طفلة باعت البرتقال… فأعادت إليّ حياتي كلها

لمحة نيوز

كان حر شهر أيار يخيم على مدينة لوس أنجلوس كغطاء ثقيل. خارج الأسوار الحجرية العالية والتحوطات الكثيفة التي تحيط بممتلكاتي في برينتوود كان الهواء يرتجف فوق الإسفلت. أما داخل مكتبي فكان جهاز التكييف يهمس بهدوء والجدران الزجاجية تطل على حديقة مثالية وبريدي الإلكتروني ممتلئ بصفقات سترفع صافي ثروتي مرة أخرى.
اسمي غرانت إليسون. على مدى السنوات العشر الماضية بنيت فنادق وأبراج ومراكز تسوق من الساحل إلى الساحل. يطلق علي الناس ألقابا مثل الرؤيوي والقرش والعصامي. الأرقام تثبت ذلك لكن شيئا من هذه الحياة لم يعد يثيرني. النجاح ملأ جدول مواعيدي وأفرغ صدري في الوقت نفسه.
حدقت في العشب المشذب والورود البيضاء والخطوط النظيفة للمسبح. كل شيء بدا فخما. وكل شيء بدا رماديا.
ثم وميض أحد شاشات المراقبة على مكتبي.
كان هناك شخص يقف عند البوابة الأمامية.
عادة ما كان الحراس عند الشارع يبعدون الباعة قبل أن يقتربوا من المنزل لكن بطريقة ما تسللت هيئة صغيرة إلى الداخل. قربت الصورة.
فتاة. في الثانية عشرة تقريبا. نحيلة بشعر داكن مربوط في ذيل حصان مائل وترتدي قميص مدرسة حكومية باهتا لا يناسب مقاسها تماما. كانت تمسك كيسا بلاستيكيا من أكياس البقالة ممتلئا لدرجة أنه كان يميل بجسدها إلى أحد الجانبين. استطعت أن أرى داخله أشكالا دائرية زاهية.

برتقال.
مسحت العرق عن جبينها وأخذت نفسا ثم مدت يدها نحو زر جهاز الاتصال.
كان تجاهلها سهلا. كان بإمكاني أن أترك الشمس تدفعها إلى البيت التالي بينما أعود إلى جداولي. هذا ما كان يفعله الرجل الذي أصبحت عليه.
لكن ارتجاف ساقيها وطريقة ضغطها على شفتيها كي لا تبكي اخترقت لامبالاتي المريحة.
ضغطت زر الاتصال.
قلت بصوت خرج أقسى مما أردت
من هناك
قفزت الفتاة قليلا واقتربت من السماعة.
مساء الخير سيدي. آسفة على الإزعاج. اسمي صوفيا.
كان صوتها ناعما لكنه متماسك ممتلئا بتلك الشجاعة المهذبة التي يتعلمها الأطفال حين تكون الحياة قد قست عليهم مبكرا.
أبيع البرتقال يا سيدي. إنه حلو جدا. هل تود أن تشتري أنا أحاول المساعدة في ثمن دواء أمي.
في هذه المدينة تسمع مئات القصص المشابهة كل أسبوع. يستعمل الناس المرض كنص محفوظ. لكن كان في نبرتها شيء خام متعب غير متكلف أخبرني أن هذا ليس تمثيلا.
قلت
انتظري هناك.
غادرت برودة مكتبي وخرجت إلى الخارج. ضربني الحر فورا والتف حول عنقي. وعندما انزلقت البوابة الحديدية رفعت الفتاة رأسها إلي بمزيج من الخوف والأمل.
سألتها
بكم
قالت
ثلاثة بخمسة دولارات أو عشرة بخمسة. إنها جيدة فعلا أعدك.
مددت يدي إلى محفظتي. لم يكن معي سوى أوراق نقدية كبيرة. عشرون خمسون وورقة مئة واحدة. أخرجت المئة.
قلت
سآخذها كلها.
واحتفظي بالباقي.
امتلأت عيناها بالدموع بسرعة مؤلمة.
كلها سيدي أنا لا لا أملك فكة.
قلت
لا أحتاج فكة. إن كان المال لدواء أمك فليكن لذلك. لكن يا صغيرة لا تبدين بخير. أنت شاحبة.
تمايلت قليلا.
أنا بخير. فقط لم أتناول الفطور.
لعنت بصوت منخفض. المدينة. النظام. نفسي.
قلت وأنا أفتح البوابة أكثر
ادخلي. سأعطيك ماء وطعاما. لن أسمح لك بالتجوال هكذا.
ترددت صوفيا ثانية واحدة ثم أومأت ودخلت العالم الكامن خلف بوابتي.
كانت حذاؤها المهترئ يترك آثار غبار خفيفة على الأرضية الحجرية ونحن نعبر بهو الدخول. السقوف العالية الدرج المنحني الجدران الزجاجية التي تفاخر بها مصممون من لندن كانت تتأمل كل شيء بعينين واسعتين.
سألت بهدوء
هل يعيش هنا كثير من الناس
قلت
أنا فقط.
بدا أن الجواب أحزنها.
قلت وأنا أشير إلى طاولة جانبية
ضعي البرتقال هنا. اجلسي على ذلك الكرسي. سأعود فورا.
في المطبخ تحركت بسرعة لم أعرفها منذ سنوات. صنعت شطيرة سميكة وسكبت كأسا طويلا من العصير وجمعت فاكهة ولوح بروتين أي شيء يشبه القوة على طبق. وبينما كنت أرتب الصينية شعرت بإحساس غريب في صدري مزيج من الحماية والهلع.
ماذا أفعل رجل يوقع عقودا مع بنوك في ثلاث دول قبل الغداء يصنع طعاما لبائعة في الشارع لم أكن أملك جوابا. كنت أعلم فقط أنني لا أستطيع فعل غير ذلك.
عندما عدت
إلى البهو تجمدت في مكاني.
لم تكن صوفيا جالسة حيث تركتها. كانت واقفة قرب الدرج أمام طاولة جانبية. كانت تمسك إطارا فضيا الصورة الوحيدة التي لم أستطع يوما أن أضعها بعيدا.
لينا.
التقطت تلك الصورة قبل عشر سنوات في متنزه بإيكو بارك حين كانت حياتي لا تزال متجهة نحو شيء دافئ. قبل أن ترحل دون كلمة وتترك فجوة حاولت ملأها بالصفقات والزجاج والحديد.
كانت صوفيا تمسك الإطار كما لو كان شيئا مقدسا. كانت كتفاها ترتجفان.
قلت بلطف وأنا أضع الصينية قبل أن تسقط من يدي
مهلا.
استدارت نحوي. كانت عيناها الداكنتان والكبيرتان على وجه صغير تسبحان بالدموع.
قالت بصوت مكسور
سيدي لماذا لديك صورة أمي في بيتك
طن صوت حاد في أذني.
قلت
ماذا قلت
ضمت الإطار إلى صدرها.
هذه أمي. شعرها أطول وتبدو سعيدة. لكنها هي. هذه أمي لينا.
اقتربت خطوة وكأنني أحلم. نظرت إلى الصورة ثم إلى الطفلة أمامي. أزلت في ذهني تعب الشارع والإرهاق فظهرت ملامحها أنف لينا الصغير انحناءة فمها النظرة المركزة التي كانت تحدق بها في حين تقول إنها تؤمن بمن أستطيع أن أكونه.
قلت بصوت مرتجف
اسم أمك لينا لينا موراليس
أومأت وهي تبكي.
نعم. هل هل تعرفها هل أنت غرانت الذي تتحدث عنه حين تمرض
كادت ركبتي تخوناني.
هل تذكر اسمي
قالت هامسة
أحيانا. تظنني نائمة لكنني أسمعها. تبكي وتقول إنها
آسفة وتقول اسمك. سيدي ماذا فعلت بأمي لماذا لديك صورتها
اجتمعت أسئلة عشر
تم نسخ الرابط