طفلة باعت البرتقال… فأعادت إليّ حياتي كلها

لمحة نيوز

سنوات بلا إجابة داخلي. لم تكن لينا قد رحلت ببساطة. لقد ذهبت ومعها سر.
نظرت إلى صوفيا ثانية. في الثانية عشرة. ضربني التوقيت كصفعة.
قلت أخيرا ودموعي تطمس الرؤية
هيا. لم أؤذ أمك. لقد أحببتها أكثر من أي شيء. وأظن أنني كنت أبحث عنك دون أن أدري. خذيني إليها.
اتسعت عيناها.
نعيش بعيدا يا سيدي. ليس كهذا الحي. إنه ليس جميلا.
قلت وأنا أتناول مفاتيحي
لا يهمني. حتى لو كان على القمر. سنذهب. إن كنت محقا فحياتك ستتغير اليوم يا صوفيا. وحياتي كذلك.
قدت سيارتي السوداء مسرعا خارج برينتوود وكأن أحدا يطاردنا. الشوارع الأنيقة تحولت إلى طرق أكثر ازدحاما ثم إلى أرصفة متشققة ومبان قديمة ونحن نتجه شرقا. جلست صوفيا بجانبي تضم كيس البرتقال والصورة كأنهما طوق نجاة.
سألتها
أي مخرج
قالت
مابل. ثم استمر حتى الجسر الأصفر. بعدها يمينا. نسكن قرب المغسلة.
كل شارع مررنا به كان صفعة لما تجاهلته. بينما كنت أختار النبيذ الذي أشربه وحيدا كانت ابنتي يا إلهي ابنتي تسير هنا تتنفس العادم والخوف وتحاول بيع ما يكفي من الفاكهة لشراء الدواء.
وصلنا إلى شارعها. البيوت مائلة الطلاء متقشر الساحات تحولت إلى مواقف سيارات. مبنى طوب من ثلاثة طوابق بدا منهكا من السنين.
أشارت
هناك. الطابق الثالث. 305.
أوقفت السيارة ونزلت غير مبال بنظرات المارة.
رجل بزي عمل حدق في بدلتي ثم في السيارة. امرأة تسقي نباتات بلاستيكية من شرفة توقفت تحدق بريبة.
قلت وأنا أفتح الباب لصوفيا
هيا.
داخل المبنى رائحة رطوبة وزيت طبخ. الدرابزينات مكسورة. صعدت صوفيا بسرعة معتادة على الدرج المتآكل. انزلقت حذائي الفاخرة على الخرسانة المتشققة.
توقفت أمام باب خشبي رقيق منتفخ من الرطوبة. كان القفل مفتوحا.
نادت
ماما عدت. وأحضرت شخصا.
دخلت خلفها وتوقفت.
كانت الشقة غرفة واحدة. طاولة بلاستيكية وكرسي واحد. موقد صغير على الأرض. فراش في الزاوية أغطية بالية. الجدران متسخة والسقف متشقق.
تحرك أحد على الفراش.
دفعت المرأة نفسها ببطء لتجلس على الفراش كأن الحركة وحدها تكلفها ما لا تملكه من قوة. كان جسدها نحيلا إلى حد يؤلم الصدر قبل العين كأن الحياة كانت تنزع منها طبقة بعد طبقة حتى لم يبق إلا خيط رقيق يتشبث بالتنفس. بشرتها شفافة تظهر تعب الدم في العروق وعيناها غائرتان تحيطهما هالات داكنة كأنهما قضتا أعواما طويلة في السهر والخوف. وقبل أن تتمكن من الكلام هزها سعال عميق سعال بدا كأنه يخرج من أعماقها لا من صدرها فقط فأمال رأسها إلى الأمام ثم رفعت وجهها بصعوبة وحاولت أن ترسم ابتسامة واهنة ابتسامة أم تريد أن تخفي انهيارها عن ابنتها حتى وهي على وشك السقوط.
قالت بصوت مبحوح يجر الكلمات
جرا
صوفيا عدت مبكرا. هل بعت ال
وتوقفت الجملة في منتصفها كأن شيئا خنقها فجأة لا السعال هذه المرة بل المشهد الذي وقع في عينيها. فقد رأتني.
في اللحظة التي التقت فيها نظرتنا اختفى اللون من وجهها كما لو أن شخصا ما سحب الضوء من الغرفة. اتسعت عيناها لحظة ثم انكمشتا في دهشة لا تصدق. ارتجفت شفتاها ورفعت يدها سريعا إلى فمها كمن يخشى أن يهرب منه صوت يكشف الحقيقة قبل أن يتيقن أنها حقيقة. همست بالكاد كأنها تخاف إن نطقت الاسم بصوت أعلى أن يتبدد
لا هذا وهم إنها الحمى.
كانت تقول ذلك لنفسها بقدر ما تقوله لنا. كانت تحاول أن تقنع قلبها أن الألم الذي ظل مطمورا عشر سنوات لا يمكن أن يعود فجأة ويقف أمامها في غرفة واحدة على هذا القرب في هذا الفقر في هذه الرطوبة تحت سقف متشقق. كانت تحاول أن تعيدني إلى الماضي مرة أخرى إلى تلك الذاكرة التي خبأتها كي تعيش كي تربي ابنتها كي لا تنهار كل يوم.
تقدمت خطوة. لم أشعر بقدمي على الأرض. كانت الغرفة صغيرة لكن المسافة بيننا بدت كأنها عشر سنوات كاملة كأنها جبل من الخيبات والظنون والرسائل التي لم تصل. قلت بصوت خافت صوت رجل يحاول أن يثبت لنفسه قبل أن يثبت لها
لست تتوهمين يا لينا. أنا هنا.
ارتجفت أكثر كأن اسمها حين خرج من فمي أعاد تشكيل العالم حولها. كان في ارتجافها شيء من الخوف
وشيء من الشوق وشيء من الذنب الذي ظل يسكنها طويلا. نظرت إلى وجهي وكأنها تبحث عن خطأ صغير يثبت أن ما تراه وهم ثم قالت بصوت متقطع
غرانت كيف وجدتنا
سؤالها كان أكبر من كلماته. كان يعني كيف دخلت هذا العالم الذي تعبت في إغلاق أبوابه كيف عبرت الطريق التي أحرقتها وراءي كي لا تعود وكيف وصلت إلى ابنتي وكيف وصلت إلي وأنا بهذا الضعف بهذا الانكسار بهذه الحقيقة التي لم أرد لها أن ترى
جلست على حافة الفراش دون أن أفكر. لم أعد أرى القذارة ولا ضيق المكان ولا رائحة الرطوبة. كان كل شيء يتراجع أمام شيء واحد إنها هنا وهذه هي ابنتي وهذا الوجع له اسم. نظرت إلى لينا وخرجت الكلمات من فمي وكأنها كانت تنتظر عشر سنوات لتخرج
لماذا لماذا رحلت ولماذا أخفيتها عني
لم يكن السؤال اتهاما فقط كان صرخة رجل عاش أعواما وهو يضع الأعذار في مكان الحقيقة ويملأ الفراغ بالعمل والصفقات كي لا يسمع صوت قلبه. كان سؤال رجل ظن أنه نسي ثم اكتشف أنه كان يهرب فقط.
انحنت لينا وانفجرت الدموع التي حاولت أن تمنعها لحظة دخولي دموع
كانت قد تعلمت أن تبقيها صامتة حتى لا تخيف صوفيا. قالت وهي تبكي بصوت مكتوم وكأن كل كلمة تخرجها من صدرها قطعة
لأنها أجبرتني.
قلت وأنا أشعر أن صدري يضيق
من
رفعت عينيها إلي وفي عينيها ذلك الخوف القديم الذي لا يموت بسهولة ثم
قالت كلمة واحدة لكنها سقطت في الغرفة كحجر ثقيل
أمك.

تم نسخ الرابط