طردتني أمي من البيت لأنني رفضت أن أبقى خادمة مجانية… وبعد أيام انهار كل شيء!
وفور أن توقفت عن العمل المجاني توقف البيت عن العمل.
لم يحدث ذلك بالتدريج.
كان الأمر مثل سحب حجر صغير من تحت طاولة مائلة.
كل شيء سقط.
بدأت رسائل أمي أولًا.
زهراء، كفى دلعًا.
الأطفال لم يفطروا بعد.
أختك عندها اجتماع.
أين وضعتِ شراب حسن؟
أنتِ تعاقبينني.
ثم جاءت التسجيلات الصوتية.
في التسجيل الأول، كان صوت أمي ما زال غاضبًا.
اسمعي، لا أعرف ماذا تريدين أن تثبتي، لكن البنت لا تختفي هكذا من بيت أهلها. ارجعي ونتفاهم بهدوء.
في التسجيل الثاني، كنت أسمع صراخ الأطفال في الخلفية.
زهراء، أرجوكِ، علي سكب الحليب في الصالة، وحسن لا يريد أن يستحم. وأنا عندي موعد في المركز الصحي. لا تكوني قاسية.
وفي التسجيل الثالث، كانت سارة تصرخ من بعيد
قولي لها بسببها سأخسر عملي!
أغلقت الشاشة.
بقيت جالسة على أرض شقتي الجديدة، محاطة بأكياس، وقدر طبخ، وصحنين، وفراش ما زال بلا أغطية.
بحكم العادة، أراد جسدي أن ينهض.
أراد أن يلبس الحذاء.
أراد أن يركض ليصلح الفوضى.
حتى يدي بحثت عن المفاتيح التي لم تعد معي.
ثم نظرت حولي.
صمت.
لا أحد يبكي.
لا أحد يطلب.
لا أحد يقول لي بس شوية.
أخذت نفسًا عميقًا.
ولأول مرة منذ خمس سنوات، تركت بيت أمي يغرق من دوني.
ليس لأنني كنت أكره أبناء أختي.
وهذا أكثر ما كان يؤلمني.
علي وحسن لم يكن لهما ذنب في شيء. كانا طفلين. مشاغبين، كثيري
لكن هذا بالضبط ما كان خطأ.
كنت أنا مكانهما الآمن لأن الكبار الذين كان يجب أن يكونوا كذلك اتكأوا عليّ.
في ذلك المساء استحممت، ارتديت زيًّا نظيفًا، وذهبت إلى المستشفى.
دخلت قسم الطوارئ بعينين منتفختين، لكن بجسد أقل ثقلًا. كان هناك مرضى على الأسرّة، وأهالٍ يسألون عن الأطباء، ورائحة كلور، وقهوة محروقة، وتعب في كل زاوية. كانت الفوضى نفسها التي أعرفها دائمًا.
لكن الفرق أنني هذه المرة، عندما أنهي مناوبتي، لم تكن هناك مناوبة مجانية أخرى تنتظرني في البيت.
عند السابعة صباحًا خرجت من المستشفى، واشتريت فطيرة حارة من بائع قريب.
أكلتها وأنا أمشي ببطء نحو شقتي.
لم أشارك نصفها مع أحد.
لم أترك قطعة لأحد.
ولم أضطر إلى إخفائها كي لا يطلبها الأطفال.
بكيت وأنا آكلها.
ليس حزنًا.
بل شعورًا بالذنب.
الذنب عنيد.
يمكن للإنسان أن يغلق بابًا، لكن الذنب يدخل من النافذة ويهمس له بأنه ابنة سيئة، وأخت سيئة، وخالة سيئة، وامرأة سيئة.
نمت وتلك الهمسات في رأسي.
نمت ست ساعات متواصلة.
وعندما استيقظت، كان الذنب ما زال هناك.
لكنه صار أخفض قليلًا.
في اليوم الثالث،
كنت أخرج من المناوبة عندما رأيتها قرب أكشاك العصائر. كان شعرها مربوطًا بإهمال، وبلوزتها ملطخة، وعلى وجهها ملامح لم أرها عليها من قبل تعب حقيقي.
قالت
هل أنتِ سعيدة الآن؟
توقفت.
صباح الخير يا سارة.
لا تتحدثي معي بصباح الخير. بسببك أوقفوني عن العمل.
بسببي؟
لم يكن لديّ أحد أترك الأطفال معه.
أنتِ عندك أطفال يا سارة. وهذا يعني أن عليكِ تنظيم حياتك.
ضحكت ضحكة مريرة.
سهل أن تتكلمي من شقتك الصغيرة، أليس كذلك؟
في الماضي كانت هذه الكلمة ستكسرني.
شقتك الصغيرة.
شقتي ذات الستائر الرخيصة، والفراش البسيط، والطاولة البلاستيكية.
لكنها كانت لي.
وفي تلك الشقة الصغيرة، لم يكن أحد يستعملني.
قلت لها
نعم. من شقتي الصغيرة يستطيع الإنسان أن يفكر بشكل جيد.
ضغطت سارة على أسنانها.
أمي تعبانة. ضغطها ارتفع. والأطفال لا يُحتملون. حسن كسر مزهرية، وعلي لا يريد الذهاب إلى الروضة إن لم توصليه أنتِ.
هنا شعرت بالألم.
هي رأت ذلك.
وكعادتها، حاولت أن تضغط على الجرح.
هم يشتاقون إليكِ.
وأنا أشتاق إليهم.
إذن عودي.
هززت رأسي.
لا.
هكذا فقط؟
هكذا فقط.
تغيّر وجهها.
أنتِ أنانية.
لا. أنا متعبة.
كلنا متعبات.
لا. أنتِ كنتِ مرتاحة.
رفعت سارة يدها كأنها ستصفعني.
كان الناس حولنا.
لم تجرؤ.
خفضت صوتي وقلت
افعليها يا سارة. أعطيني سببًا آخر كي لا أعود
سقطت يدها.
ولأول مرة، لم تعرف أختي ماذا تقول.
مضيت في طريقي.
كانت ساقاي ترتجفان، لكنني لم ألتفت.
في تلك الليلة أرسلت لي أمي رسالة صوتية.
لم تكن تصرخ.
وهذا أخافني أكثر.
زهراء، ابنتي لا أعرف كيف كنتِ تفعلين كل هذا. والله لا أعرف. أنا متعبة جدًا.
بقيت أحدق في الهاتف.
انتظرت كلمة لكن.
دائمًا كانت هناك لكن.
وجاءت.
لكن لا يمكنكِ أن تتركينا هكذا.
تنهدت.
رددت عليها برسالة مكتوبة، لأنني لو سمعت صوتها كنت سأضعف.
أنا لم أترككم. أنا فقط توقفت عن حمل ما ليس مسؤوليتي. أستطيع رؤية الأطفال يوم الأحد. أستطيع المساعدة في الطوارئ الحقيقية. لكنني لن أعود للعيش هناك، ولن أعتني بالأطفال مجانًا كل يوم.
استغرقت عشرين دقيقة حتى ترد.
لقد أصبحتِ باردة.
لم أجب.
وقفت أغسل صحنَيّ الاثنين.
وكانت تلك أول مرة أشعر فيها أن غسل الصحون فعل هادئ يشبه السلام.
السقوط الحقيقي بدأ في الأسبوع التالي.
سارة خسرت عملها.
ليس لأنني غادرت.
بل لأنها تغيبت أربعة أيام، وتأخرت يومين، وتشاجرت مع مديرتها عندما طلبت منها إثبات ظرف طبي كانت تتحجج به. كانت منذ سنوات تستخدم الأعذار لأنني كنت أغطي كل شيء. ومن دوني، لم تعد أكاذيبها تملك خادمة أطفال.
بدأت أمي تكتشف أن عبارة راقبي الأطفال شوية لا تعني الجلوس أمام التلفاز.
حسن تبول على الأريكة.
علي خرج إلى البقالة من دون
والروضة اتصلت لأن أحدًا لم يذهب لإحضارهما في الوقت المحدد.
قالت جارتنا، أم رائد، لأمي
أم علي، هؤلاء الأطفال