت بهدوء موجع:
— الطفل عاش…
— بس دقيقة زيادة على الطريق كانت هتضيّعه.
الدقيقة دي…
كانت فرق بين الحياة والموت.
فرق بين حضن وقبر.
فرق بين ضحكة ووجع عمره ما يروح.
عيطت.
مش فرح.
عياط وجع.
عياط واحدة اتكسرت،
بس لسه واقفة.
لسه بتتنفّس.
لسه شايلة مسؤولية روح تانية،
روح اختارت تعيش.
صدره صغير قوي.
أنفاسه خفيفة،
كأنها بتتعلّم تمشي.
إيده مسكت صباعي،
مسكة ضعيفة…
بس مليانة معنى.
كأنها بتقولي:
«ما تسيبينيش… أنا لسه هنا».
بعد يومين…
البوليس دخل الأوضة.
واحد فيهم قال بهدوء رسمي:
— حد بلّغ.
الكاميرات سجلت كل حاجة.
العربية.
الطريق.
اللحظة اللي اتسابيت فيها.
الفرملة المفاجئة.
الوقفة.
الباب اللي اتفتح.
الباب اللي اتقفل.
وسيَبني ومشي.
ولا حتى لفّ
أما دانيال؟
كان في حفلة أمه.
بيضحك.
بيرفع كاسه.
وبيحتفل.
وأمه واقفة جنبه،
مرفوعة راسها،
فخورة بابنها.
مش عارف…
ولا حابب يعرف…
إن مراته بين الحياة والموت.
إن ابنه كان على بعد دقيقة من الفقد.
اتقبض عليه تاني يوم.
التهم؟
إهمال.
تعريض حياة زوجته وطفله للخطړ.
محاولة قتل غير مباشرة.
أمه جت المستشفى.
بتصرخ.
بتعيط.
بتشد شعرها.
— ده ابني!
— مكانش يقصد!
— دي مراته!
بصّتلها.
كنت شايلة ابني على صدري.
مش شايلة طفل وبس…
شايلة سبب حياتي.
شايلة الروح اللي فضلت عايشة عشانه.
حاسّة بنبضه.
نبض صغير، ضعيف،
بس عنيد.
نبض بيقول: أنا هنا… ولسه متمسّك.
حاسّة بحرارته.
حرارة طفل لسه جاي الدنيا،
لسه ما اتعلّمش القسوة،
لسه ما عرفش يعني إيه يتساب.
حاسّة إنه لسه هنا…
رغم كل حاجة.
رغم الطريق.
رغم الدم.
رغم اللي سابه ومشي.
في اللحظة دي فهمت.
فهمت
مش عشان أكمّل مع حد،
لكن عشان أكمّل معاه هو.
قلت بهدوء يخوّف أكتر من الصريخ:
— لا…
الكلمة طلعت ثابتة.
مش مهزوزة.
مش طالعة من واحدة ضعيفة.
طالعة من واحدة عرفت الحقيقة أخيرًا.
— هو كان قاصد.
— وقاصد يختار.
ما حاولش.
ما تردّدش.
ما بصّش ورا.
اختار يرضيك.
اختار يسيبني.
اختار يمشي.
اختار نفسه.
وأنا اخترت ابني.
القاضي ما كانش رحيم.
ولا الناس.
ولا الحقيقة.
الحقيقة لما تطلع،
ما بتسيبش حد واقف.
إمّا تكسره…
إمّا تفضحه.
اتحكم عليه.
وخسر شغله.
الشغل اللي كان فاكره أمان.
وخسر سمعته.
السمعة اللي كان حاميها على حسابي.
وخسر ابنه.
مش لأني قاسية…
لكن لأني اخترت أنقذ اللي يتنقذ.
طلّقت.
من غير صريخ.
من غير مشاهد.
من غير ما أرجع خطوة.
آخر مرة شوفته فيها…
كان واقف ورا القضبان.
القضبان اللي فجأة بقت أعلى منه.
وشه شاحب.
مش
ولا الوش اللي كان شايف نفسه دايمًا صح.
عينيه غرقانة ندم.
ندم متأخّر.
ندم مالوش علاج.
قال بصوت مكسور،
صوت واحد خسر كل حاجة:
— سامحيني…
— كنت غبي.
بصّيتله.
مش بكره.
مش بشماتة.
ولا حتى بزعل.
بهدوء.
من غير دموع.
من غير صوت عالي.
قلت:
— لا.
— إنت ما كنتش غبي.
— إنت كنت واضح.
واضح في اختياراتك.
واضح في أنانيتك.
واضح في إنك لما اتحطّيت بين أمّك ومراتك،
اخترت الأسهل…
وسبت الأصعب ينزف.
مشيت.
خطوة ورا خطوة.
وابني في حضني.
وكل خطوة كانت بتبعدني عن وجع،
وتقرّبني من حياة.
وأول مرة حسّيت بالدفا.
مش دفا جسم.
مش دفا بطانية.
دفا قرار صح.
دفا إنك تختار نفسك،
من غير ما تحس بالذنب.
دفا إنك تحمي اللي طالع من روحك،
حتى لو الدنيا كلها قالتلك لأ.
دفا إنك تفهم إن الأمومة مش ضعف،
دي أقوى حاجة في الدنيا.
لأن اللي يسيبك تموت
عشان
ما يستاهلش يعيش في حياتك…
ولا في حياة ابنك.
ولا حتى في ذكرياتك.
ولو الزمن رجع بيا ألف مرة،
كنت هاخد نفس القرار.
مش لأنّي قوية،
لكن لأنّي تعلّمت إن
الحب اللي يسيبك على الطريق
مش حب…
ده اختبار…
وأنا نجحت فيه.