ابنك مش ابنك!… كلمة واحدة ولّعت البيت كله!

لمحة نيوز

كانت سيارة مرسيدسبنز الفضية تشق ريح فبراير الباردة وهي تصعد منحدرات بوسكيس دي لاس لوماس. كانت الإطارات العريضة الباهظة تهمس بأنين خافت فوق أسفلت مدينة مكسيكو الرطب. كنت أنا إدواردو ميندوزا خلف المقود. وفي أواخر الأربعينيات من عمري كنت قد حققت ما يحلم به أي طموح من أبناء العاصمة إمبراطورية مالية وبرج في ريفورما ورحلات إلى أوروبا ومنزل يشبه الحصن في واحدة من أكثر المناطق حصرية.
عدلت المرآة الخلفية بحركة آلية. أعادت إلي عيناي نظرة متعبة. كانت أولى الشيب قد خطت صدغي شاهدة صامتة على أيام من اثنتي عشرة ساعة عمل وعلى توتر يتسلل إلى العظام. أرخيت ربطة العنق الإيطالية شعرت أنها تخنقني. في تلك الأمسية دفعتني قوة غريبة لا ترى لأن ألقي بآخر اجتماع لليوم إلى الجحيم.
ربما كانت مكالمة صوفيا من باريس هي السبب. كان صوتها بعيدا معدنيا تخبرني أنها لن تصل هذا الأسبوع. أو ربما كان ذلك الفراغ السخيف الذي شعرت به وأنا آكل وحدي داخل مكتبي الزجاجي أراقب طبقة الضباب الدخاني فوق مدينة ظننت أنني غزوتها. لا أدري. كل ما أعرفه أنني أحسست بإلحاح فجائي بوخزة في صدري تصرخ اذهب إلى البيت اذهب لترى سانتياغو.
ظهر البيت في نهاية الطريق الخاص. مهيبا. جدران من الحجر الوردي وحراسة من أعلى مستوى وحدائق كأنها خارجة من مجلة. انفتح باب الحديد المشغول ببطء بعدما تعرف على مستشعر سيارتي. شعرت بذلك المزيج المعتاد من الفخر والكآبة كلما وصلت. كنت قد صممت كل زاوية في هذا المكان وأنا أفكر في سانتياغو. منحدرات غير ظاهرة وممرات واسعة ومصاعد. كنت أريد لابني لبطلي أن يكبر في ملاذ لا تكون فيه كرسيه المتحرك عائقا بل مركبة نحو سعادته.
أوقفت السيارة في المرآب السفلي. كان بإمكاني أن أصعد بالمصعد مباشرة إلى الردهة حيث الهواء المكيف ورائحة الخزامى لكن رئتي كانتا تطلبان هواء حقيقيا حتى لو كان باردا. قررت أن أصعد عبر الحديقة الجانبية.
كانت أحذيتي الفاخرة تصدر خشخشة فوق حصى الممر. نزعت سترتي وتركت برد فبراير يلسع قميصي. كانت الحديقة صامتة يغمرها ذلك الضوء الذهبي الحزين لغروب الشتاء في العاصمة. كانت الورود المستوردة نائمة تنتظر الربيع. والنافورة المركزية لا تكاد تهمس. كل شيء كان مثاليا. كل شيء كان تحت السيطرة أو هكذا كنت أظن.
حينها سمعتها.
لم تكن ضحكة سانتياغو. أنا أعرف ضحكة ابني إنها كالأجراس الصغيرة نقية صافية قادرة على إنارة أكثر أيامي سوادا. لا هذه كانت مختلفة. ضحكة خشنة مشبعة بسخرية جعلت جلدي يقشعر. ضحكة تفوح منها رائحة الشر.
توقفت فجأة. عقدت حاجبي محاولا أن أحدد مصدر ذلك الصوت الذي يلوث سكينة بيتي. تكررت الضحكة ثم اختلطت

بكلمات لم ألتقطها كاملة لكنها كانت كالسياط. بدأت أسير لا بخطوة صاحب البيت الواثق بل بخفة حيوان يشم الخطر.
اتبعت الممر الحجري نحو الخلف حيث الشرفة ومنطقة الألعاب المهيأة. اشتعل شيء في غريزة الأبوة بداخلي إنذار بدائي يصرخ اركض!. ثم انضم إلى أصوات البشر صوت ماء يندفع بضغط قوي. بدأ قلبي يخفق بعنف حتى شعرت به في حلقي.
وعندما استدرت خلف جناح الصيف ضربتني الصورة كلكمة مباشرة في الكبد. تجمدت في مكاني.
كان سانتياغو سانتياغو الصغير في وسط الحديقة على كرسيه المتحرك. كان مبللا حتى العظم. كانت سترته الكحليةتلك التي أحضرتها له صوفيا من هارودزملتصقة بجسده المرتجف كجلد ثان متجمد. كانت المياه تسيل من شعره البني وتنحدر على خديه المحمرين من البرد وتتجمع في برك على مقعد جلده داخل كرسيه التقني.
لكن ما حطم روحي إلى ألف قطعة كان عيناه. واسعتان. مذعورتان. ممتلئتان بدموع تذوب في الماء المثلج.
وأمامه كانت هي دولوريس هيريرا. المربية التي وظفتها قبل ستة أشهر. التي جاءت بأفضل التوصيات. المرأة التي ظننت أنها ملاك يحرس ابني.
. وجهها الذي كان متزنا وخدوما أمامي دائما تحول إلى قناع من قسوة مطلقة. كانت تبتسم تستمتع. 
وقالت بين ضحكات قاسية
هل أعجبك الاستحمام يا ابن الأغنياء لعلك تتعلم ألا تصنع نوبات غضب حين أخبرك أن وقت الدواء قد حان!
كان سانتياغو يحاول أن يحمي وجهه بذراعيه النحيلتين ويرتجف بعنف. أما كرسيهالذي كلف أكثر من سيارة صغيرة بما فيه من إلكترونياتفبدأ يطلق صفارات خطأ بسبب الرطوبة.
همس بصوت خافت مخنوق
أرجوك أنا بردان
لكنها بدل أن تتوقف فتحت الماء أكثر. اندفع التيار بقوة أكبر.
صرخت بكره كأنه متخم بسنوات من الحقد 
برد! أنت لا تعرف معنى البرد يا طفل مدلل! لا تعرف معنى أن تعيش بلا تدفئة وأن تعمل منذ الخامسة لدى عائلات مثل عائلتك تعاملنا كقمامة! تحمل!
شعرت أن الزمن توقف. شلتني الصدمة لثانية. كيف يحدث هذا في بيتي لابني العاجز
ثم راحت تسخر وهي تشير هذه المرة إلى وجهه
انظر كيف ترتجف! أردت أن تكون مثل بقية الأطفال حسنا هكذا يلعب الأطفال الآخرون يا عزيزي ألعاب خشنة لتصير لك شخصية!
. انفجرت في داخلي فورة غضب سوداء ساخنة.
صرخت من أعماقي حتى تمزقت حنجرتي ورج صداها جدران الحجر كالرعد
كفىااا!
لم تكن تلك نبرة إدواردو ميندوزا المهذب كانت زئير أب يرى صغيره على حافة الموت.
ارمي هذا الخرطوم اللعين حالا!
قفزت دولوريس في مكانها. استدارت نحوي بعينين جاحظتين كأنها رأت الشيطان نفسه. انزلق الخرطوم من يدها وسقط على العشب وصار يرسم بركة تتسع بسرعة كما اتسعت نار غضبي. تبدل وجهها في رمشة اختفت القسوة وحل محلها
رعب خالص رعب من انكشف متلبسا بأحط فعل.
تمتمت وهي تتراجع وتمسح يديها بمريلتها كأنها تمسح الخطيئة
سيد ميندوزا أنا أنا فقط كنت
لم أستمع. لم يهمني وجودها. عيناي حياتي كلها كانت معلقة بسانتياغو.
كان ابني ما زال ساكنا على الكرسي يرتجف برجفات عنيفة تهز جسده. كان الماء يقطر بإيقاع شرير بلوك بلوك يمتزج بأنفاسه المتقطعة وهو يبحث عن الهواء. لم تعد شفتاه زرقاوين بل صارتا أقرب إلى الأرجواني.
همست وأنا أقترب منه ببطء أضبط نفسي كي لا أزيد رعبه كما لو كنت أقترب من طائر جريح
سانتي أنا هنا يا حبيبي بابا وصل.
ركعت على العشب المبتل غير مبال ببذلة ثمنها آلاف الدولارات. نفذت برودة البلل إلى ركبتي لكنها لم تكن شيئا أمام البرد الذي كان يلتهم جسد ابني. بيدين ترتجفان مزيجا من حنان لا حد له وغضب قاتل أبعدت خصلات شعره المبللة عن جبينه.
كان باردا كالرخام.
قال بالكاد يخرج الكلمات من بين أسنانه المصطكة
بابا أنا لا أقدر أتنفس.
أعرف يا بطلي أعرف اهدأ.
نزعت سترتي المبللة. كانت رطبة من الخارج لكن بطانتها كانت ما زالت جافة. لففته بها وأخذت أفرك ذراعيه بجنون لأستدعي الحرارة.
كل شيء سيكون بخير بابا سيحميك تنفس معي ببطء واحد اثنان
بينما كان يحاول أن يسحب الهواء إلى رئتين منغلقتين شعرت بوجود دولوريس خلفي. بدأت تتدفق بأعذار رخيصة يرتفع صوتها بفعل الذعر.
سيدي أنت لا تفهم! الطفل كان مستحيلا لا يطاق! رفض الدواء وأنا أنا فقط ظننت أن قليلا من الماء البارد قليلا من الحزم سيصلحه هؤلاء الأطفال هذه الأيام
استدرت إليها برأسي فقط. لم أنهض. نظرت إليها من موضعي وأقسم أنها شعرت أنني أطول من ثلاثة أمتار.
قلت بصوت منخفض كهدير خطير
اصمتي. لا تنطقي كلمة أخرى ولا كلمة.
تعلق سانتياغو بقميصي المبلل بقبضتيه الصغيرتين ودفن وجهه في صدري يبحث عن دفء وعن مأوى. أن أشعر بخوفه وهشاشته كان كطعنة في القلب. كم دام هذا كم مرة حدث بينما كنت في المكتب أظن نفسي ملك الدنيا
سألته بلطف وأنا أتجاهل الوحش خلفي
هل يؤلمك شيء يا روحي قل لي أين يؤلمك.
أشار بإصبعه المرتعش إلى صدره.
هنا يؤلم هنا وأنا بردان جدا يا بابا بردان جدا.
تكسرت روحي. بلا تردد حملته. أخرجته من الكرسي مبللا كما هو. أدهشني كم كان خفيفا هشاشة ابني في ذراعي كانت تصفعني بثقل ذنبي لأنني لم أصل قبل ذلك. التصق بي يختبئ من العالم.
ثم وقفت وسانتياغو بين ذراعي. التفت إلى دولوريس. تراجعت ثلاثة خطوات وكادت تتعثر.
لم تر غضبا صاخبا على وجهي. لم تر صراخا. رأت شيئا أسوأ نظرة باردة محسوبة لرجل قرر أن يحطم أحدا.
قلت وكل حرف يقطر سما
خمس سنوات عمر سانتياغو خمس سنوات. طفل على كرسي متحرك. لم يسئ إليك
يوما. كان يقول من فضلك وشكرا دائما. حتى يوشك أن يتجمد في عز الشتاء لأنه قاوم
فتحت فمها لتتكلم فرفعت يديالتي لا تحمل ابنيوأسكتها.
وظفتك لأنك الأفضل. ثلاث عائلات رشحتك. دفعت لك أعلى راتب في المنطقة بلا تردد. أعطيتك مكافآت وتأمينا وسائقا إن احتجت. عاملتك بكرامة. فتردين بأن تحاولي قتل ابني.
بدأت أمشي نحو البيت وأنا أحمل كنزي. لحقت بي وهي تلهث وتخوض في الطين الذي صنعته بنفسها.
سيد ميندوزا أرجوك! دعني أشرح فكر في وضعي
توقفت فجأة واستدرت. كادت تصطدم بي.
قلت
أشرح ماذا أنك تستمتعين بإذلال من لا يستطيع الدفاع عن نفسه
خفضت عيني إلى سانتياغو الذي كان يهمس قرب كتفي.
ماذا يا حبيبي
قال بصوت يكسرني
كنت خائفا ظننت أنك ستصل ولن أكون حيا بعد الآن.
كانت تلك الكلمات ضربة الرحمة. طفل في الخامسة تأمل موته على يد من كان ينبغي أن تحميه.
صعدت درجات الرخام نحو الشرفة. اشتعلت الأضواء تلقائيا فكشفت فخامة البيت. السجاد الفارسي اللوحات الأثاث المصمم. بدا كل ذلك قمامة في تلك اللحظة. لا معنى لشيء إذا كنت لا أستطيع حماية ابني.
قلت له وأنا أحاول أن أزرع الطمأنينة في صوته
ندخل يا سانتي. حمام ساخن وبيجاما الصواريخ وبيتزا. أعدك.
حاولت دولوريس أن تعبر عتبة الباب خلفنا.
صرخت متوسلة
سيد ميندوزا! لدي أطفال! زوجي بلا عمل! لا أستطيع خسارة هذه الوظيفة رحمة! كانت لحظة ضعف!
وقفت عند الباب. لم أدعها تدخل.
قلت وأنا أردد عبارتها بمرارة
لحظة ضعف أتدرين ما لحظة الضعف يا دولوريس هي ما أشعر به الآن وأنا لا أتصل بالشرطة لتخرجك مكبلة أمام الجيران. هو ضبط النفس الخارق الذي أستخدمه كي لا أنزع منك تلك الابتسامة التي كانت على وجهك قبل خمس دقائق.
اقتربت خطوة وغطيت سانتياغو بجسدي.
اخرجي. ارحلي عن ممتلكاتي فورا. إن رأيتك هنا بعد خمس دقائق سأستدعي الدورية. واسمعيني جيدا سأضمن أنك لن تقتربي من طفل أبدا. سأحرق اسمك في كل وكالة في كل بيت في هذه المدينة انتهى الأمر.
قالت لكن سيدي
فصرخت إلى الخارج!
أغلقت الباب الزجاجي المنزلق في وجهها. رن الصوت كطلقة. أقفلت القفل. ومن وراء الزجاج رأيتها واقفة مذهولة تفهم أخيرا أن قسوتها كلفتها كل شيء.
كان داخل البيت دافئا لكنني كنت ما زلت أرتجف من الغضب.
سأل سانتياغو وهو يرفع وجهه الشاحب
هل ذهبت السيدة الشريرة
قبلت جبينه البارد وقلت
نعم يا بطلي ذهبت. وأقسم بحياتي أنها لن تعود أبدا. لن يؤذيك أحد ما دمت أتنفس.
سرت نحو المصعد وأنا أضم ابني إلى صدري أشعر بنبضاته غير المنتظمة قرب نبضاتي. ظننت أن الكابوس انتهى أو هكذا خيل إلي. لم أكن أعلم أن ما حدث لم يكن إلا بداية حقيقة أشد ظلمة كانت على وشك أن تخرج إلى
النور.
ارتفعت المصعد الخاص بهدوء ونحن نصعد إلى الطابق الثاني. كان سانتياغو ما يزال متشبثا
تم نسخ الرابط