حين أسقطنا الماضي في البحر… وبدأنا نعيش من جديد

لمحة نيوز

هو لا يحبك كثيرا.
سيتعود. الطفل يحتاج للحزم. لو استمعت فقط لأطباء النفس والدموع لن يتحسن. دعني أحاول.
قبل أن يرفض قالت بسرعة
سآتي مساء اليوم. أحضر حقيبتي وأكون عندكم في الثامنة.
وأغلقت الخط.
في الثامنة تماما وصلت فيرونيكا بحقائبها.
جئت لأبقى عدة أيام. أين غرفة الضيوف
رافقتها كارمن إلى الغرفة وهي تشعر بقلق عميق. كانت تعرف أن وجود فيرونيكا لن يخفف عن غابرييل بل سيزيد معاناته.
قالت بحذر لريكاردو
سيدي هل أنت متأكد أن هذه فكرة جيدة
ابني يحتاج إلى أم. فيرونيكا تريد أن تساعد.
لكنه لا يشعر بالارتياح نحوها
سيضطر إلى أن يعتاد. لا خيار آخر.
نزلت فيرونيكا بعد قليل متأنقة كعادتها وكأنها في مناسبة اجتماعية لا في بيت فيه طفل مريض.
قالت بابتسامة مصطنعة
ألن ينضم غابرييل إلينا على العشاء
هو لا يأكل كثيرا في هذه الأيام.
اتركه لي. سأصعد إليه وأتحدث معه.
إنه ضعيف جدا
لهذا يحتاج إلى الحزم. الطفل لا يجب أن يفرض إيقاعه على البيت.
صعدت إلى غرفته دون أن تنتظر إذنا.
وجدته مستلقيا على السرير يحتضن دميته ينظر إلى السقف بلا هدف.
قالت وهي تدخل
مرحبا يا غابرييل. جئت لأزورك.
نظر إليها بلا كلام.
سمعت أنك لا تأكل جيدا. هذا لا يجوز. يجب أن تأكل لتتحسن.
ظل صامتا.
غابرييل أنا أتحدث إليك. من قلة الأدب ألا ترد على الكبار.
همس أخيرا
أنا لم أطلب منك أن تأتي.
لا يهم. أنا هنا لأنني أهتم لأمرك.
نظر إليها نظرة منهكة
أنت لا تهتمين بي.
بل أهتم.
لماذا
ارتبكت
ماذا تقصد
لماذا تهتمين بي ماذا تعرفين عني
أعرف أنك فتى ذكي.
هذا يراه الجميع. ماذا أيضا هل تعرفين لوني المفضل الطعام الذي أكرهه سبب كوابيسي كيف كانت أمي تضحك هل تعرفين شيئا من هذا
قالت بتوتر
هذه أمور نتعلمها مع الوقت.
خالتي هيلينا عرفت كل ذلك في أسبوع واحد. لم تحتج إلى وقت طويل لأنها كانت تنظر إلي حين تتحدث معي لا إلى أبي.
قالت بحدة
انس تلك المرأة. هي ليست جيدة لك.
جلس غابرييل على السرير فجأة والغضب يلمع في عينيه لأول مرة منذ أيام
كيف تحكمين عليها وأنت لم تعرفيها
أعرف نوعها امرأة فقيرة تستغل عائلة ثرية.
خالتي هيلينا لم تستغل شيئا. اعتنت بي لأنها تحبني.
بل أحبت مال أبيك.
وقف الصبي جسده يرتجف
أنت كاذبة.
إياك أن تتحدث بهذا الشكل معي.
سأتحدث كما أشاء. أنت لا تعرفين شيئا عن خالتي هيلينا. هي طيبة أنت التي تريدين مال أبي لا أنا.
قالت بعصبية وهي تفقد السيطرة
أنت ولد قليل التهذيب ومدلل.
وأنت منافقة.
ارتفعت يدها لا إراديا وصفعته على خده. دوى صوت الصفعة في الغرفة.
رفع يده إلى وجهه والدموع تتجمع في عينيه وهمس
أضربتني
تراجعت فيرونيكا مدركة ما فعلته
غابرييل أنا لم أقصد أنت أغضبتني
لكن الطفل كان قد اندفع خارج الغرفة وهو يصرخ
أبي! أبي!
كان ريكاردو في قاعة الطعام حين سمع الصراخ. هرع إلى الصالة فوجد ابنه يركض نحوه يختبئ بين ذراعيه وجهه محمر وعيناه مغرورقتان.
ماذا حدث
لقد ضربتني!
نظر إلى فيرونيكا التي نزلت خلفه من السلم وملامح الندم على وجهها
هل هذا صحيح
ريكاردو كان فقط صفعة صغيرة. كان وقحا معي.
احتقن وجه ريكاردو شعر بغضب لم يشعر
به من قبل
ضربت ابني
لقد استفزني
ضربت ابني
لا تضخم الأمر. إنه محتاج إلى الشدة.
ضم ريكاردو غابرييل بقوة ثم نظر إليها بعينين باردتين
اخرجي من بيتي. الآن.
ريكاردو دعنا نتحدث بهدوء
لا كلام. احملي حقائبك وغادري فورا.
راحت تحاول التبرير لكنه كان حاسما. في دقائق كانت في الشارع تنتظر سيارة أجرة والباب يغلق خلفها بلا رجعة.
جلس ريكاردو مع ابنه يتفحص أثر الصفعة على خده.
هل يؤلمك كثيرا
هز رأسه نفيا وهو يبكي
الوجع الأكبر إنها تحدثت بالسوء عن خالتي هيلينا قالت إنها تريد مالك. وأنا دافعت عنها لهذا ضربتني.
سأل ريكاردو بخوف جديد
غابرييل هل أنت متأكد أن هيلينا كانت تحبك حقا
نظر إليه الصبي باستغراب مؤلم
بالطبع يا أبي. هي الوحيدة التي كانت تسألني إن كنت بخير الوحيدة التي كانت تستمع حين أريد أن أتحدث عن أمي. لماذا لم تسألني عن هذا من قبل
لأني لم أكن أعرف كيف أسمعك.
كل مرة حاولت أن أتكلم عن أمي كنت تغير الموضوع. كل مرة بكيت قلت لي أن أكون قويا. كل مرة احتجت إليك كنت في العمل خالتي هيلينا لم تفعل ذلك. كانت تقول إن الاشتياق ليس ضعفا وإن البكاء على من نحبه طبيعي.
لم يستطع ريكاردو كبح دموعه. لأول مرة منذ سنتين جلس مع ابنه يبكيان معا لا بشكل منفصل كما كان يفعل كل واحد منهما في غرفته.
قال بصوت متهدج
سامحني يا ابني. لقد كنت أبا سيئا جدا.
أنت لست سيئا يا أبي أنت مكسور مثلما أنا مكسور. لكن يمكننا أن نصلح ما تبقى.
كيف
تتوقف عن الهروب مني إلى العمل وأتوقف أنا عن الخوف من الحديث معك. نتعلم أن نكون عائلة من جديد.
وفي تلك اللحظة التئم شرخ عميق بينهما. لم يلتئم كله لكنه بدأ يتعافى أخيرا.
سأل غابرييل بعد قليل بصوت يختلط فيه الرجاء بالخوف
أبي هل تعتقد أن خالتي هيلينا ستسامحنا
لماذا لا تفعل أنت لم تخطئ في حقها.
لكن أنت طردتها وقلت لها أشياء قاسية ستتألم.
تنهد ريكاردو
أعلم لهذا يجب أن أطلب منها الصفح.
يجب أن تعتذر بصدق.
سأفعل.
وإن لم ترجع
ساد صمت حزين ثم قال الأب
سيكون ذلك حقها. لكن على الأقل ستعرف أننا ندمنا وأننا نقدرها.
في السابعة صباحا استيقظ ريكاردو باكرا استحم ارتدى ملابس أنيقة وطلب من كارمن أن تعد سلة إفطار بسيطة ليحملها معه. أراد أن يذهب إلى هيلينا لا خالي اليدين بل حاملا علامة احترام.
سأل كارمن وهو يراقبها تجهز السلة
هل تعتقدين أنها ستسامحني
يعتمد على طريقة كلامك يا سيدي. هيلينا امرأة طيبة لكنها تملك كرامة. إن ذهبت لتأمرها سترفض. وإن ذهبت لتطلب الصفح قد تسمعك.
سأذهب لأطلب الصفح لا شيئا آخر.
أخذ السلة واستعد للخروج. قال له غابرييل بصوت ضعيف من على السرير
أرجوك أعدها
سأحاول بكل ما أملك.
كانت النزل الذي تسكن فيه يقع في حي قديم من المدينة. المبنى متآكل الواجهة الدرج ضيق الأرضية باردة. كان المكان كله بعيدا جدا عن عالم القصور.
صعد إلى الطابق الثالث ووقف أمام الباب رقم 305. طرق بلطف.
سمع صوتها من الداخل
من
أنا ريكاردو.
ساد صمت قصير ثم قالت
ماذا تريد يا سيدي
أرجوك أحتاج إلى الحديث معك دقيقة واحدة.
فتح الباب قليلا فظهرت هيلينا بثوب بسيط وشعر منسدل ووجه متعب لكن
عينيها لم تفقدا عمقها. كان في ملامحها شيء من الحزن العميق أكثر من الغضب.
ما الذي أتى بك إلى هنا
جئت لأعتذر.
رفعت حاجبيها بدهشة حقيقية. طوال الفترة التي عملت فيها عنده لم تسمعه يعتذر لأحد.
تعتذر عن ماذا
عن كل شيء. عن طردك ظلما عن تصديق أكاذيب عنك عن جرح كرامتك عن أني لم أر ما كنت تفعلينه من أجل ابني.
فتحت الباب قليلا أكثر لكنها لم تدعه يدخل بعد.
وما الذي جعلك تقتنع فجأة أني لست متلاعبة كما زعمت
أخذ نفسا عميقا
غابرييل مريض. الطبيب قال إنها حالة اكتئاب شديد. قال إن ابني يموت من الحزن وأن الحل الوحيد هو إعادة الشخص الذي يحبه حقا إلى حياته.
تغير وجه هيلينا وشحب لونها.
اكتئاب لكنه مجرد طفل
هذا ما قلته أنا أيضا. لكن الطبيب شرح لي كل شيء. وقال إنك كنت من القلائل الذين اهتموا به بحق.
وكيف حاله الآن
سيئ ضعيف لا يأكل لا يتكلم كثيرا. وهذا ليس كل شيء فيرونيكا تلك السيدة ذات الفستان الأزرق صفعته على وجهه لأنه دافع عنك.
اتسعت عيناها غضبا وصدمة
ضربته! لأنه دافع عني
نعم. في تلك اللحظة أدركت كم كنت أحمق. طردت المرأة الوحيدة التي وقفت إلى جانبه بالفعل وأحضرت إلى بيتي من يستطيع أن يؤذيه بكل برود.
فتحت الباب بالكامل هذه المرة
ادخل لن نتحدث في الممر.
دخل إلى الغرفة الصغيرة. كان فيها سرير متواضع وخزانة قديمة وطاولة بسيطة. شعر بثقل في صدره وهو يرى المكان الذي أجبرت على العيش فيه بعد طردها من القصر.
قال بهدوء
غابرييل حكى لي كل شيء. كيف كنت تصعدين إليه عندما يستيقظ من كوابيسه كيف كنت تسمعين حديثه عن أمه كيف كنت الوحيدة التي تلتفت حقا إلى مشاعره.
جلست على حافة السرير وقالت
من السهل أن يرى أي شخص أن هذا الطفل يعاني من فراغ عاطفي هائل. هو وحيد في بيت مليء بالخدم. لكنني كنت أعرف أيضا أنك أنت نفسك غارق في ألمك فقدان زوجتك دمر شيئا داخلك.
سألها بدهشة
كيف عرفت هذا
لأنني مررت بتجربة مشابهة. فقدت من أحب وعرفت كيف تجعلنا الصدمة عميانا عن كل شيء حولنا.
سكتت لحظة ثم أضافت بصوت خافت
ومع ذلك اعتنيت بغابرييل ليس فقط لأنه يحتاج إلى ذلك بل لأنني تعلقت به. في ستة أشهر أصبح مثل ابني.
شعر ريكاردو بقلبه ينقبض
جئت أعرض عليك العودة إلى البيت.
سألت بجمود
كخادمة
كأي شيء تختارينه خادمة مربية مدبرة جزء من الأسرة سأحترم ما تختارينه أنت.
صمتت تفكر.
تابع برجاء صادق
غابرييل يشتاق إليك حتى المرض. بالأمس أغمي عليه من شدة الحزن والضعف. أنت الوحيدة القادرة على إنقاذه.
سألته بنبرة حازمة
وهل تغير رأيك عني حقا لم تعد تعتقد أني كنت أتلاعب به
خفض رأسه خجلا
تغير كل شيء. أدركت أني كنت أحمق وأنك كنت الأم الوحيدة الموجودة فعليا في حياته منذ رحيل ماريانا.
وماذا عن النساء الخمس
كلهن خارج حياتنا الآن. فهمت أخيرا أنهن أحببن ثروتي أكثر من عائلتي.
وقفت هيلينا واتجهت نحو النافذة الصغيرة تنظر إلى الشارع المزدحم بالناس البسطاء.
هل تسمح لي ببعض الأسئلة
بالطبع.
لو عدت هل ستعاملني باحترام كإنسانة أولا لا كخادمة فقط
أعدك بذلك.
هل ستتوقف عن الاختباء في العمل وتقضي وقتا حقيقيا مع ابنك
نعم. أدركت الآن
أنه يحتاج إلي بقدر حاجته إليك.
وإن قررت في المستقبل الزواج بامرأة أخرى هل ستتذكر أن لابنك رأيا أنه ليس قطعة أثاث في حياتك
فكر قليلا ثم قال بصدق
نعم. ولن أكرر ما حدث مرة أخرى.
ترددت لحظة ثم سألته
غابرييل ماذا يقول عني الآن
ابتسم ريكاردو ابتسامة حزينة
قال أمس إنك الإنسانة الوحيدة التي يريدها أما. وقال إنه يتخيلك وترافقينه إلى المدرسة وتعتنين به عندما يمرض وأن هذا يجعله سعيدا.
استدارت نحوه وعيناها دامعتان
أتعني أنه ما زال يريدني في حياته
أكثر من أي شيء آخر.
وأنت
تلعثم قليلا
أنا أيضا تغير شعوري. لا أستطيع تجاهل ما فعلته لنا. لقد أعادت الحياة إلى ابني وإلي أنا أيضا.
تنفست بعمق
هذا كثير دفعة واحدة. أمس كنت خادمة مطرودة واليوم تريد أن أعود
قال بهدوء
لا أطلب منك أن تجيبي الآن عن كل شيء. أطلب فقط أن تعودي إلى البيت إلى غابرييل. بعدها نترك للأيام القرار.
طالت لحظات الصمت. كان يسمع دقات قلبه بوضوح.
أخيرا قالت
سأعود.
تنفس الصعداء
حقا
نعم لكن من أجل غابرييل لا من أجلك أنت. هو من يحتاج إلي الآن.
يكفيني هذا السبب.
دعني أحزم أغراضي.
في عشر دقائق كانت مستعدة تحمل حقيبتها الصغيرة.
قال لها وهما ينزلان الدرج
شكرا هيلينا.
على ماذا
على منحك فرصة ثانية لنا جميعا.
قالت بصراحة
أنا أيضا اشتقت إليكم خصوصا إلى غابرييل.
ابتسم من قلبه لأول مرة منذ أسابيع
لنسرع إذن فهو ينتظرنا.
كان غابرييل يقف خلف النافذة عندما دخلت سيارة أبيه بوابة المنزل. تسارعت دقات قلبه.
دخل ريكاردو أولا وحده إلى الصالة. هبط قلب الطفل
لم تأت معه
قال الأب مبتسما
لم تتركني حتى أدخل يا رجل الصبر. اسألها بنفسك.
في تلك اللحظة ظهرت هيلينا عند الباب تحمل حقيبتها وابتسامة خجولة على وجهها.
صرخ الصبي
خالتي هيلينا!
ركض نحوها فتركت حقيبتها .
كان الاثنان يبكيان ويضحكان في آن واحد كمن عاد إليه نصف روحه الضائع.
قال بين دموعه
ظننت أنك لن تعودي أبدا.
وأنا أيضا ظننت ذلك لكن قلبي لم يعرف الراحة بعيدا عنك.
هل اشتقت إلي
جدا اشتقت لأسئلتك لقصصك وحتى لإزعاجك الجميل.
نظر إليها مليا وقال بجدية طفولية
أنت حزينة عيناك تقولان ذلك.
ضحكت من وسط دموعها
كنت حزينة نعم. أما الآن فأنا سعيدة لأنني هنا.
وقفت كارمن عند باب المطبخ تمسح دمعة على خدها
الحمد لله على عودتك يا هيلينا. هذا البيت كان ميتا بدونك.
وقف ريكاردو يتأمل المشهد بصمت. لأول مرة رأى بوضوح أن ما بين هيلينا وغابرييل ليس تلاعبا ولا دلالا بل حب حقيقي نادر.
قال الطفل وهو ما يزال ممسكا بها
ستبقين هنا دائما أليس كذلك
نظرت إلى ريكاردو فرأت في عينيه موافقة صادقة.
قالت
سأبقى ما دمت تريدني في حياتك.
إذا ستبقين إلى الأبد لأنني لن أتوقف يوما عن رغبة أن تكوني معي.
تركها أخيرا ليقفز إلى أبيه
شكرا أبي شكرا لأنك أعدتها.
أنا من يجب أن يعتذر لأنني تأخرت المهم أننا معا الآن.
قالت هيلينا بلطف
ما رأيك أن نصعد إلى غرفتك تحكي لي كل شيء وبعدها تتناول غداء حقيقيا
أعدك أن آكل كل شيء الآن أستطيع أن أشعر بالجوع مرة أخرى.
صعدا معا وهو يتحدث بلا توقف وهي تستمع كأن كل كلمة تساوي كنزا.

في الأسفل قالت كارمن بهدوء لمالك البيت
سيدي ريكاردو لقد اتخذت القرار الصحيح.
أتمنى ذلك.
لم أر هذه الجدران تسمع ضحكا حقيقيا كهذا منذ زمن طويل. هيلينا لم تعد الحياة إلى غابرييل فقط بل إليك أيضا.
في غرفة الطفل كانت هيلينا تصغي له وهو يحكي بتفصيل ما حدث
تم نسخ الرابط