ابنك مش ابنك!… كلمة واحدة ولّعت البيت كله!

لمحة نيوز

بعنقي وأنفاسه الدافئة الرطبة تلامس جلدي البارد. كنت أشعر أنني أحمل أثمن شيء وأهشه في الكون قطعة زجاج حاول أحدهم تحطيمها لمجرد المتعة.
انفتحت الأبواب مباشرة على الممر المؤدي إلى جناحه. كنت قد صممت ذلك المكان بنفسي. لم أرد له غرفة تشبه المستشفى بل أردته محرابا. كانت الجدران مطلية بلوحات للفضاء السحيق سدم بنفسجية ومجرات لولبية وكواكب بعيدة. كان سريره على هيئة مكوك فضائي غرابة كلفت ثروة لاستيرادها من اليابان لكنها كانت تساوي كل قرش حين رأيت فرحته يوم نام فيها لأول مرة.
أنزلته بعناية لا توصف فوق غطاء النجوم. وعندما أفلته رأيت بقعة البلل التي تركتها ثيابه على بذلة الصوف الإيطالية. لم يهمني الأمر إطلاقا. كان بإمكاني أن أحرق البذلة في مكانها دون أن أشعر بشيء.
قلت وأنا أجبر صوتي أن يبدو ثابتا مرحا عاديا كأنني لم أكن قبل دقائق على وشك ارتكاب جنون في الحديقة
سنخلع عنك هذه الملابس المبللة يا بطلي ثم سأعد لك حماما هو الأكثر فقاعات في التاريخ. اتفقنا
أومأ سانتياغو بخفوت. لم تعد شفتاه أرجوانيتينالحمد للهلكن بشرته كانت ما تزال شاحبة شفافة كأوراق الأرز. وبينما كنت أفك أزرار قميصه المبلل لاحظت أن يديه ما زالتا ترتعشان. لم يكن ذلك من البرد وحده كان ارتجافا متبقيا من الصدمة رجفة خوف يعلق في العظام.
وعندما نزعت سترته الثقيلة المبللة نظر إلي بعينين كبيرتين داكنتين ورثهما عن أمه.
همس بابا
قلت قل يا حبيبي.
قال هل فعلت شيئا سيئا
توقف الزمن في داخلي. شعرت كأن أحدهم صفعني بكف مفتوح. تجمدت وأنا أمسك بالسترة المبللة في الهواء. نظرت إلى ابني إلى هذا الكائن المضيء الذي لم يكسر صحنا في حياته والذي يعتذر إذا اصطدمت أنا بالطاولة.
قلت بصوت انكسر
لماذا تسأل هذا يا سانتياغو
خفض نظره خجلا وهو يعبث بطرف الملاءة.
قال
لأن لأن السيدة دولوريس قالت إن هذا خطئي. قالت إن الأطفال مثلي الأطفال الأغنياء يجب أن يتعلموا دروسا قاسية. قالت إنني مدلل ولهذا
صرخت دون قصد
لا!
خرجت الكلمة أقوى مما أردت. انكمش سانتياغو. فلينت نبرتي فورا وركعت أمام السرير لأكون في مستواه وأمسكت وجهه بين يدي.
اسمعني جيدا يا سانتياغو ميندوزا انظر في عيني.
رفع بصره وعيناه ممتلئتان بدموع محبوسة.
قلت
أنت لم تفعل شيئا سيئا. لا شيء. أبدا. أتفهمني الاعتراض على دواء طعمه سيئ أمر طبيعي. كل الأطفال يفعلون ذلك. أنا فعلته وأمك فعلته. هذا لا يمنح أحدا أبدا حقا في أن يؤذيك.
قال وهو يبكي لكنها كانت غاضبة جدا
قلت
كانت غاضبة لأنها إنسانة سيئة يا سانتياغو. إنسانة مريضة القلب والعقل. قالت أشياء قاسية لأنها أرادت أن تجرحك لا لأنها حقيقة. أنت رائع أنت أشجع وأطيب وألطف طفل أعرفه. ولا أحد يلام لأن شخصا آخر اختار أن يكون
قاسيا.
ضممته بقوة. أحسست بجسده الصغير يهتز ببكاء كان يكبته. بكى في كتفي وأطلق الخوف والارتباك والعار الظالم الذي زرعته فيه تلك المرأة. بقينا هكذا دقائق طويلة أب وابن في عناق يحاول أن يجمع شظايا براءته.
وعندما هدأ قليلا حملته إلى الحمام.
كان الحوض كبيرا مزودا بقضبان أمان وكرسي مقاوم للماء. فتحت الصنابير. بدأ البخار يملأ الغرفة يغشي المرايا ويصنع جوا دافئا واقيا. ضبطت الحرارة بدقة جراح ساخنة لتطرد البرد لطيفة على بشرته الحساسة.
قلت محاولا تغيير الجو
حسنا قرار إداري! فقاعات التفاح الأخضر أم الفانيلا
أريته عبوتين من صابون مستورد كان يحبه.
شفط أنفه وفكر لحظة ثم قال بابتسامة صغيرة خجولة
الاثنتان.
قلت موافق!
وسكبت العبوتين بسخاء.
تحول الماء إلى جبل من رغوة عطرة. ساعدته على الدخول. تنهد براحة حين لفه الماء الدافئ. رأيت التوتر ينسحب من كتفيه والوردية تعود شيئا فشيئا إلى خديه. وحين اشتغلت تدفئة الأرضية صار الحمام حصنا ضد العالم.
جلست على طرف الحوض ورفعت أكمام قميصي المبلل وبدأت أغسل شعره برفق. كنت أدلك فروة رأسه وأتمتم لحنا قديما كنت أغنيه له وهو رضيع.
كان يلعب بالرغوة ويبني أبراجا بيضاء على ذراعيه. ثم توقف فجأة ونظر إلي بجدية.
قال بابا لماذا يوجد أناس أشرار
سؤاله جعلني صامتا. طفل في الخامسة يصطدم بأقدم سؤال في تاريخ البشر لأن مختلة قررت تعذيبه في حديقتنا. تنهدت وأنا أبحث عن الكلمات. لم أرد أن أكذب عليه ولم أرد أن أخيفه أكثر.
قلت
الأمر معقد يا بطلي. أظن أن بعض الناس يكونون مكسورين من الداخل. يحملون ألما أو غيرة أو حزنا متراكما ولا يعرفون ماذا يفعلون به. فبدل أن يطلبوا المساعدة ينفجرون ويؤذون الآخرين كأنهم يريدون أن يعدوا غيرهم بألمهم.
سألني هل كانت السيدة دولوريس مكسورة
قلت غالبا نعم. مكسورة جدا. لكن ذلك ليس عذرا. نحنالكبارمسؤولون ألا نؤذي أحدا مهما كنا حزانى أو غاضبين وخاصة الأطفال.
تمتم مثل السيدة كارمن
كانت كارمن مربيته السابقة جدة طيبة اضطرت للتقاعد.
قلت بالضبط. كانت تحبك وتطوي لك طائرات ورقية وتغني لك. هكذا ينبغي أن يكون. من يعتني بنا يجب أن يجعلنا نشعر بالأمان لا بالخوف.
أنهيت شطف شعره. لففته بمنشفته المفضلة رداء بقبعة أرنب كان صار ضيقا لكنه يعشقه. وبينما أجففه لاحظت أنه لم يعد يرتجف. عاد جسديا إلى سانتياغو الذي أعرفه لكن في عينيه ظلت ظلال شك يحتاج وقتا أطول من برد العظام ليمحى.
قلت وأنا ألبسه بيجاما الفلانيل المزينة بالصواريخ
تعرف ماذا أظن أن قوانين البيت معلقة رسميا اليوم.
نظر إلي باستغراب معلقة
قلت ملغاة تماما. لا خضار ولا نوم مبكر. اليوم ليلة احتفال.
اتسعت عيناه حقا
قلت بجدية نوبة قلب! سنطلب بيتزا بالبيبروني مع جبنة إضافية
وآيس كريم بثلاث نكهات وفشار وسنشاهد فيلم الروبوتات الذي تحبه ذلك الذي يصنع ضجيجا. ما رأيك
صرخ رافعا ذراعيه نعم!
أرقدته في سريره بجانب دميته الكابتن ستار بينما نزلت إلى مكتبي. كنت بحاجة إلى مكالمات. إلى تحصين حياتنا. وإلى أن أخبر أمه أن أحدا ما فشلنا.
نزلت الدرج درجتين درجتين. كانت الأدرينالين قد هدأت وحلت محلها صلابة ذهنية باردة صلابة المدير التنفيذي. دخلت مكتبي وأغلقت الباب. صار صمت البيت لا يبدو سلاما بل ثغرة يجب سدها.
أولا اتصلت بالدكتور راميريز طبيب سانتياغو منذ ولادته رجل من الطراز القديم يجيب هاتفه الشخصي في أي ساعة.
قال بقلق إدواردو إنها الثامنة مساء هل كل شيء بخير مع الطفل
قلت لا يا دكتور. ليس بخير. أريدك أن تأتي إلى البيت الآن.
شرحت بسرعة بلا زينة تعريض للبرد قصدا صدمة نفسية احتمال نوبة ربو بفعل التوتر والماء البارد. سمعت شهقة عند الطرف الآخر.
قال أنا في الطريق. أصل خلال عشرين دقيقة. أبقه دافئا. راقب تنفسه. يا إلهي يا إدواردو من فعل هذا
قلت المربية. لم تعد هنا. فقط تعال من فضلك.
أغلقت. ثم اتصلت بالرقم التالي المحامي خورخي فالينثويلا المحامي الجنائي الذي أستعين به في الحروب القانونية واليوم أحتاجه لحرب شخصية.
قال إدواردو مساء الخير.
قلت خورخي اسمعني ولا تقاطعني. أريدك أن تسحق دولوريس هيريرا.
سأل المربية ماذا فعلت سرقت شيئا
قلت أسوأ. عذبت سانتياغو.
ساد صمت ثقيل.
قلت وجدتها ترشه بالخرطوم في الحديقة وبرد الشتاء. أريد كل شيء إساءة معاملة طفل محاولة قتل إهمال إجرامي ضرر معنوي. أريدك أن تنبش ماضيها حتى تعرف ماذا كانت تأكل في رياض الأطفال. أريد سوابق ديون مشاكل نفسية وأريد أمرا تقييديا يمنعها من الاقتراب خمسة كيلومترات من ابني ومن بيتنا ومن مكاتبي.
قال اعتبره تم. غدا صباحا تقدم الشكوى للنيابة. وسأكلف أفضل محقق خاص الليلة. إن كان لديها جثة في الخزانة سنجدها.
قلت لا أريدها أن تعمل في رعاية طفل ولا حتى كلب في هذه المدينة.
قال مفهوم.
أغلقت. صببت كأس ويسكي مزدوجة بلا ثلج. كانت يدي ترتعش. شربت جرعة طويلة أحاول أن أحرق صورة ابتسامتها السادية.
ثم جاءت المكالمة الأصعب.
نظرت إلى الساعة العالمية على مكتبي. باريس الثالثة فجرا. ستكون صوفيا نائمة في الفندق مرهقة بعد مفاوضات مع موردين فرنسيين. كرهت أن أوقظها لكن هذا لا ينتظر.
اتصلت. رن مرة مرتين ثلاثا.
جاء صوت ناعس ألو إدواردو هل حدث شيء أنت بخير
مجرد سماعها كسرني. صوفيا كانت مرساتي. المعمارية اللامعة الأم اللبؤة. المرأة التي حاربت سنوات من العقم لكي يولد سانتياغو.
قلت بصوت انكسر صوفي يجب أن تعودي.
تبدل صوتها فورا. استيقظت دفعة واحدة ماذا حدث سانتياغو هل هو في المستشفى
قلت لا ليس في المستشفى.
هو في سريره. لكن صوفيا حدث شيء فظيع. عدت مبكرا اليوم و
قصصت عليها كل شيء. لم أوفر التفاصيل الماء البرد سخرية دولوريس خوف سانتياغو من الموت. سمعت أنفاسها تتسارع ثم صوت بكاء حارق بكاء عجز وغضب وذنب.
صرخت سأقتلها! أقسم أنني سأقتلها! طفلي كان وحده معها! أنا من وظفتها يا إدواردو! أنا رأيت توصياتها! هذا ذنبي!
قلت لا يا حبيبتي. ليس ذنبك. خدعتنا نحن الاثنين. خدعت الوكالة. كانت تبدو مثالية.
قالت سأذهب إلى المطار الآن. لا يهمني العقد ولا الاجتماع. سأركب أول رحلة إلى المكسيك.
قلت نحن بانتظارك. سانتياغو بخير جسديا. الدكتور راميريز في الطريق. لكنه يحتاجك ونحن نحتاجك.
قالت سأصل غدا مساء. عانقه عني يا إدواردو لا تتركه.
قلت لن أتركه.
عندما صعدت مجددا ومعي الحاسوب المحمول كانت البيتزا قد وصلت. ملأ رائحة البيبروني والجبن المذاب الممر رائحة مريحة عادية وسط الجنون.
كان سانتياغو جالسا على السرير وعيناه ملتصقتان بالشاشة الكبيرة. أكلنا في السرير ولوثنا الملاءات الثمينة بالدهون والفتات ولم يهمني. كان يضحك مع الفيلم لكن ضحكته كانت تنقطع أحيانا وينظر إلى النافذة المظلمة يتحقق.
قال وهو فمه ممتلئ بالجبن بابا هل أغلقت الباب جيدا
قلت بقفل ثلاثي وإنذار يا بطلي. لا أحد يدخل.
وصل الدكتور راميريز بعد ذلك بقليل. فحص سانتياغو بصبر يشبه صبر القديسين حرارة رئتان حلق.
قال لي في الممر بصوت منخفض من المعجزة أنه لا يعاني التهابا صدريا. رئتاه صافيتان. والربو لم يتفجر بشدة لأنك وصلت في الوقت المناسب. لو تعرض عشر دقائق إضافية ترك الجملة معلقة فشعرت بقشعريرة. ثم قال لكن يا إدواردو الجانب النفسي يقلقني أكثر. يحتاج إلى اختصاصي نفسي للأطفال. صدمة حادة.
قلت لدي رقم. غدا أحدد الموعد.
غادر الطبيب وترك وصفة احترازية وربتة على كتفي.
عدت إلى الغرفة. كان الفيلم قد انتهى. نام سانتياغو وفي يده جهاز التحكم وفي الأخرى الكابتن ستار. بدا صغيرا جدا في سرير كبير. بريئا.
جلست في كرسي القراءة في شبه الظلام أحرس نومه كحارس في منطقة حرب. لم أكن أنوي النوم. كلما حركت الريح غصنا في الخارج توترت عضلاتي.
قرابة منتصف الليل اهتز هاتفي في جيبي. كانت رسالة من مساعدتي الشخصية ماريا إلينا المسؤولة عن تنسيق الأمن في الشركة. استغربت الوقت.
فتحت الرسالة وشعرت أن الدم هبط إلى قدمي.
سيد ميندوزا عذرا على الإزعاج. الأمن أبلغ عن حادثة. دولوريس هيريرا حاولت دخول مكاتب ريفورما قبل أربعين دقيقة. كانت مضطربة تصرخ بأنها تحتاج للتحدث معك وأن لديها معلومات عاجلة. أخرجت لكنها قالت شيئا غريبا قبل أن تذهب قالت إن هذا لن ينتهي هكذا وإنك لا تعرف من أدخلت إلى بيتك. انتبه.
قبضت على الهاتف حتى ابيضت مفاصلي.
لم تختف لتختبئ
تحت حجر. لم تكن خائفة. كانت تهاجم. أي معلومة قد تملكها مربية مختلة هل هي مجرد تهديد فارغ من امرأة
تم نسخ الرابط