ابنك مش ابنك!… كلمة واحدة ولّعت البيت كله!
المحتويات
فقدت عملها
نظرت إلى سانتياغو وهو نائم. أنفاسه كانت هادئة.
همست للظلام فلتجرب فلتقترب إن تجرأت.
لم أكن أعلم أن العاصفة الحقيقية لم تتكون بعد. دولوريس لم تكن مجرد مربية قاسية كانت قنبلة موقوتة جمعت أسرارا داخل بيتي ستة أشهر وكانت على وشك الانفجار.
طلع الصباح رماديا ثقيلا فوق مدينة مكسيكو بغيوم منخفضة من تلوث وبرد يوحيان بالمطر. كنت بالكاد نمت. قضيت الليل في كرسي القراءة عينا مفتوحة والأخرى أيضا أراقب كل نفس لسانتياغو كأنني جندي في خط نار.
نهضت قبله جسدي متيبس وعيناي تحترقان ونزلت إلى المطبخ بهدوء. كنت بحاجة إلى شيء طبيعي. إلى أن يبدأ هذا اليوم برائحة الزبدة والفانيلا لا برائحة الرعب.
أخرجت الدقيق والبيض والحليب. خفقت الخليط بقوة كأنني أفرغ غضبي في وعاء الخزف. طقس فطائر الفضاء كان مقدسا في عطلات نهاية الأسبوع لكن اليوم كان أربعاء واليوم لم تعد هناك قواعد. سكبت العجين على المقلاة الساخنة مستخدما قوالب معدنية لأصنع نجوما وصواريخ ذهبية.
وبينما كانت الرائحة الحلوة تغمر المطبخ سمعت أزيز محرك كرسي سانتياغو في الممر العلوي.
قفز قلبي. للحظة هاجمني الذعر هل سيكون بخير هل سيخاف من النزول
قال صوت صغير عند مدخل المطبخ صباح الخير يا بابا.
التفت بسرعة. كان هناك مرتديا زي المدرسة الكحلي شعره ممشط بخط جانبي لابد أنه تعب وهو يفعل ذلك وحده وحقيبته معلقة خلف كرسيه. بدا متعبا وهالات بنفسجية تحت عينيه الكبيرتين لكنه كان موجودا أمام العالم. جالسا لكن بكرامة أكثر من كثيرين يمشون.
ابتسمت لأخفي قلقي صباح الخير أيها القائد! كيف نمت
قال بصراحة نوعا ما حلمت بالماء البارد قليلا. ثم عانقت الكابتن ستار فاختفى.
شعرت بطعنة في كبدي.
قال وهو يشم رائحتك مثل الفطائر.
قلت فطائر سوبرنوفا مع شراب إضافي تخصص البيت. اسمع يا سانتي بشأن المدرسة لا يلزم أن تذهب اليوم إن لم ترد. يمكننا أن نبقى هنا نركب الليغو نشاهد التلفاز. لن يقول أحد شيئا.
نظر إلى طبقه الفارغ ثم إلي ولمعت في عينيه عزيمة جعلتني أرتجف.
قال أريد أن أذهب يا بابا.
قلت أمتأكد ما زال الوقت مبكرا.
قال الآنسة أندريا قالت إننا اليوم نبدأ مشروع النظام الشمسي. أنا حجزت الثقوب السوداء. إن غبت سيأخذها لويسيتو وهو يقول إن الثقوب السوداء أنفاق سحرية وهذا خطأ. إنها نجوم منهارة بجاذبية لا نهائية. يجب أن يشرحها أحد بشكل صحيح.
ضحكت ضحكة صادقة ضحكة ارتياح وإعجاب. ابني تعرض لتعذيب جسدي ونفسي وأكبر همه أن لا يقول زميله هراء في الفيزياء الفلكية. تلك المرونة كانت أعظم فخر في حياتي.
قلت حسنا أنت فزت. سنحمي العلم. لكن بشرط إن شعرت بأي لحظة أنك متعب أو حزين أو خائف تتصل بي أو تخبر المعلمة وأنا أصل خلال خمس دقائق.
قال اتفقنا.
أثناء الإفطار رن هاتفي. كانت صوفيا.
قالت وسط ضجيج مطار شارل ديغول أنا أصعد الطائرة. أصل السابعة مساء. كيف أصبح
ناولته الهاتف.
قال بحماس مرحبا يا ماما! نعم آكل فطائر نجوم. لا لا أسعل. نعم سأذهب للمدرسة ماما لا تبكي! أنا بخير. أحبك.
بعد أن أغلق نظر إلي مفكرا.
قال ماما تبدو حزينة.
قلت قلقة يا بطلي. الآباء يصيرون هكذا حين يقترب أحد من أولادهم.
كان الطريق إلى المدرسة متوترا بالنسبة لي رغم أن سانتياغو كان سعيدا يشرح أفق الحدث في الثقب الأسود. كنت أقود وأنا أمسح بعيني كل سيارة وكل زاوية. صارت الريبة تسكن رأسي. ماذا لو كانت دولوريس مجنونة حقا ماذا لو كانت تراقبنا
كانت المدرسة الدولية في بوسكيس حصنا متنكرا في هيئة مدرسة ريفية جدران عالية كاميرات حراس خاصون. عند الوصول أوقفت السيارة المصفحة عند المدخل وطلبت مقابلة المديرة باتريسيا مينديث.
كانت امرأة في الخمسين أنيقة ودافئة تحب سانتياغو. عندما رويت لها ما حدث داخل مكتبها رأيت اللون يغادر وجهها. وضعت يدها على فمها بصدمة.
قالت يا إلهي يا إدواردو هذا الملاك المسكين! كيف يمكن أن يوجد ناس كهؤلاء
قلت باتريسيا أريد تحصين المكان. دولوريس هيريرا لا يجوز أن تضع قدمها حتى على الرصيف المقابل.
قالت بحزم اعتبره تم. سأوزع صورتها على كل أفراد الأمن الآن. ولن يدخل أحد اليوم دون تحقق بيومتري. وسأطلب من الآنسة أندريا ألا ترفع عينها عن سانتياغو حتى وهو يذهب إلى الحمام.
قلت شكرا. أخشى أن تحاول شيئا. أمس هددتها بتدميرها و لا أدري كانت تنظر بنظرة من لا يملك شيئا يخسره.
قالت هنا سيكون آمنا يا إدواردو. اذهب لعملك وحاول أن تهدأ نحن سنعتني به.
تركت سانتياغو في صفه. رأيته ينضم لأصدقائه ضاحكا يتباهى بكرسيه. بقيت أراقبه من الباب دقيقة إضافية أحفر الصورة في ذاكرتي لأقوى. بدت الحياة وكأنها عادت إلى طبيعتها.
كم كنت مخطئا.
وصلت إلى مكتبي في ريفورما أحاول ارتداء قناع الرئيس التنفيذي الذي لا يمس لكن داخلي كان كتلة أعصاب. استقبلتني مساعدتي ماريا إلينا بوجه ينذر بعاصفة. كانت تحمل كومة أوراق وترتجف قليلا.
قالت سيد ميندوزا صباح الخير.
قلت وأنا أسير مباشرة نحو مكتبي ما الأمر يا ماريا إلينا هل انهارت البورصة هل خسرنا المناقصة
قالت لا يا سيدي. إنها إنها تلك المرأة. دولوريس هيريرا.
توقفت فجأة. عاد الدم يبرد في عروقي.
قلت ماذا فعلت الآن
قالت جاءت مرة أخرى. قبل نصف ساعة قبل وصولك بقليل. حاولت إقناع حارس الأمن عند المدخل بأنها تملك موعدا عاجلا معك. كانت غريبة. يائسة.
قلت ماذا قالت للحارس
ابتلعت ريقها.
قالت صرخت بأنها يجب أن تراك. قالت إن هناك سوء فهم مروعا وإن لديها معلومات حيوية. وقالت حرفيا أخبروا
ضغطت على قبضتي حتى غرزت أظافري في راحتي.
قلت معلومات عن أصل ابني ماذا يعني هذا
قالت لا أعلم يا سيدي. الحارس قال إنها بدت كمن يهذي شبه هائجة. وعندما قالوا إنهم سيتصلون بالدورية هربت. لكنها تركت هذا في الاستقبال.
مدت إلي ظرفا ورقيا مجعدا.
أخذته بقرف كأنه ملوث. فتحته. في داخله ورقة ممزقة من دفتر عليها جملة بخط متوتر
الدم لا يكذب لكن زوجتك تكذب. راجع أوراق زيورخ.
شعرت بدوار. زيورخ نعم أنا وصوفيا سافرنا إلى زيورخ منذ سنوات لكن كان سفرا للراحة أو لم يكن
بدأ عقليالذي كان في حالة تأهبيربط نقاطا لا ينبغي ربطها. ذكريات ضبابية شكوك مدفونة.
سألتني ماريا إلينا سيدي هل أنت بخير
كرمشت الورقة ورميتها في سلة المهملات.
قلت بخير. إنها مجنونة تحاول ابتزازي. ضاعفي الأمن. لا أحد يدخل هذا الطابق دون إذني المباشر. وإن ظهرت تلك المرأة ثانية أريد اعتقالها لا مرافقتها للخارج.
كان ما تبقى من اليوم عذابا. لم أستطع التركيز في أي تقرير مالي. كانت عبارة الدم لا يكذب تدق رأسي كالمطرقة. ما اللعبة الشيطانية التي تلعبها دولوريس وكيف يمكن لمربية مكثت ستة أشهر في بيتي أن تعرف شيئا عن حياتي الخاصة قبل سنوات
عند الرابعة لم أعد أحتمل. ألغيت كل شيء وانطلقت كالمجنون لألتقط سانتياغو. كنت بحاجة لأن يكون معي. كنت أشعر أن الخطر يتنفس في أعقابنا.
عندما وصلت المدرسة كان سانتياغو طائرا من الفرح.
صاح وهو يصعد المنحدر نحو السيارة بابا! فزت عليهم! مشروعي كان الأفضل! المعلمة قالت إن شرحي لأفق الحدث كان مذهلا!
قلت مبتسما رغم وجعي هذا هو عبقريي.
في الطريق إلى البيت ظل سانتياغو يتحدث عن الجاذبية والنجوم لكنني لاحظت شيئا. كل دقيقتين كان ينظر إلى مرايا السيارة الخلفية.
قلت هل تبحث عن شيء يا سانتي
قال لا فقط أرى إن كانت هناك سيارة غريبة.
كانت الصدمة ما تزال هناك مختبئة خلف قشرة الطبيعي. كان طفلي يراقب ظهره.
عند دخولنا الطريق الخاص في بوسكيس كانت الشمس تميل نحو الغروب تلون السماء ببرتقالي متسخ. وقبل أن نصل إلى البيت انفجر إنذار الحدس في داخلي كقنبلة.
كان هناك خطب ما.
كان الباب الحديدي نصف مفتوح. بضعة سنتيمترات فقط لكنها تكفي ليفشل المستشعر إغلاقه.
لم تكن سيارة البستاني موجودة وهو الذي يأتي كل أربعاء بعد الظهر لتقليم الشجيرات.
والأسوأ كانت كل ستائر الطابق الأرضي مغلقة بإحكام. ماريا إلينامدبرة المنزل لا مساعدتيلا تغلق الستائر قبل حلول الليل. كانت تقول إن البيت يحب أن يشرب شمس العصر.
أوقفت السيارة قبل المدخل بأمتار.
قلت بصوت منخفض حازم سانتياغو اسمعني. لن تنزل.
تبخرت فرحته فورا وعاد الخوف إلى عينيه ماذا
قلت ربما لا شيء لكني سأفحص أمرا. ستبقى هنا والأقفال مقفلة. هل ترى هذا الزر الأحمر في لوحة القيادة
قال نعم
قلت إن اقترب من السيارة أي شخص ليس أنا تضغطه ولا ترفعه. ستنطلق صفارة قوية وستأتي الشرطة. مفهوم
قال بصوت يرتجف بابا أنا خائف. هل هي السيدة الشريرة
قلت لا أدري. لكنني سأحميك. أقفل الأبواب.
نزلت. كان صمت الشارع ثقيلا. تقدمت إلى المدخل وقلبي يضخ أدرينالينا صافيا. دفعت باب الخشب الثقيل
كان غير مقفل.
دخلت الردهة.
ناديت ماريا إلينا
لا جواب. صمت كثيف غير طبيعي. لم أسمع تلفاز المطبخ ولا المكنسة ولا ماء يجري لا شيء.
صعدت الدرج ببطء أحاول ألا تحدث خطواتي صدى على الرخام. وعندما وصلت ممر الطابق الثاني سمعت ضوضاء.
كانت تأتي من غرفة سانتياغو.
صوت أدراج تفتح وتغلق بعنف. أوراق تتمزق. أشياء تسقط.
اقتربت من الباب وكان نصف مفتوح. انعكس ظلي على أرض الخشب.
نظرت إلى الداخل فاشتعلت دمائي لكن هذه المرة ممزوجة بحيرة مرعبة.
كانت دولوريس هناك.
لم تكن ترتدي زي المربية. كانت بملابس داكنة قذرة. كانت راكعة أمام مكتب سانتياغو وسط فوضى مطلقة. كانت قد قلبت الأدراج ورمت الكتب وحطمت الألعاب. بدت كحيوان يبحث عن فريسة.
لكنها لم تكن تبحث عن طعام.
كان بين يديها صندوق معدني أزرق صندوق سانتياغو السري الذي نضع فيه كنوزه سنه الأول سوار المستشفى وشهادة ميلاده الأصلية مع أوراقه الطبية الأولى.
قلت بصوت أشبه بطلقة ماذا تفعلين في بيتي
قفزت بعنف واستدارت. كانت عيناها محمرتين شعرها منفوشا. بدت فاقدة الاتزان لكن حين رأتني ارتسمت على فمها ابتسامة ملتوية كأنها شيطانية.
قامت وهي تضغط الصندوق إلى صدرها كدرع أو كسلاح.
قالت وهي تلهث جئت لأستعيد ما هو لي يا سيد ميندوزا. جئت لأستعيد الحقيقة.
قلت وأنا أتقدم خطوة اتركي هذا! أنت تقتحمين منزلا! الشرطة في طريقها!
ضحكت ضحكة جافة بلا مرح فليأتوا ليأتوا ليروا هذا.
فتحت الصندوق بيدين ترتعشان وأخرجت ورقة صفراء شهادة ميلاد سانتياغو. ثم سحبت ورقة أخرى لم أعرفها وثيقة تحمل شعار عيادة سويسرية.
هزت الأوراق في الهواء وقالت أتدري ما هذا وجدته مخبأ في قاع الدرج تحت رسومات ابنك القبيحة.
قلت أنت مجنونة. اخرجي.
قالت وقد تقدمت بتحد لن أخرج حتى تعرف من الذي ربيته. ألم تتساءل لماذا لا يشبهك لماذا قيل إنه خديج لكنه ولد بثلاثة كيلو
شعرت كأن الأرض تتحرك تحت قدمي.
قلت اصمتي
قالت بفحيح مليء بالسم زوجتك كذبت عليك يا سيد الثري. هذا الطفل ليس ابنك. إنه لقيط اشتري في سويسرا. وهذه هي الأدلة. ولهذا أنت تكرهه في داخلك أليس كذلك لأنك تعلم أنه دم غريب.
وفي تلك اللحظة سمعت أزيز كرسي متحرك خلفي.
قال صوت صغير بابا
استدرت بفزع. كان سانتياغو قد
نظرت دولوريس إليه واتسعت ابتسامتها.
صرخت
متابعة القراءة