ابنك مش ابنك!… كلمة واحدة ولّعت البيت كله!
قل له! قل للطفل إنك لست أباه!
كنا على حافة الهاوية ولم أكن أعلم هل سنسقط أم أننا سقطنا بالفعل.
توقف الزمن في تلك الغرفة. تلك الوقفة المروعة التي يحبس فيها الكون أنفاسه قبل أن يهوي بالمطرقة. كان سانتياغو على العتبة يضم حلقات كرسيه بيديه الصغيرتين ينظر إلينا بحيرة تتحول سريعا إلى رعب.
قال بصوت يرتجف بابا ماذا تقول هذه السيدة
استدارت دولوريس إليه. لم يبق من المربية المهنية شيء. ولا من الإنسان العاقل شيء. كانت عيناها تلمعان بحمى الانتقام.
قالت وهي تتقدم نحوه قلت الحقيقة يا طفل. قلت إنك لا تنتمي إلى هنا. هذا الرجل الذي يشتري لك ألعابا باهظة ليس أباك. أنت خطأ. تجربة طبية اشتريت من أوروبا لأن أمك لم تستطع إنجاب أطفال حقيقيين.
صرخت واندفعت نحوها اصمتي!
وضعت نفسي بين دولوريس وابني كدرع. كان قلبي يخفق حتى ظننت أنه سيحطم أضلعي. لكن الضرر كان قد وقع. الكلمات خرجت وصارت في الهواء كغاز سام.
نظر إلي سانتياغو يرجو نفيا سريعا يرجو أن أضحك وأقول إنها مزحة غبية. لكنني كنت شاحبا مرتجفا عيناي معلقتان على الأوراق في يدها. وابني بذكائه الحاد رأى ترددي.
رأى الثانية التي تسللت فيها بذرة الشك إلى رأسي.
همس وكأنه ينكسر بابا هل هذا صحيح
اندفعت نحو دولوريس وضغطتها إلى ناحية المكتب.
قلت أعطيني الأوراق الآن.
ضحكت ورمتها في وجهي. تطايرت الأوراق وسقطت. انحنيت ألتقط وثيقة العيادة السويسرية. كانت عيناي تلتهمان النص بلهفة تواريخ قبل ست سنوات مصطلحات طبية تلقيح غيري متبرع مجهول 458. توقيع صوفيا.
سقط معدتي. ضربتني الذكريات كالأمواج رحلة زيورخ. صوفيا تقول إنها ذاهبة إلى منتجع طبي بينما لدي اجتماعات. ثم الحمل المعجزة بعد أشهر حين قال أطباء المكسيك إن الأمل ضعيف.
قالت دولوريس هامسة بشماتة أترى لقد خدعتك. جعلتك تربي ابن رجل آخر. جعلك تحب غريبا. كنت مهرجا إدواردو صرافا آليا لابن غيرك.
تراجعت مترنحا واصطدمت بالحائط. نظرت إلى سانتياغو وإذا بعقلي الخائن يبدأ يبحث عن الفروق لا يحمل أنفي. لا يحمل أذني. تلك العينان ليستا ميندوزا.
غثيان أفكاري صفعني. كيف أفكر بهذا وابني يبكي على بعد مترين!
تمتمت
ضحكت دولوريس الحقيقة تؤلم أليس كذلك لهذا عاملته هكذا أمس. لأنه لا يستحق شيئا من هذا. دجال مثل أمه.
حينها سمعنا ضجيجا في الأسفل. انفتح الباب الرئيسي بقوة.
صاح صوت مألوف إدواردو! سانتياغو!
كانت صوفيا لقد وصلت.
رن صوت كعبها على الدرج وهي تصعد بسرعة مفزوعة. ابتسمت دولوريس ابتسامة قرش شم الدم.
همست رائع لتبدأ الحفلة.
ظهرت صوفيا عند الباب وهي ما تزال بمعطفها وحقائبها ملقاة في مكان ما في الردهة. كانت تلهث وجهها مبلل بدموع القلق جاءت لتضم ابنها بعد حادثة الخرطوم
لكنها توقفت حين رأت المشهد.
رأت دولوريس. رأت الأدراج المبعثرة. رأت سانتياغو يبكي في صمت. ورأتني أنا أمسك الورقة السويسرية المجعدة.
اختفى اللون من وجهها بسرعة حتى ظننت أنها ستسقط.
همست واضعة يدها على صدرها إدواردو
قالت دولوريس متحدية قولي له. قولي لزوجك من أين جئت بابنه. قولي له عن المتبرع 458.
رفعت صوفيا نظرها إلي وفي عينيها ذعر لكنه ليس ذعر الذنب. كان ذعرا من نوع آخر.
قالت وهي تتقدم خطوة إدواردو ليس كما تظن
سألت بصوت معدني غريب هل هي حقيقية هل هذه الأوراق حقيقية
ترددت صوفيا ثانية واحدة ثانية لعينة بدت قرنا.
قالت نعم الأوراق موجودة لكن
شعرت كأن أحدهم انتزع قلبي بلا تخدير. ضحكت دولوريس ضحكة انتصار. وبكى سانتياغو بصوت أعلى وغطى وجهه بيديه.
كان عالمي عائلتي هويتي كأب ينهار في اللحظة ذاتها. وكانت دولوريس واقفة فوق الركام تتذوق لذة دمارنا.
كان بكاء سانتياغو هو ما أعادني.
ذلك الصوت الممزق لطفل يشعر أن العالم ينتهي شق صدمتي كالسيف. التفت إليه. رأيته منكمشا في كرسيه صغيرا هشا يعتقد أنه فقد أباه لأن ورقة قالت إننا لا نتشارك الحمض النووي.
وفي تلك اللحظة تلاشى الغضب والحيرة. لم تبق إلا حقيقة واحدة حقيقة تحترق أقوى من أي شك.
لم يعن لي الحمض النووي شيئا.
لم تعن لي سويسرا شيئا.
لم يعن لي المتبرع 458 شيئا.
ذلك الطفل كان ابني. أنا من علمه الكلام. أنا من أمسك يده في نوبات الربو عند الفجر. أنا من ذاق أول عناق منه. أنا أبوه نقطة.
تركت الورقة تسقط على الأرض كقمامة.
قلت بثبات ووضوح سانتياغو انظر إلي.
هز رأسه وهو يبكي أنا لست ابنك السيدة قالت ماما قالت الأوراق
قلت بحزم لطيف انظر إلي!
فتح عينيه الممتلئتين بالخوف والدموع.
قلت
اسمعني جيدا ولا تنس هذا أبدا. أنت ابني. ابني لأنني أحبك أكثر من حياتي. ابني لأنني اخترتك من اللحظة الأولى التي رأيتك فيها. الدم مجرد بيولوجيا يا سانتياغو أما الأبوة فهي هذا أن أكون هنا. أن أحبك. ولن يغير ذلك ورق ولا كذبة ولا أي إنسان في هذا العالم. هل تفهمني
نظر إلي يبحث عن الحقيقة في عيني فوجدها. اندفع إلى حضني وتعلق بعنقي بقوة يائسة.
بكى وقال أحبك يا بابا
قلت وأنا أحبك يا روحي إلى الأبد.
وقفت وهو بين ذراعي والتفت إلى المرأتين. كانت صوفيا تبكي في صمت ممزوج براحة وألم. أما دولوريس فبدت غاضبة. فشلت ورقة انتصارها.
قالت بسخرية يا للمشهد المؤثر لكنه يظل كذبا. أنت تربي ابن غيرك مثير للشفقة.
وقبل أن أرد جاء صوت من الممر ليس صوت صوفيا.
كانت ماريا إلينا مدبرة المنزل تخرج من حمام الضيوف حيث كانت مختبئة. كانت تمسك هاتفا وتصور ووجهها محمر من الغضب.
صرخت اصمتي يا عجوز الشر! أنت الكاذبة الوحيدة هنا!
سألتها بدهشة ماريا إلينا أين كنت
قالت وهي ترتجف مختبئة يا سيدي. هذه المجنونة كسرت زجاج المطبخ ودخلت. هددتني بسكين إن لم أصمت. أغلقت على نفسي في الحمام واتصلت بالشرطة لكنني سمعت كل شيء وأعرف أنها تكذب!
اقتربت وهي تشير إلى دولوريس
أنا أنظف مكتب السيدة صوفيا. رأيت هذه الأوراق قبل سنوات حين كانت السيدة تمزقها. هذه ليست أوراق سانتياغو! هذه أوراق المحاولات الفاشلة من قبل أن يولد الطفل. أليس كذلك يا سيدتي
رفعت صوفيا رأسها ومسحت دموعها بغضب.
قالت بصوت استعاد قوته نعم. هذه الوثائق تعود لعام 2017. قبل أن أحمل بسانتياغو. حاولنا التلقيح بمتبرع لأننا كنا يائسين يا إدواردو لكنه فشل. لم ينجح أبدا.
تقدمت صوفيا ووقفت إلى جانبي وأمسكت يد سانتياغو.
قالت
بعد أشهر حين كدنا نستسلم حملت بك يا إدواردو طبيعيا. كان معجزة. احتفظت بتلك الأوراق
التفت إلى دولوريس. كانت تتراجع محاصرة. بدأت روايتها تتفكك. لم يعد لديها سلاح ولا سر لم يبق إلا أنها دخيلة عنيفة في بيت ليس بيتها.
تمتمت بلا يقين أنت تكذبين رأيت ذلك في عينيه
قلت وأنا أتقدم خطوة
ما رأيته هو شرك منعكسا. خسرت يا دولوريس. أردت تدمير عائلتي وما فعلته فقط أنك ذكرتني كم أحبهم.
في تلك اللحظة توقفت صفارات الشرطة عند باب البيت. انعكست الأضواء الحمراء والزرقاء على جدران الغرفة.
قالت ماريا إلينا وهي تفتح الباب للضباط انتهى الأمر.
دخلت الشرطة. لم تقاوم دولوريس. سمحت لنفسها أن تكبل بعينين زائغتين تتمتم بهذيان عن أطفال الأغنياء والعدالة الإلهية. كان خروجها من بيتي مكبلة لحظة تحرير لا تنسى.
وعندما أغلق الباب خلفهم وعاد الصمت كان هذه المرة صمت سلام.
انهارت صوفيا على الأرض تبكي.
قالت سامحني يا إدواردو سامحني لأنني لم أخبرك بأمر تلك الأوراق. كنت أخجل من أننا فكرنا بمتبرع. شعرت أنني خذلتك كامرأة.
جلست إلى جوارها على السجادة وسانتياغو في حضني وضممتها بذراعي الحرة.
قلت لا شيء يغتفر يا صوفيا لا شيء. نحن معا. سانتياغو بخير. هذا كل ما يهم.
وفي تلك الليلة أوفيت بوعدي.
بقينا نحن الثلاثة في السرير الكبير في الغرفة الرئيسية. طلبنا بيتزا بجبنة إضافية. أكلنا الآيس كريم من العبوة مباشرة. شاهدنا أفلاما حتى احمرت أعيننا.
نام سانتياغو بيننا يد تمسك قميصي ويد تمسك قميص صوفيا. نظرت إليه وهو ينام بتلك السكينة التي لا يملكها إلا طفل يشعر أنه محبوب.
فكرت في الدم في الجينات في ذلك الهراء العلمي الذي يظنه الناس تعريفا للعائلة. وأدركت كم يخطئون.
العائلة ليست شجرة نسب. العائلة خندق. هي من يحمي ظهرك حين تمطر السماء نارا. هي من يمسك لك أسطوانة الأكسجين لا من يوجه خرطوما من الماء المثلج إلى صدرك.
أرادت دولوريس أن تكسرنا أن تثبت أننا هشون وزائفون لكنها اصطدمت بجدار مسلح بحب خالص.
مررت يدي على شعر ابني ابني الحقيقي وأغمضت عيني.
انتهى الكابوس. وعندما نستيقظ غدا سنكون
تمت.