طفلة باعت البرتقال… فأعادت إليّ حياتي كلها
لم أتحرك. شعرت كأن الهواء تغير كأن الغرفة صارت أبرد رغم الحر بالخارج. لم تكن كلمة أمي تعني شخصا فقط كانت تعني سلطة ونفوذا وعالما كاملا من التحكم والقرارات التي تتخذ ببرود. لم أتفاجأ تماما لكنني حين سمعتها من فم لينا لم تعد فكرة صارت حقيقة.
ثم بدأت تسرد. لم تسرد كحكاية بل كاعتراف مؤلم. قالت إن رجلين دخلا عليها ذات ليلة وتظاهرا بأنهما ضباط وإنها تجمدت خوفا ثم دخلت أمي بعدها وكأنها تدخل مكتبا أو بنكا بوجه بارد وملابس مرتبة وعينين لا تعرفان الشفقة. قالت إنها وضعت ظرفا من المال على الطاولة وتذكرة سفر وقالت لها بلهجة قاطعة إنها يجب أن تختفي أن تغير اسمها أن تذهب بعيدا لأن ذلك الطفل لن يخرب مستقبلي. قالت إن أمي لم تكتف بذلك بل لوحت لها بسلاح أقسى الاتهام. قالت إنها هددتها بأنها ستتهمها بالسرقة بسرقة مجوهرات وأن هناك شهودا سيقسمون أنهم رأوها. قالت لها إن القضاة والمحامين يدينون لها بالفضل وإن لا أحد سيصدق فتاة فقيرة لا يعرفها أحد أمام اسم إليسون المحترم.
كانت لينا تقول ذلك وكل كلمة تسحب معها وجعا جديدا. كانت تحاول أن تشرح لي كيف يمكن للإنسان أن ينتزع من حياته دون أن يمسكه أحد بيده. كيف يمكن لخوف واحد أن يدفع امرأة شابة إلى الهروب بلا وداع وأن تعيش سنوات وهي تحمل طفلا وقلبا مكسورا.
كنت أسمع صوت أمي في كل كلمة أسمع نبرتها الباردة التي تغلف القسوة بعبارات الحماية والمصلحة. كنت أسمعها وهي تقول إنه لصالحك. وأتذكر كم مرة صدقتها كم مرة سمحت لها أن تكتب حياتي بدلا عني.
قلت بصوت مبحوح وأنا أشعر أن حلقي يشتعل
بحثت
لم أكن أقولها لأستعيد حقا فقط بل لأدافع عن نفسي أمام نفسي. لأقول إنني لم أتركها بإرادتي وإن قلبي لم يكن قاسيا كما ظنت. قلت بحثت عنك في كل مكان. سألت. استأجرت من يتحرى. ولم أجد سوى أبواب مغلقة. لم أقل لها إن أمي كانت تقف خلف كل باب وتعيده إلى الإغلاق.
قالت لينا بصوت مشبع بالتعب
وأنا حاولت أن أحميها.
ثم نظرت إلى صوفيا. كانت صامتة تقف بيننا كأنها جسر بين زمنين. في عينيها خوف الطفولة وذكاء أكبر من عمرها. قلت لها بلطف وأنا أحاول أن أضبط ارتعاش قلبي
كم عمرك
قالت
اثنتا عشرة.
في تلك الكلمة اصطفت السنوات كحساب لا يرحم. اثنتا عشرة سنة وهذا يعني أن الحقيقة كانت تسير في الشوارع طوال تلك الأعوام بينما كنت أنا أعيش خلف الأسوار أوقع العقود وأحسب الأرباح وأقنع نفسي أنني بخير. شعرت بضربة داخل صدري ثم شعرت بشيء آخر ينهض فوق الألم قرار لا رجعة فيه.
وقفت. لم يكن الوقوف مجرد حركة. كان إعلانا داخليا بأنني لن أعود الرجل الذي يصمت ويؤجل ويترك الآخرين يديرون ما هو أثمن منه. قلت بنبرة حاسمة كأنني أخاطب العالم كله لا الغرفة فقط
انتهى الأمر. لن تبقيا هنا ليلة أخرى.
فتحت لينا فمها كأنها تريد أن تعترض كأنها تريد أن تحذرني من قوة أمي ومن نفوذها ومن ثمن المواجهة لكنني لم أترك للخوف مساحة. اقتربت منها ومددت يدي إليها ثم حملتها بين ذراعي. كانت خفيفة بشكل مخيف خفيفة كأن الحياة كانت تنقصها كل يوم حتى صارت وزنا من الريح. هذا الوزن الخفيف لم يمنحني راحة بل منحني رعبا صامتا كم كانت تعاني وحدها كم من الليالي نامت وهي تحاول أن
قلت لصوفيا وأنا أنظر إليها بعينين لم أعد أستطيع إخفاء دموعهما
صوفيا خذي ما يهمك.
ركضت الفتاة إلى زاوية الغرفة إلى حقيبة قديمة وبدأت تضع فيها أشياء صغيرة دمية مهترئة دفترا قلما وربما قطعة قماش تحتفظ بها لأنها تذكرها بأيام أقل قسوة. كانت تجمع حياتها في دقائق كما لو أنها اعتادت أن تكون جاهزة للهروب دائما. ورأيت في ذلك شيئا يكسر القلب طفل يعيش وكأنه لا يملك مكانا ثابتا في العالم.
خرجنا إلى الممر. كانت الجدران كئيبة والهواء خانقا. نزلنا الدرج المكسور. في الأسفل وقفت امرأة بملابس عمل وجهها متجهم قالت بحدة إلى أين تأخذها عليها إيجاران متأخران. لم أجادل. لم أرفع صوتي. سألت فقط كم قالت أربعمئة مع الغرامات. أخرجت المال ووضعت في يدها أكثر مما طلبت ثم قلت ببرود رجل اعتاد الحسم احتفظي بالباقي. وإن سأل أحد أين ذهبوا فقولي إنهم تحت حماية غرانت إليسون.
خرجنا إلى الشارع. الشمس ما تزال حارقة لكن الهواء بدا مختلفا ليس أخف بل أكثر صدقا كأنه يقول لي الآن ترى. وضعت لينا بعناية في المقعد الخلفي وجلست صوفيا قربها تمسك يد أمها كأنها تخاف أن تختفي من جديد. نظرت إليهما في المرآة وقلت
سنذهب إلى المستشفى أولا. أعدك.
في المستشفى تغير كل شيء بسرعة ليس لأن المرض اختفى فجأة بل لأن العناية وصلت أخيرا. الأطباء تحركوا الأجهزة بدأت تعم
السوائل دخلت في عروقها الأكسجين خفف ضيق صدرها. سمعت كلمات طبية تتطاير التهاب رئوي فقر دم شديد إجهاد سوء تغذية. وكل كلمة منها كانت صفعة هذا ما كانت تحمله
بعد ذلك جاء الحديث عن الإثبات عن القانون عن أمي عن احتمال أن تقف ضدنا وتقول إننا نتوهم أو نكذب أو نبتز. شرحت لصوفيا اختبار الحمض النووي ووافقت دون تردد لأنها كانت تفهم شيئا لا يفهمه كثيرون الورق قد يصير درعا حين تكون الحقيقة مهددة.
وجاءت النتيجة 99 9999. أرقام باردة لكنها فجأة صارت أدفأ شيء في حياتي. ركعت أمام صوفيا ونظرت إلى وجهها ورأيت في ملامحها جزءا مني لم أعرف أنه موجود. قلت بصوت خاشع كأنه اعتراف أمام قدر لا يرد
أنت ابنتي.
لم تصرخ. لم تتلعثم. لم تتردد. كأنها كانت تنتظر تلك الكلمة منذ ولادتها. ابتسمت ابتسامة كبيرة ثم قالت وهي تعانقني
أحبك يا أبي.
وفي تلك اللحظة لم يعد الماضي مجرد حكاية مؤلمة صار مسؤولية. لم يعد الألم شيئا يبكى عليه فقط صار شيئا يجب إصلاحه. خرجت لأواجه أمي لا لأنتقم فحسب بل لأضع حدودا جديدة حدودا تحمي لينا تحمي صوفيا وتحمي الرجل الذي أردت أن أكونه ولم أستطع بسبب الخوف.
ثم انتهت سيطرتها. انتهى ذلك الخيط غير المرئي الذي كان يلتف حول حياتي ويشدني كلما حاولت أن أتنفس بحرية. وعاد بيتي للحياة لا لأنه صار أكثر فخامة بل لأنه صار أقل وحدة. صارت الضحكة تعلو في غرفه وصار هناك معنى في الممرات التي كانت صامتة.
وفي النهاية حين وقفت صورتان تحت الدرج فهمت أن كل ما كنت أظنه صدفة لم يكن صدفة. فهمت أن القدر قد يطرق بابك في هيئة طفلة متعبة تحمل كيس برتقال وتقول بهدوء
سيدي هل تود شراء بعض البرتقال
وأنك إن فتحت الباب مرة واحدة بصدق قد تدخل حياتك