حين أسقطنا الماضي في البحر… وبدأنا نعيش من جديد

لمحة نيوز

كانت مجرد خادمة فقيرة لكن في اليوم الذي رأى فيه ذلك الصبي ذو التسعة أعوام وهو يشير إليها وسط خمس نساء ثريات ويصرخ
أنا أختارها هي لتكون أمي
أدركت أن قلب الطفل أحيانا يرى ما لا يستطيع الكبار رؤيته.
كان ريكاردو ألميدا في حديقة القصر حين قرر أن الانتظار لم يعد ممكنا. عامان من دون ماريانا كانا كافيين بالنسبة إليه. ابنه غابرييل ذو التسعة أعوام بحاجة إلى أم وهو قرر أن يحسم الأمر في ذلك اليوم.
كان الصبي يلعب وحده قرب المسبح يكدس الحصى الصغيرة بعضها فوق بعض كما يفعل دائما عندما يريد أن يصبح غير مرئي في هذا البيت الكبير.
منذ رحيل أمه المفاجئ تحول غابرييل إلى ظل يتحرك في أرجاء القصر موجود بالجسد غائب بالروح.
قال ريكاردو بصوت حازم
غابرييل تعال إلى هنا حالا!
اقترب الصبي بخطوات بطيئة وعيناه الخضراوان المطابقتان تماما لعيني ماريانا تلمعان بحزن عميق. شعر ريكاردو بانقباض في صدره لكنه طرد ذلك الإحساس بسرعة. لم يعد يحتمل البقاء عالقا في الماضي إلى الأبد.
جلس بجانبه وقال
ابني أنت تعرف أني أحبك أليس كذلك
اكتفى غابرييل بهز رأسه.
في الأيام الأخيرة صار قليل الكلام قليل الابتسام وكأن شيئا انطفأ بداخله.
تابع ريكاردو
وأمك رحمها الله كانت دائما تريد لنا أن نكون سعداء حتى بعد رحيلها.
قال غابرييل بصوت خافت
أعلم ذلك.
تنفس ريكاردو بعمق ثم أردف
لهذا قررت أمرا مهما ستنال أما جديدة.
توقفت أصابع الصبي عن تحريك الحصى.
ماذا تقصد
قال ريكاردو بثقة رجل متعود على اتخاذ القرارات
لقد اخترت خمس سيدات رائعات ستلتقي بهن اليوم وأنت من سيختار من ستكون أمك الجديدة.
شحب وجه الطفل دفعة واحدة.
اليوم!
اليوم بالذات إنهن في الطريق الآن إلى هنا.
نهض غابرييل فجأة فسقطت الحصى من بين يديه.
لا أريد أن أتعرف إلى أحد!
بل ستتعرف. إنهن نساء جميلات ثريات متعلمات واحدة منهن ستهتم بك جيدا جدا.
هتف الطفل بعناد يائس
لا أحتاج إلى أحد يهتم بي!
بدأ غضب ريكاردو يتصاعد. في الشركة يكفي أن يتكلم مرة واحدة ليطاع فورا. اعتقد أن الأمر لن يختلف كثيرا مع ابنه.
غابرييل كف عن هذه الدلال. أنت لم ترهن حتى الآن.
لا أريد أن أراهن. لا أريد أما جديدة.
قال ريكاردو بنبرة حاسمة
ليست مسألة رغبة بل مسألة حاجة. هذه البيت يحتاج إلى امرأة وأنت تحتاج إلى أم.
صرخ الطفل ودموع الغضب تلمع في عينيه
لقد كان لدي أم بالفعل! لكنها ماتت. هل نسيت أم أنك تفضل ألا تتذكرها!
طعنت الكلمات قلب ريكاردو كالسيف.
لم أنس أمك أبدا لكن الحياة تستمر يا غابرييل.
رد الصبي بمرارة
بالنسبة إليك تستمر بالنسبة إلي توقفت يوم رحلت.
بدأ يسير مبتعدا باتجاه الأشجار في آخر الحديقة. أمسك ريكاردو بذراعه بقوة.
لن تذهب إلى أي مكان. ستبقى هنا وستتعرف إلى هذه السيدات.
دعني!
أنا والدك وعليك أن تطيعني.
قال الصبي بصوت مكسور
أنت أب على الورق فقط. الأب الحقيقي لا يجبر ابنه على اختيار أم مزيفة.
شعر ريكاردو وكأنه تلقى ضربة قوية في معدته. تمكن غابرييل من الإفلات منه وركض إلى عمق الحديقة حتى اختفى بين الأشجار. وفي اللحظة نفسها سمع ريكاردو أصوات محركات سيارات تتوقف عند البوابة الأمامية. لقد

وصلن المرشحات الخمس. وابنه مفقود في مكان ما في الحديقة.
في الداخل كانت هيلينا سانتوس تنظف زجاج الصالة حين رأت من خلاله موكب السيارات الفاخرة يتوقف أمام البيت بي إم دبليو سوداء مرسيدس بيضاء أودي فضية
بدت لها الصورة وكأنها لقطة من مجلة للأثرياء.
دخلت كارمن مديرة شؤون البيت على عجل
هيلينا!
التفتت الخادمة
نعم يا سيدة كارمن
بناء على أوامر السيد اليوم تبقين في منطقة الخدمة فقط. لا تتجولي في أنحاء البيت ولا تظهري للضيوف.
لماذا من هؤلاء الزوار
خفضت كارمن صوتها قليلا
جاء بخمس سيدات ليتعرف إليهن غابرييل يريد اختيار زوجة جديدة.
انقبض قلب هيلينا.
خلال ستة أشهر من عملها في القصر تعلقت بذلك الطفل الحزين الذي يعيش كالغريب في بيت مليء بالناس فارغ من الدفء.
كان غابرييل يلجأ إليها دائما عندما يكون والده غائبا وكانت تجد وقتا لتسمع قصصه وخيالاته مهما كانت مشغولة.
سألت بقلق
وكيف تقبل غابرييل الأمر
بشكل سيئ جدا. هرب إلى الحديقة ويرفض العودة. السيد غاضب ومتوتر.
نظرت هيلينا من النافذة فرأت النساء ينزلن من السيارات أنيقات حتى المبالغة كعب عال ملابس باهظة تسريحات شعر متقنة بدون مثل دمى فاخرة لا تشبه عالم الأطفال في شيء.
همست هيلينا في نفسها
مسكين يا غابرييل
قالت كارمن بتحذير
لا تتدخلي هيلينا. السيد متوتر جدا. ولو عرف أنك تتحدثين مع الصبي في هذا الموضوع سيطردك فورا.
لكن فكرة واحدة ظلت تضرب صدر هيلينا بلا توقف أين هو الآن هل يبكي هل يشعر بالخوف الطفل الذي لم ينه بعد عامه التاسع فقد أمه والآن يطلب منه اختيار بديلة كما لو كان يختار نكهة آيس كريم.
من نافذة المطبخ الخلفية رأت ريكاردو يستقبل النساء عند الباب الرئيسي. كلهن يبتسمن يبالغن في اللطف واضح أن عيونهن معلقة بثروة الأرمل الغني أكثر من تعلقها بالطفل اليتيم.
تمتمت
يا إلهي وغابرييل
قالت لكارمن بحجة واهية
سأخرج إلى الحديقة لأتأكد من ري النباتات.
هيلينا لا تذهبي! ابقي هنا.
لكنها كانت قد خرجت بالفعل من الباب الخلفي مدفوعة بإحساس داخلي قوي يقول لها إن غابرييل يحتاج إليها الآن.
كان فناء القصر واسعا منطقة المسبح مساحة كبيرة من العشب وفي أقصى الطرف جزء أشجار صغيرة وجسر خشبي صغير يمر فوق جدول ماء ضيق. هناك تحت ذلك الجسر وجدت هيلينا غابرييل.
كان جالسا على العشب يضم ركبتيه إلى صدره ويخفي وجهه بين ذراعيه. لم يكن يبكي بصوت مسموع لكن الحزن كان يملأ الجو من حوله كغيمة كثيفة.
اقتربت بهدوء وقالت بلطف
غابرييل هل أنت بخير يا عزيزي
رفع رأسه فجأة بفزع وحين رأى أنها هيلينا هدأ قليلا وامتلأت عيناه بامتنان صامت.
خالتي هيلينا لا أريد العودة إلى البيت.
جلست بجواره على العشب دون أن تهتم ببقع الطين على زيها
ماذا حدث أخبرني.
تمتم بصوت متهدج
أبي يريدني أن أختار أما جديدة من بين خمس نساء لا أعرفهن حتى.
كان صوته يحمل حزنا لا يليق بطفل في عمره. شعرت هيلينا بدموع تحرق عينيها.
سألته برفق
وأنت ألا تريد أما جديدة
قال بحزم صغير موجوع
كان لدي أم بالفعل اسمها ماريانا وكانت تحبني بحق. هؤلاء النساء لا يحببنني. هن لا يعرفنني.
وكيف عرفت ذلك
لأنهن هنا من أجل مال
أبي لا من أجلي. أمي الحقيقية أحبتني قبل أن أولد حتى. أحبتني وأنا أبكي وأنا مريض وفي كل الأوقات
كان على هيلينا أن تبلع دموعها حتى لا تنهار أمامه. في عمر التاسعة كان هذا الصبي يفهم ما يتعامى عنه الكثير من الكبار.
قالت له بهدوء
ربما والدك يتألم أيضا يا غابرييل. أحيانا يرتكب الكبار حماقات عندما يكون قلبهم مكسورا.
رد بمرارة
هو نسي أمي. أزال كل صورها من البيت والآن يريدني أن أنادي امرأة غريبة بكلمة أمي. لقد أخذ الصور كلها قال إن الوقت حان للمضي قدما. لكنني لا أريد أن أمضي قدما بدون أمي.
مدت هيلينا يدها وأمسكت بيده الصغيرة الباردة
هل أخبرك سرا صغيرا
أخبريني.
أمك لم ترحل تماما. هي ما زالت هنا في قلبك في ذكرياتك في طريقتك الحنونة في الكلام في نظرتك كل ما فيك يحمل جزءا منها.
رفع غابرييل عينيه إلى عينيها مباشرة
خالتي هيلينا كل ليلة أتحدث إلى أمي قبل أن أنام. أحكي لها عن يومي وأسألها إن كانت بخير. وتعرفين ماذا قالت لي أمس
ماذا قالت
قالت إنه عندما يحين وقت أن يختار أحد ما ليرعاني سيعرف قلبي من يكون ولن أحتاج لأحد يجبرني أو يفرض علي شيئا.
شعرت هيلينا بقشعريرة تسري في جسدها.
و ماذا يقول قلبك الآن
حدق فيها بضع ثوان ثم قال بهدوء مزلزل
قلبي يقول إنك الشخص الوحيد في هذا البيت الذي يحبني حقا.
في تلك اللحظة دوى صوت ريكاردو في الحديقة
غابرييل! أين أنت تعال فورا!
انكمش الطفل مكانه
سيجبرني على الاختيار
كان صوت الأب يقترب غاضبا نافد الصبر. اتخذت هيلينا قرارا سيغير حياتها
ابق هنا لا تتحرك. سأذهب لأتحدث مع والدك.
لا خالتي هيلينا سيطردك!
لن يفعل. ولن أسمح لأحد أن يجرحك أعدك.
نهضت نزعت العشب عن ثوبها وذهبت لمواجهة ريكاردو.
وجدته قرب المسبح وجهه محتقن من الغضب والنساء الخمس يقفن إلى جانبه يراقبن المشهد باهتمام بارد.
قال لها بحدة
هيلينا! ما الذي تفعلينه هنا ألم آمرك أن تبقي في المطبخ
السيد ريكاردو غابرييل مختبئ في الحديقة. هو لا يريد مقابلة هؤلاء السيدات.
اقترب منها خطوة مهددا
أين هو
إنه خائف يا سيدي. هو طفل في التاسعة ما زال يفتقد أمه. لا يمكن معاملته بهذه القسوة.
قهقهت إحدى النساء ذات فستان أزرق ضيق
يا لها من دراما! مجرد دلع طفل مدلل.
استدارت هيلينا إليها بنظرة باردة لم تعهدها في نفسها
هل لديك أطفال سيدتي
لا.
إذا من الأفضل ألا تتحدثي فيما لا تعرفين.
احمر وجه ريكاردو من الغضب
كيف تجرئين على التحدث مع ضيوفي بهذا الشكل
قالت بصوت ثابت
أنا فقط أدافع عن غابرييل. هو لا يحتاج إلى مزيد من الضغط بل إلى مزيد من الحنان.
صرخ
ما يحتاج إليه هو أن يفهم أنني والده وأن عليه أن يطيعني!
وما يحتاجه حقا هو أن يشعر بالحب لا بالخوف.
ساد صمت ثقيل في الحديقة. كانت النساء الخمس تراقبن الموقف وكأنهن يشاهدن حلقة مثيرة من مسلسل. خادمة فقيرة ترفع صوتها في وجه رجل أعمال ثري أمام أعينهن.
قال ريكاردو من بين أسنانه
أنت مطرودة.
قبل أن ترد شق صراخ غابرييل الجو
لا!
التفت الجميع نحوه. كان يركض من جهة الأشجار وجهه مبللا بالدموع وأنفاسه متقطعة.
هتف وهو يلتصق بثوب هيلينا
لا تطرد خالتي هيلينا! إنها الوحيدة التي
تفهمني في هذا البيت.
قال ريكاردو بلهجة آمرة
غابرييل تعال إلى هنا حالا.
لن آتي. سأبقى مع خالتي هيلينا.
همست إحدى النساء ذات الفستان الأحمر باشمئزاز
يا لها من فضيحة طفل غير مهذب.
سمعها غابرييل فاستدار نحوها بعينين مشتعلة
أنت لا تعرفين شيئا عني. أنت هنا من أجل مال أبي فقط.
غابرييل! صرخ والده.
لكن الصبي رفع يده وأشار إلى هيلينا بصوت عال واضح
إذا كان لا بد من الاختيار فقد اخترت بالفعل. أختار خالتي هيلينا لتكون أمي الجديدة.
عم صمت عميق. فغرت النساء الأفواه دهشة. شحب وجه ريكاردو وشعرت هيلينا بأن الأرض تتمايل تحت قدميها.
واصل الطفل متشبثا بها
أريدها هي. هي وحدها تهتم بي حقا. إذا كان لا بد من اختيار فأنا اخترتها.
قال ريكاردو بغضب محتقن
لقد فقدت صوابك تماما.
لم يتحرك أحد من النساء بل وقفن واجمات غير مصدقات أن الطفل فضل الخادمة عليهن جميعا.
قالت السيدة ذات الفستان الأزرق بنبرة ساخرة
هذا سخيف. خادمة لا تملك أدنى قدر من التعليم المناسب لا يمكنها تربية طفل من عائلة راقية.
نظر إليها غابرييل بغضب صادق
وأنتم هل لديكم قلب مثل قلب خالتي هيلينا المعرفة يمكن أن تكتسب لكن القلب الطيب نادر.
لم تجد السيدة ما تجيب به.
صرخ ريكاردو
كفى غابرييل! إلى غرفتك فورا. وهيلينا جهزي نفسك للمغادرة.
قال الطفل وهو يبكي
أنت لا تسمعني أبدا! أمي كانت تسمعني
أمك ماتت يا غابرييل ولن تعود!
أعرف أنها ماتت! صرخ من أعماقه. لكن هذا لا يعني أن علي أن أقبل أي امرأة مكانها!
ساد صمت ثقيل. قالت إحدى النساء بخفوت
هذا الطفل يحتاج إلى علاج نفسي.
صرخ غابرييل
الشيء الطبيعي أن يكون للطفل أم. هل لديك أطفال
لا.
إذا لا تتكلمي عن شيء لم تعيشيه.
أمسك ريكاردو بذراع ابنه بقسوة
كفى وقاحة. إلى غرفتك الآن.
أنت تؤلمني!
تقدمت هيلينا خطوة
سيدي ريكاردو إنه طفل فقط
قاطعها بحدة جارحة
وأنت مجرد خادمة تجاوزت حدودك مع ابني!
أنا فقط
فقط ماذا ملأت رأسه بالأفكار وجعلته يتعلق بك لتحدثي هذه الفوضى
شحب وجهها
أبدا يا سيدي. لم أفعل ذلك في حياتي.
تدخل غابرييل وهو يبكي
هي لا تكذب! خالتي هيلينا لم تفعل شيئا سوى أنها كانت بجانبي حين كنت خائفا أو حزينا. أين كنت أنت أين كنت عندما كنت أستيقظ من الكوابيس
ارتطمت الكلمات بقلب ريكاردو كالرصاص.
بدأت النساء تتبادلن نظرات الانزعاج. همست واحدة منهن
الوضع محرج جدا من الأفضل أن نذهب.
حاول ريكاردو إنقاذ الموقف
من فضلكن لا تغادرن. سنحل الأمر.
لكن الضرر كان قد وقع. في دقائق قليلة كانت السيارات الثلاث قد خرجت من بوابة القصر. بقي ريكاردو في منتصف الحديقة يرى خطة حياته تنهار أمام عينيه.
استدار نحو هيلينا وهو يكاد ينفجر
ها قد حققت ما أردت. طردت الجميع!
قالت بهدوء متألم
لم أرد شيئا من هذا يا سيدي. أردت فقط حماية الطفل.
صرخ
أخرجي من بيتي. الآن. لا أريد أن أراك هنا مجددا.
لا! صرخ غابرييل ملقيا نفسه أمامها. إن خرجت من هنا سأخرج معها.
ستبقى وستذهب إلى غرفتك.
لن أبقى!
حاول ريكاردو جره والصبي يقاوم يبكي ويصرخ
أريد خالتي هيلينا! أتركني!
وقفت هيلينا متجمدة ممزقة بين الخوف عليه والخوف مما قد يحدث إن تدخلت أكثر.

في تلك اللحظة انفتح باب الحديقة ودخلت كارمن مسرعة
سيدي ريكاردو ما الذي يحدث أسمع الصراخ من المطبخ!
قال لها ريكاردو وهو يلهث من الغضب
اصطحبي هذه المرأة لتجمع أغراضها. لا أريدها هنا بعد الآن.
نظرت كارمن إلى هيلينا ثم
تم نسخ الرابط