حين أسقطنا الماضي في البحر… وبدأنا نعيش من جديد
المحتويات
إلى الصبي الذي يكاد يختنق من البكاء ثم إلى ريكاردو الغاضب.
ما الذي فعلته هيلينا بالضبط
قال بحنق
سممت عقل ابني وجعلته يتعلق بها لتسبب هذه الفوضى!
قالت هيلينا بصوت مكسور
هذا ليس صحيحا يا كارمن. أنا فقط اعتنيت به عندما احتاج إلي.
استغل غابرييل انشغال والده وحرر نفسه ثم هرع إلى هيلينا متشبثا بها بكلتا يديه
خالتي هيلينا أرجوك لا تتركيني. لا تذهبي.
وهي تشعر بجسده يرتجف من شدة البكاء
اهدأ يا صغيري
صرخ ريكاردو محاولا أن يفرق بينهما لكن كارمن وقفت في طريقه
سيدي من فضلك أنظر إلى حال الطفل. إنه ينهار.
كان غابرييل يرتجف غير قادر على التنفس جيدا يلهث
لا لا أستطيع لا أستطيع التنفس
ركعت هيلينا أمامه تحاول تهدئته
غابرييل انظر إلي. تنفس معي. شهيق زفير ببطء.
لا أقدر
قالت كارمن
سيدي إنه يعاني من نوبة هلع. هذا ليس دلالا هذا انهيار حقيقي.
نظر ريكاردو إلى ابنه يعرق يرتجف وجهه شاحب وعيناه زائغتان وشعر لأول مرة بالخوف الحقيقي.
قال
كارمن اتصلي بالطبيب!
لا داعي للطبيب الآن همست هيلينا وهي تضم الطفل إلى صدرها. هو يحتاج أن يشعر بالأمان أولا. غابرييل أنت بأمان. أنا هنا. لن أسمح لأحد أن يؤذيك.
شيئا فشيئا بدأ جسد الطفل يهدأ وعادت أنفاسه إلى وتيرتها الطبيعية لكنه رفض أن يترك هيلينا.
قالت كارمن بصوت متهدج
سيدي هذا ليس تلاعبا. هذه علاقة حقيقية بين طفل مكسور وامرأة تهتم به.
لكن قلب ريكاردو كان لا يزال أسير كبريائه.
قال بجفاء
كارمن خذي هيلينا لتجمع أغراضها. أريدها خارج هذا البيت خلال ساعة.
رفع غابرييل رأسه ودموعه لم تجف بعد
إن رحلت سأهرب من البيت.
إن فعلت ذلك سأستدعي الشرطة.
نظر إليه الصبي نظرة كسرت قلب هيلينا
أنت حقا لا تحبني يا أبي أليس كذلك
هذا غير صحيح.
بل صحيح منذ أن ماتت أمي وأنت تكره وجودي تهرب إلى العمل وتريد التخلص مني بأي طريقة حتى لو سلمتني لامرأة لا تحبني.
لم يجد الأب ما يرد به.
استدار غابرييل نحو هيلينا وقال بصوت مبحوح
شكرا لأنك اعتنيت بي. لن أنسى ذلك ما حييت.
ثم عاد إلى البيت بخطوات بطيئة كشيخ مسن يحمل هم الدنيا على كتفيه.
بقيت هيلينا في مكانها تشعر وكأن جزءا من قلبها يقتلع وهي تراه يمشي بعيدا.
قال ريكاردو بصوت مبحوح
كارمن ساعديها على ترتيب أغراضها
ثم دخل إلى البيت تاركا هيلينا في الحديقة التي قبل ساعة فقط اختارها فيها الطفل لتكون أمه وها هي الآن مطرودة مرفوضة وعاجزة عن حماية من أحبته كابن لها.
مرت ثلاثة أيام بعد رحيل هيلينا كانت ثقيلة كالسنة على قلب غابرييل. لم يغادر غرفته نادرا ما نطق بكلمة بالكاد يلمس الطعام.
كانت كارمن تصعد بالوجبات وتنزل بالأطباق كما هي.
في اليوم الثاني حاولت أن تتحدث إلى ريكاردو
سيدي ريكاردو غابرييل لا يأكل شيئا تقريبا.
قال دون أن يرفع عينيه عن شاشة الكمبيوتر
سيأكل عندما يجوع.
مر يومان وهو لا يتكلم مع أحد. هذا ليس طبيعيا.
إنها حركة دلال. سيمل قريبا.
لكن كارمن التي تعرف الطفل منذ سنوات كانت تعلم أن الأمر أبعد ما يكون عن الدلال. الصبي كان يذبل أمام عينيها ووالده يغلق عينيه كي لا يرى.
صباح اليوم الثالث رن الهاتف. كانت المتصلة فيرونيكا أغيار صاحبة
ريكاردو عزيزي كيف حالك
مرحبا فيرونيكا. بخير.
فكرت كثيرا في ما حدث في بيتك. يا لها من تجربة مزعجة مررت بها.
تنهد
كانت محرجة فعلا. أعتذر عما حدث.
لا تعتذر. ليست غلطتك بل غلطة تلك الخادمة المتلاعبة. الأمر واضح. أمضت ستة أشهر تملأ رأس الطفل بالأوهام تتظاهر بالطيبة تكسب ثقته خطة مدروسة.
توقف عن كتابة ما كان يكتبه.
أتعتقدين ذلك حقا
أنا متأكدة. المرأة الفقيرة عندما ترى رجلا ثريا أرملا وله طفل يحتاج إلى رعاية غالبا ترى فرصة ذهبية. راهنت منذ البداية على كسب قلب الصبي لتقترب منك أنت. إنها لعبة معروفة.
وجدت كلماتها طريقا إلى عقل ريكاردو المتعب. ربما كانت على حق ربما كانت هيلينا تمثل طوال الوقت
تابعت فيرونيكا
أعتقد أنك يجب أن تعطينا فرصة ثانية. الآن بعد أن اختفت تلك المرأة من حياتكم يمكننا التعامل مع الطفل بهدوء.
لا أدري فيرونيكا. هو متأثر جدا.
بالطبع عقله ملوث. يحتاج إلى وقت حتى ينسى. ما رأيك لو جئنا لزيارتكم مجددا في نهاية الأسبوع لا ضغوط فقط زيارة ودية.
تردد قليلا ثم قال
ربما
ممتاز. وأرجوك هذه المرة كن صارما مع الطفل. يجب أن يعرف الحدود.
بعد أن أنهى المكالمة شعر ريكاردو بشيء من الاطمئنان الزائف. أقنع نفسه أن هيلينا ربما استغلت ضعف ابنه. والآن حان الوقت لتصحيح الوضع.
في تلك الأثناء كانت هيلينا في غرفة صغيرة استأجرتها في نزل متواضع في وسط المدينة لا تستطيع التوقف عن التفكير في غابرييل هل يأكل هل ينام هل تصيبه الكوابيس من يواسيه عندما يستيقظ فزعا
حاولت الاتصال برقم البيت مرارا لكن لم يجب أحد. ربما منع ريكاردو العاملات من التواصل معها.
في مساء الخميس وبينما كانت تعود من السوق تحمل كيسا صغيرا من الحاجات الأساسية رأت كارمن تنتظر الحافلة في الموقف.
كارمن!
استدارت الأخرى وعيناها تتسعان بدهشة
هيلينا! لا يمكنني التحدث إليك. لو عرف السيد سيطردني.
اقتربت هيلينا متوسلة
أرجوك فقط أخبريني كيف حال غابرييل
خفضت كارمن صوتها
حالته سيئة جدا. لا يأكل لا يتحدث لا يخرج من غرفته. يذبل أمام عيني.
شعرت هيلينا بأن الأرض تنسحب من تحت قدميها.
وماذا يفعل السيد ريكاردو
يتظاهر بأنه لا يرى. يقول إنها مجرد حركة دلال لكن الطفل يتألم حقيقة.
صعدت كارمن إلى الحافلة على عجل لكنها صاحت من النافذة قبل أن تغلق الأبواب
النساء سيعدن يوم السبت!
بقيت هيلينا واقفة في مكانها تستوعب ما سمعته. المرشحات الخمس سيعدن وغابرييل في أضعف حالاته بلا قوة حتى ليدافع عن نفسه.
جاء يوم السبت. وصلت النساء إلى بيت ريكاردو في الثالثة تماما. هذه المرة كن أكثر تنظيما اجتمعن خلال الأسبوع واتفقت أفكارهن.
قالت فيرونيكا بابتسامة مصطنعة
عزيزي ريكاردو جئنا ومعنا هدايا لغابرييل لعلها تكسر الجليد.
قالت أخرى
كما أننا فهمنا أن الطفل كان ضحية تلاعب. لن نحمله المسؤولية.
جلسن في الصالة الفاخرة. كان البيت هادئا بشكل مريب. لم ينزل غابرييل. صعدت كارمن تناديه ثلاث مرات حتى ظهر أخيرا أعلى الدرج.
لو رأته هيلينا لارتجف قلبها فقد الصبي جزءا من وزنه في أيام قليلة وجف وجهه وغارت عيناه وبدا أكبر من عمره كأنه أنهكه
قال ريكاردو
تعال يا غابرييل السيدات جئن لزيارتك.
نزل ببطء وجلس على كرسي بعيد متهربا من نظرات الجميع ينظر إلى الأرض.
قالت فيرونيكا
مرحبا يا غابرييل. أحضرنا لك هدايا جميلة.
رفعت سيدة أخرى صندوقا كبيرا
انظر جهاز ألعاب إلكتروني جديد بالكامل.
وأشارت أخرى إلى دراجة لامعة
وهذه دراجة رائعة لتلعب في الحديقة.
وقالت ثالثة وهي ترفع أكياسا من الملابس
وأنا جلبت لك ملابس جميلة جدا.
وأضافت الأخيرة واضعة كومة كتب على الطاولة
وهنا كتب تعليمية ممتعة.
نظر الصبي إلى كل ذلك بلا مبالاة ثم نهض وقال بصوت مبحوح
أين خالتي هيلينا
ساد صمت ثقيل.
قال ريكاردو بجفاء
انس تلك المرأة. لن تعود.
لماذا
لأنها لم تكن جيدة لك.
هز الطفل رأسه بقوة
كانت جيدة جدا. أنت الذي لم تر ذلك.
قال الأب بغضب
لقد تلاعبت بك جعلتك تتعلق بها لتخلق الفوضى.
نظر إليه غابرييل بعينين دامعتين
هذا ليس صحيحا.
بل صحيح. والآن ستتعرف جيدا إلى هؤلاء السيدات. واحدة منهن ستكون أمك.
لا أريد أيا منهن.
اقتربت فيرونيكا منه بابتسامة متصنعة
أعرف أنك مشوش يا صغيري. تلك المرأة جعلتك تسيء فهمنا.
سألها غابرييل بهدوء حاد
أي سوء فهم أنها قالت إنكن هنا من أجل مال أبي وأنكن لا تهتممن بي هذا ما قلته أنت عنهن أمامي يا أبي أليس كذلك
تلعثم الجميع.
تابع بعينين لامعتين
لو كنتم تحبونني فعلا لماذا لم يسألني أحد منكن كيف حالي لقد مضت ثلاثة أيام وأنا لا آكل ولا أنام وأبكي كل ليلة. هل سألت واحدة منكن إن كنت بخير
سادت لحظة صمت مربكة.
قالت إحداهن بصوت خافت
نحن لم نعرف التفاصيل.
لكن خالتي هيلينا كانت تعرف. كانت تعرف أني أحب تكديس الحصى عند المسبح وأنني أخاف من الظلام وأنني أتحدث مع أمي كل ليلة. لم تحتج إلى وقت طويل لتفهمني لأنها كانت تنظر إلى قلبي لا إلى ثروة أبي.
كانت نظراتهن تهرب يمينا ويسارا غير قادرات على مواجهة حقيقة نابعة من فم طفل صغير.
قال ريكاردو وهو ينهض
يكفي يا غابرييل. اصعد إلى غرفتك.
سأصعد ولن أنزل مرة أخرى.
صعد الدرج مسرعا ثم دوى صوت الباب وهو يغلق بعنف.
قالت فيرونيكا وهي تتظاهر بالقلق
يجب أن تكون أكثر صرامة معه يا ريكاردو. لا يجب أن يتحكم طفل في البيت.
هز رأسه
أعلم سأصلح الأمور.
بعد أن غادرن في ذلك اليوم صعد ريكاردو إلى غرفة ابنه. طرق الباب فلم يجب أحد. حاول فتحه فوجده مقفلا.
غابرييل افتح الباب.
لا جواب.
ابني أرجوك.
صمت تام.
وقف الأب أمام الباب ولأول مرة بدأ يساوره شك ثقيل ماذا لو كان يدمر ابنه بالفعل لكنه كان ما يزال سجين عناده.
في الداخل كان غابرييل ملقى على سريره يحتضن دمية دبية أهداها له والده في عيد ميلاده الأخير قبل وفاة الأم. كانت عينيه محمرتين وصوته لا يكاد يسمع وهو يهمس
ماما خالتي هيلينا رحلت. أبي طردها. وأنا وحدي مرة أخرى
تخيل أن الدمية تجيبه كما كان يفعل دائما ليتحمل وحدته.
أعرف أنك لا تحبين رؤيتي حزينا لكني لا أستطيع التوقف. أحببت خالتي هيلينا كثيرا وهي لم تعد هنا لتحميني.
حاول النوم وهو يعرف أن الكوابيس ستعود لكن لم يكن هناك من يمسح دموعه بعد الآن.
في الأسفل كان ريكاردو جالسا في مكتبته يحاول التركيز في العمل لكن
هل تريدون أن تتعلموا كيف تحبونني خالتي هيلينا لم تحتج إلى أن تتعلم حبي.
بدأ يسأل نفسه أسئلة مؤلمة
هل حقا تلاعبت هيلينا بالطفل أم أنها كانت الوحيدة التي رأت معاناته هل كان هو نفسه أبا حاضرا أم ظلا بعيدا
لكن مواجهة هذه الأسئلة كانت أصعب من الهروب منها ففضل إلقاء اللوم على غيره.
مر أسبوع بعد زيارة النساء وغابرييل يزداد سوءا.
ذات صباح صعدت كارمن كالعادة لتترك الإفطار فوجدته ممددا على أرض الحمام فاقدا الوعي.
صرخت مفزوعة
سيدي ريكاردو! اصعد بسرعة!
هرع إلى الأعلى وحين رأى ابنه ملقى على الأرض شاحب الوجه خائر القوى تجمد الدم في عروقه.
ماذا حدث!
لا أعلم. وجدته هكذا.
حمله بين ذراعيه ففاجأه كم صار خفيفا. كان جسده ساخنا وعرقه باردا.
استدعي الطبيب فورا.
جاء الطبيب هنريك خلال عشرين دقيقة فحص غابرييل على سريره ثم طلب من ريكاردو أن ينزل معه إلى المكتبة.
قال الطبيب بجدية
جسديا لديه سوء تغذية جفاف إنهاك حاد. لكن هذا ليس أصل المشكلة.
ماذا تعني
ابنك يعاني من اكتئاب طفولي شديد. هو يستسلم للحزن كأنه يترك نفسه يموت ببطء.
شعر ريكاردو وكأنه يتلقى صفعة قاسية.
اكتئاب لكنه طفل.
الأطفال أيضا يصابون بالاكتئاب خصوصا بعد الصدمات الكبيرة. فقد الأم واحدة منها. لكن ليست وحدها.
توترت ملامح ريكاردو
ماذا تقصد
أخبرتني كارمن عن خادمة اسمها هيلينا كانت قريبة جدا من الطفل ورحلت فجأة. هذه خسارة جديدة فوق خسارة قديمة.
قال بحدة دفاعية
رحلت لأنها كانت تتلاعب بعقله!
نظر إليه الطبيب نظرة حادة
ريكاردو أعرفك منذ ولادة غابرييل. هل تسمح لي أن أكون صريحا معك
تفضل.
هل كانت تلك المرأة فعلا تتلاعب به أم أنك لم تتحمل فكرة أن شخصا آخر يعرف كيف يعتني بابنك أكثر منك
كتم ريكاردو أنفاسه ولم يجد جوابا.
تابع الطبيب
خلال عامين كم مرة صعدت إلى غرفته حين كان يبكي
أنا أعمل كثيرا
أما هيلينا فكانت تصعد في كل مرة. كانت تعرف كوابيسه مخاوفه الصغيرة عاداته اليومية. هل تسمى هذه مناورة أم تسمى اهتماما
لم يستطع ريكاردو الرد.
سمعت أيضا أن المرشحات للزواج عدن لزيارته. كيف كان رد فعله
سيئا للغاية. رفضهن تماما.
واعتبرته أنت دلالا
نعم
هز الطبيب رأسه
ابنك لا يتدلل يا ريكاردو. هو يموت ببطء من الحزن. إن لم تتصرف بسرعة ستكون العواقب خطيرة.
ما نوع هذه العواقب
قد نضطر إلى إدخاله المستشفى وتركيب أنبوب تغذية وربما علاج نفسي مكثف هل تريد أن يصل إلى هذا الحد
شحب وجه الأب
ألهذه الدرجة!
نعم. والحل لا يكمن في دواء بل في شيء آخر.
ما هو
إعادة ما فقده فجأة شخص يحبه بصدق لا لأجل المال ولا المصالح يحبه لأنه هو. شخص مثل هيلينا.
غادر الطبيب تاركا ريكاردو وحيدا مع ضميره للمرة الأولى منذ زمن طويل.
صعد إلى غرفة ابنه. كان غابرييل نائما لكن حتى في نومه بدا وجهه متألما. جلس الأب قرب السرير ينظر إلى ملامحه النحافة الزائدة الشحوب الهشاشة كيف سمح لنفسه ألا يراه وهو ينهار هكذا خطوة خطوة
رن الهاتف كانت فيرونيكا مجددا
ريكاردو عزيزي سمعت أن غابرييل أغمي عليه. يا له من مسكين.
الطبيب قال إنه اكتئاب شديد.
آه هذا ما توقعته.
قال الطبيب إن الطفل بحاجة لشخص يحبه
وهذا ما أريد أن أقدمه له. فكرت أنا والفتيات في حل ماذا لو جئت لأقيم في البيت أياما قليلة أعتني به أطبخ له أساعده على الاعتياد علينا
تردد
ريكاردو
لا أدري
متابعة القراءة